الرشيد جعفر على
في مطلع الشهر الثالث، بدأت قوات الدعم السريع تقترب من مربعنا في جبرة. ومع هذا الاقتراب، بدأ تسللها إلى المنازل الخالية، ثم تحوّل سريعًا إلى مضايقات مباشرة للسكان، تصاعدت يومًا بعد يوم لدفعهم قسرًا إلى مغادرة بيوتهم، لتخلو الساحة للنهب والسلب.
ما جرى لم يكن سرقات عابرة، بل حملة منظمة لا نظير لها؛ بدأت بالأغلى ثم تدرّجت إلى ما دونه، في نسق بارد خالٍ من أي شعور بالذنب، كأنهم يؤدون طقسًا معتادًا. وحين تُستنزف مرحلة، ينتقلون إلى التالية بثقة واطمئنان يثيران الدهشة.
لم يكن النهب سلوكًا طارئًا، بل بدا وكأنه جوهر التكوين؛ عقيدة غير مكتوبة تحكم الفعل من أعلى الهرم إلى أدناه. في سبيل الغنيمة، لا قيمة لمرفق عام ولا حرمة لمنزل خاص. تُحطَّم الممتلكات، وتُحتل المراكز الخدمية، ويُهجَّر الناس من بيوتهم بلا اكتراث.
كانوا يدخلون المنازل علنًا، يحيّون من تبقى من السكان ببرود: “لو سمحتوا ابتعدوا، عندنا شغل هنا”، عبارة تختصر المشهد كله؛ فلا تدري أتبكي أم تضحك من هول المفارقة.
يدخلون مدججين بأسلحة حديثة، ليخرجوا وقد حوّلوا البيت إلى هيكل فارغ. تُفتح الأبواب، وتتدفق مجموعات أخرى لتنهب ما تبقى، حتى يغدو الأثاث الملقى في الطرقات مشهدًا مألوفًا: ثلاجات، غسالات، شاشات، وبقايا حياة كاملة مرمية بلا قيمة. حتى السيارات، إن لم تُسرق، تُخرَّب أو يُطلق عليها الرصاص انتقامًا من مالك غائب.
وسط هذا الخراب، يتسلل سؤال موجع: من هؤلاء؟ وأين تلك الصورة التي عُرف بها السودانيون من أمانة وصدق؟ كيف انقلب المشهد إلى هذا الحد؟
جارٌ سوريٌّ لنا سُرقت شقته بالكامل في الأيام الأولى للحرب، قال إن منزله في دمشق، رغم سنوات الحرب الطويلة، لم يُمس بسوء. مقارنة تختصر حجم المأساة التي نعيشها.
لم يقتصر الأمر على النهب، بل رافقته ممارسات ترهيب يومية: إطلاق نار عشوائي، اعتقالات، إذلال في الشوارع، وإجبار الناس على الجلوس أرضًا عند نقاط التفتيش. وقد يتحول أي رفض بسيط إلى حكم بالموت.
في هذا المناخ، يصبح العنف وسيلة عادية، والنهب مصدر فخر لدى بعضهم، يُروى كإنجاز لا كجريمة. وهنا يكمن الخطر الأكبر: حين يُعاد تعريف الجريمة كقيمة.
لقد لعبت سرقة الإنسان لأخيه دورًا محوريًا في ما وصلنا إليه. فحين تُسقط الأخلاق، يسقط معها كل شيء: الوطن، المجتمع، والمعنى نفسه. لم تسلم حتى المساجد من الاعتداء، في مشهد يختزل الانهيار الكامل للقيم.
عشنا رعبًا يفوق الخيال؛ رعبًا يوميًا، مباشرًا، مشحونًا بالكراهية والعنصرية أحيانًا، حيث قد تُقتل لمجرد أنك رفضت تسليم هاتفك أو مالك.
والأكثر مرارة أن أصواتًا حذّرت مبكرًا من هذا المصير، وهتفت ضد هذا التمدد، لكن تم تجاهلها. واليوم، يدفع الجميع الثمن.
فكيف يمكن الرهان مستقبلًا على قوة أثبتت، بالفعل لا القول، أن الغنيمة هي هدفها الأول؟ كيف يُعاد إدماجها في معادلة سياسية دون تكرار الكارثة؟
إنها لحظة تستدعي مراجعة قاسية: فلا وطن يُبنى على النهب، ولا مجتمع ينهض دون حد أدنى من القيم المشتركة. وما لم تُستعد هذه القيم، سيظل الخراب يعيد إنتاج نفسه.
فلك الله يا وطني، في زمنٍ اختلطت فيه المآسي بالمهازل.
sudanelrasheed@gmail.com
