جائزة نوبل والخطاب الاقتصادي السوداني .. بقلم: معتصم الأقرع


elagraa@gmail.com

🔶 المتابع للمشهد السوداني في الفترة الأخيرة يلاحظ ظاهرة مثيرة للشفقة تتلخص في ظهور مسؤول كبير أو مستشار أو مناصر للتوجه الاقتصادي الذي تبنته الحكومة واحتفاله بنجاح البرنامج الاقتصادي ثم يدلل على ذلك بتحسن في ميزان المدفوعات وقد يذكر رقما ما وقد لا يذكر.
🔶 وفي كل الأحيان يكون هذا المسؤول جاهل تماما حتى بتعريف المصطلحات التي يستشهد بها دعك عن تفسير معني وأسباب ارتفاعها أو انخفاضها فنحن في عصر التسطيح الرسمي وغسيل مخ الشعب وتحميله فاتورة تكلفة التجهيل.
🔶 عكس ما يعتقد أبواق الحكومة، لا يمكن تفسير تغير في مؤشر لمجرد انه ارتفع أو انخفض فالمعني ليس في متغير منفرد بل في كامل السياق وارتباطا بمسار متغيرات اخري ذات صلة. كما ذكرنا سابقا فان متوسط نصيب الفرد في الدخل القومي يرتفع مع سقوط شهيد أو موت جد، لذلك لا يصح تفسير ارقام ورديا لمجرد انها ارتفعت أو انخفضت. وكما قال دكتاتور برازيلي سابق “تحسن الاقتصاد ولكن حياة الناس لم تتحسن”, وهذا هو حال الخطاب الاقتصادي السوداني الراهن.
🔶 هذه التفاسير التعسفية العشوائية المبتذلة لا تختلف عن ان ينظر خريج دراسات قرآنية أو فلكية الي نتائج فحص شامل لدم المريض ويقوم بتفسير ارقام ومعدلات الهرمونات والمؤشرات البيولوجية والكيميائية على هواه ما قد يعرض حياة المريض الي خطر مباشر.
🔶 بخصوص جائزة نوبل للاقتصاد، فقد حصل عليها هذا العام (مشاركة) ديفيد كارد نتيجة لبحوثه المنهجية عن تأثير تشريعات الحد الأدنى الأجور والهجرة على اسواق العمل.
🔶 كانت الحكمة التقليدية السائدة في اقتصاديات العمل تقول بأن ارتفاع الحد الأدنى للأجور يقود الي انخفاض فرص التوظيف. سادت هذه الفكرة وفشت لسببين، الأول يتعلق ببساطتها وبديهيتها وأهل الظاهر، وهم كثر، يحبون التبسيط.
🔶 والمنطق الداعم للفكرة هو ان ارتفاع الحد الأدنى للأجور يقلل من أرباح الاعمال بزيادة تكلفة العمالة الشيء الذي يدفع بأصحاب العمل الي الحد من التوظيف مع ازدياد كلفته. فالعمل مثل أي سلعة كل ما زاد ثمنه قل الطلب عليه.
🔶 السبب الثاني والاهم لسيادة الفكرة هو انها تناسب مصالح الأغنياء وأصحاب العمل والطبقات العليا التي تستفيد بشكل مباشر أو غير مباشر من تدني تكلفة العمالة – فحتى المهني صاحب الدخل المرتفع يروق له الحفاظ على الحد الأدنى للأجور في مستويات دنيا لان ذلك يقلل من الأسعار في المطاعم والبقالات التي يرتادها ومن تكلفة أشياء كثيرة يشتريها مثل عمال النظافة وغير ذلك.
🔶 كان من الصعب دحض هذه الحكمة التقليدية الا ان البروفيسور كارد قرر ان يبحث عن دليل واختبار عملي للفكرة. ولكن مشكلة العلوم الاجتماعية عموما انها لا تتمتع بالمقدرة على تصميم تجارب معملية كما يفعل أهل العلوم الطبيعية وهذا أحد أسباب تخلف العلوم الاجتماعية مقارنة بالعلوم الطبيعية، إضافة الي ان علوم المجتمع تتمتع بحساسية سياسية وايدلوجية عالية تهدد أو تدعم بنية أي سلطة الشيء الذي يجعل منتجها النهائي خليطا من العلم ودعايات الحروب الطبقية. لهذا السبب لا يصح ولا يساعد رفض العلوم الاجتماعية جملة ولا يصح قبولها كمسلمات محايدة مثل منتج علوم الفيزياء كما يدعي بعض ممارسي هذه العلوم بغرض وضع أفكارهم فوق الفحص الواجب وبغرض اضفاء تميز ذاتي نرجسي غير مستحق.
🔶 وعندما قررت ولاية نيوجرسي رفع الحد الأدنى للأجور اغتنم السيد كارد وزميله كروغر الفرصة وقارنا مسار سوق العمل في نيوجرسي مع مساره في ولاية بنسلفانيا المجاورة والشبيهة التي لم ترفع الحد الأدنى.
🔶 وبعد عمليات رياضية معتبرة اثبت كارد وزميله ان رفع الحد الأدنى للأجور لا يقلل من العمالة أي ان أصحاب الاعمال لا يخفضون عدد العمال إذا زاد الاجر. في الحقيقة وجد كارد وزميله آلان كروغر أن التوظيف في مطاعم نيوجيرسي قد زاد بعد رفع الحد الأدنى للأجور.
🔶 وفي دراسات لاحقة وجد اقتصاديون ان زيادة الحد الأدنى للأجور أحيانا تزيد من معدل العمالة لأسباب مختلفة مثل ان الدخل الإضافي للعمال يرفع من الطلب الفعال في المنطقة، ويزيد من مبيعات الشركات، ويزيد من حماس العمال وإنتاجيتهم كما انه قد يحفز مجموعات سقطت من سوق العمل ويدفعها للمشاركة والدخول في سوق العمل من جديد (مثل ام لا تريد ان تعمل لان تكاليف الحضانة تفوق الدخل الذي قد تجنيه من الوظيفة ولكن زيادة الحد الأدنى للأجور تجعل من عملها نشاطا مفيدا ماديا).
🔶 حسمت الدراسة التطبيقية للسيد كارد النقاش وتم قبر اسطورة ان زيادة الحد الأدنى للأجور تضر بفرص العمال في إيجاد فرص التوظيف وتم القام أهل اليمين الاقتصادي حجرا.
🔶 أصبحت دراسة كارد وكروغر مرجعية استشهاد على نطاق واسع للسياسيين والاحزاب والناشطين الباحثين عن زيادة الأجور بما ذلك حكومات بريطانيا ودول اخري وحكومات بعض الولايات في امريكا وزودتهم بأسلحة نظرية ثقيلة ضد المحافظين واهل اليمين الذين يقفون ضد رفع الأجور بحجة ان ذلك سيكلف وظائف ستختفي.
🔶أيضا اغتنم السيد كارد فرصة شبيهة (وفرت ما يسمي بتجربة طبيعية) لثقب اسطورة يمينية اخري تعادي الهجرة بحجة ان المهاجرين الجدد يسرقون فرص العمل من أهل البلد وبالذات من العمال المحليين ذوي المستويات التعليمية المنخفضة الذين يعملون في وظائف ذات دخل منخفض.
🔶 صمم كارد دراسة عن تأثير الزيادة الحادة في الهجرة من كوبا إلى ميامي على الأجور والتوظيف بعد قرار فيدل كاسترو في عام 1980 بالسماح للكوبين الراغبين بمغادرة كوبا الي ميامي.
🔶 خلال أربعة أشهر وصل 125 ألف كوبي إلى ميامي، مما رفع حجم القوة العاملة بنسبة 7٪. جمع كارد البيانات اللازمة وعالجها رياضيا وقارنها مع بيانات أربع مدن أمريكية أخرى ولم يجد أي آثار ضارة على فرص التوظيف أو أجور العمال ذوي الأجور المنخفضة من أهل ميامي الأصليين.
🔶 لم يكتف البروفيسور كارد بتصحيح المفاهيم الخاطئة عن تأثير تدفق المهاجرين على مستويات التوظيف بين العمال المحليين ذوي المستويات التعليمية المنخفضة ولكنه زاد بان اثبت كميا أهمية التعليم الحاسمة فيما يتعلق بفرص العمل ومستوي الدخل.
🔶 قام البروفيسور بمهمة القياس الرياضي الكمي لمدى الفائدة التي يجنيها العامل من سنوات التعليم الإضافية ووجد أن سنة إضافية من التعليم ترفع دخل العامل بنسبة 9٪.
🔶 الاستنتاج الطبيعي الذي يترتب على اعمال كارد هو ان حماية الشرائح الدنيا من العمال لا تستدعي توجه زينوفوبي يمنع الهجرة بل يمكن مساعدة العمال بزيادة الحد الأدنى للأجور وتحسين جودة ووفرة وسهولة ومدة التعليم المتاح للأطفال والكبار معا.
🔶 مع ان السيد كارد يبحث في قضايا ذات آثار سياسية قوية، إلا أنه لا يشارك في القضايا والصراعات السياسية ولكن انتاجه المتميز صار مرجعية في حوارات تسهيل الهجرة وتشريعات الحد الأدنى للأجور.
🔶 كما هو الحال دائما فالحقيقة في جانب المستضعفين ومن لا صوت لهم وهذا يفسر العدوان المستمر من أهل السلطة واشياعهم علي الحقيقة والعلم لصالح التسطيح والتعتيم والسواقة بالخلا.
🔶🔶 لم يحصل الان كروغر، زميل كارد في البحوث، على جائزة نوبل لأنه توفي في عام 2019 والجائزة لا تمنح بعد الموت.
🔶🔶 اقتسم الجائزة مع كارد جوشوا أنريست وغيدو إيمبنس عن عملهما أيضا في مجال القياس الكمي للعلاقة بين التعليم والدخل.
🔶 عودة الي الخطاب السوداني الذي يفسر فيه قادة العمل السياسي والرأي العام ارقام عن مصطلحات لا يدرونها بهدف اثبات نجاح توجههم الاقتصادي، من المهم ملاحظة ان الأشياء لا تكون دوما كما تبدو، فالحقيقة أعمق واعقد من ظاهر الأشياء كما يتضح من عمل السيد كارد الذي اثبت (ضد البديهة التي لا تغوص تحت السطح) ان زيادة الأجور لا تقود بالضرورة الي تراجع في وفرة الوظائف كما ان هجرات الأجانب لا تؤثر على فرص عمل أهل البلد ولا على مستوي أجورهم. فكما قال الفيتوري الغافل من ظن ان الأشياء هي الأشياء.


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!