أصداء الوعي
آدم أبكر عيسي
جدلية المركز والأطراف.. نحو عقد اجتماعي شامل لبناء الدولة المدنية
مدخل: في غرفة الاجتماعات، حيث تُصنع المقابر
في إحدى قاعات أديس أبابا، حيث تفوح رائحة المكاتب الباردة وتختلط بأريج القهوة الإثيوبية، كانت طاولة المفاوضات تشهد معركة لا تقل ضراوة عن معارك الجبهات. كان الاجتماع بين قيادات قوى الحرية والتغيير والجبهة الثورية، بعد سقوط النظام السابق، في لجنة هيكلة القوى، أشبه بمسرحٍ تُعرض عليه وجعُ البلاد. هناك، ووسط أوراق العمل المكدسة، انكشف تناقضٌ بنيويٌّ عميق. فقد اقترحت اللجنة هيكلةً تبدأ من المحليات نحو المركز، في تنظيمٍ فيدرالي للتحالف، يمنع سيطرة العاصمة على الأقاليم، ويمثل المكونات على مستويات الوحدات الإدارية تصاعدياً، ليصل الصوت نقياً كما خرج من رحم الجغرافيا. كما طُرحت فكرة صياغة الإعلان السياسي الذي سبق الوثيقة الدستورية لعام 2019 بمبادئ تقدم قضية السلام والحرب، لمنع عودة الحرب مستقبلاً. لكن الرفض كان حاسماً من معظم القوى، لأنها في العمق كياناتٌ مركزيةٌ لا تجد نفسها إلا في قلب السلطة. لذلك، كان اندلاع حرب 15 أبريل 2023 نتيجةً حتميةً لفشل رؤية القوى السياسية الثاقبة، التي نظرت إلى مكاسب السلطة والإقصاء والانتقام، دون وضع رؤية لبناء الوطن تقوم على المواطنة بلا تمييز، على أساس الحقوق والواجبات، ودون النظر إلى المآسي التاريخية وتجارب الأمم السابقة، ومنها السودان، وكيف انفصل جنوب السودان، وكيف يمكن إيقاف الحرب والبناء لأجل دولة مدنية مستقرة.
توقف النقاش عند عتبة تشكيل الحكومة، وتعطلت الآلية، ثم تدخل صوتٌ محمّلٌ بعمرٍ طويلٍ من خيبات الأمل، حين قال إبراهيم الشيخ: “هذه البلاد مائة سنة حرب مستمرة، والحكومات تُشكّل”. لم يكن صوتاً واحداً، بل وافق عليها كل من كان هناك من مركزية (فحت). كانت جملةٌ موجزةٌ، لكنها كشفٌ فلسفيٌّ للحالة الوطنية. إنها ليست حرباً بين جيوشٍ نظامية، بل هي دوامةٌ تتصارع فيها النخبُ على تشكيل الحكومات، فيما يظل جسد الوطن ممزقاً. اليوم، وبعد أن تمرست العين على قراءة المشهد، أدركتُ أن الإصرار على الحوار من دون تحرير كامل التراب الوطني، ليس سوى استمرارٍ لعقليةٍ واحدةٍ لا ترى في الأطراف قيمةً سياسيةً طالما أن المثلث قد تم تحريره، أو ما تبقى من الأطراف لا يهم طالما المركز قد تم تأمينه. يستمر الحوار، يتهادى كأغنيةٍ حزينةٍ، لكن السؤال المعلّق في الهواء يصرخ: هل هذا الحوار يؤسس لسلامٍ دائم، أم أنه مجرد مسكنٍ يخفي خلف أسلوبه الجميل إرادةً في إبقاء السلطة في مأمنٍ من هزات التغيير الحقيقي؟
ربما هناك من يفكر، في السر، أن انفصال الأطراف هو الحل الأيسر، لأنها باتت تشكل صداعاً مزمناً للمركز الذي لا يحتمل التنوع. لكن هذا الظنّ خطيئةٌ معرفيةٌ؛ فالانفصال ليس حلاً، بل هروبٌ من حلٍّ. ومع تأكيدي العميق على أن الحوار مطلوبٌ وقيمةٌ، وأن الرجال الذين في اللجنة التحضيرية للحوار لا شك في وطنيتهم وإخلاصهم وحبهم لتراب الوطن، ويمتلكون دهاءً وخبراتٍ لا تُنكر، إلا أن التاريخ وحده لا يبني مجداً، بل المقاربات الواعية والمقارنات الصادقة هي التي تؤكد لنا حقيقةً مرة: توقيتُنا الحالي وظروفُنا الراهنة ليست مهيأةً لتحقيق غاية وقف الحرب وبناء الدولة الوطنية الحديثة، طالما أن جزءاً من الوطن بشعبِه وأرضِه مغيبٌ عن طاولة الحوار، لفعل ظروف الحرب وتواجدهم في مناطق سيطرة المليشيات، مما يصعب حضورهم وعودتهم. إن إغفال صوته يعني أنه ليس مهماً في صناعة المستقبل، وهنا تكشف الستارة عن حقيقةٍ قاسية: الحوارُ هنا ليس غايةً، بل مجرد ممرٍ إجباريٍّ نسير فيه نحو هدفٍ خطط له مسبقاً، نُخرجه في حلةٍ جميلةٍ ليقبلَه الناس، لكن خلف السطور تختبئ إرادةٌ لا تعلن عن نفسها.
فلسفة العقد الاجتماعي بين الوهم والتحقق
في قلب هذا التناقض السياسي، يستحضر العقل الفلسفي أطروحة جان جاك روسو حول العقد الاجتماعي، حيث يزيل كل فردٍ حقوقَه الطبيعية لصالح الكل، ليعود فيأخذها منه كحقٍ مدنيٍّ يضمنه القانون. لكن كيف يمكن لهذا العقد أن ينعقد، وأحد المتعاقدين غائبٌ عن المجلس؟ حين يكون جزءٌ من الوطن خارج دائرة المشاركة، فإن العقد يولد مشوهاً، كبناءٍ ناقص الأساس، ينهار عند أول زلزال. إن غياب الأطراف عن صناعة المستقبل ليس مجرد خطأٍ تقنيٍّ في الترتيبات اللوجستية، بل هو إنكارٌ لفلسفة الدولة ذاتها، التي تقوم على فكرة “الإرادة العامة” التي لا تتجزأ.
إن ما حدث في أديس أبابا وقبلها في المائدة المستديرة، يعكس أزمةً معرفيةً أعمق: فهذه النخب التي تدير الحوار لم تدرك بعد أن التحرير الكامل للتراب الوطني ليس مجرد هدفٍ عسكريٍّ يمكن تأجيله، بل هو شرطٌ وجوديٌّ للحوار الجاد. فالحوار الذي يُجرى في غياب طرفٍ أساسي، هو كمناقشةٍ بين طبيبٍ ومريضٍ فاقدٍ للوعي، حيث تكون كل الكلمات صادرةً عن إرادة الطبيب وحده. وهنا تتجلى عبقرية المقولة الضمنية في أن التاريخ وحده، بكل مفرداته البطولية أو المأساوية، لا يبني مستقبلاً، بل إن المقاربات والمقارنات هي التي تمنحنا القدرة على قراءة اللحظة بوعي، وتجعلنا ندرك أن البناء على أساس ناقص هو ضمانٌ لاستمرار الحرب، ولو باسم السلام.
