جِدَار الخرطوم السياسي: نموذج الوحدة الألمانية. . بقلم: د. مقبول التجاني

بَعد سقوط نِظام الحزب النازي فِي ألمانيا عام ١٩٤٥، تم تقسيم دولة ألمانيا فِي مؤتمر يالطا الشهير إلى أربعة مناطق نِفوذ سياسي عسكري Besatzugszone، بين كُل مِن أمريكا و بريطانيا و فرنسا و الإتحاد السوفيتي، و ترتب على هذا لاحِقاً تأسيس دولتين، ألمانيا الفدرالية فِي الغرب و جمهورية ألمانيا الديمقراطية DDR في الشرق.

تَرتب على هذا الإنقسام السياسي لاحِقاً، بِناء جِدار برلين يوم ١٣ أغسطس عام ١٩٦١ م، كتجسيد مادي ملمُوس للعزلة الفكرية بين المنظومتين، الشيوعية و الليبرالية، على مستوى الشعب و الدولة الألمانية.

سِقوط جِدار برلين يوم ٩ نوفمبر عام ١٩٨٩ م، أي بعد أكثر مِنْ ٢٨ عام مِنْ بِناءه، لم يكن وحده كافياً لتوحيد الدولتين الألمانيتين، و لكِن الحوار السياسي العميق، و مِن ثَّمَ تقديم التنازلات المتبادلة، هو الذى أدى إلى إعادة الوحدة الألمانية يوم ٣ أكتوبر عام ١٩٩٠ م، و أدى فِي النهاية إلى صياغة المشروع الوطني الألماني، بعيداً عن التدخلات الخارجية.

هُناك جِدار سياسي أيضاً تم بناءه فِي الخرطوم، بعد سقوط نِظام حزب المؤتمر الوطني النازي، و بعد توقيع الوثيقة الدستورية يوم ١٧ أغسطس عام ٢٠١٩ م، فقد تقسيم النفوذ فِي المجال السياسي العام السوداني بين كُل مِن الحزب الشيوعي مِن جهة و أحزاب المجلس المركزي الأربعة مِن جهة أخري، و أصبحت أحزاب المجلس المركزي مَطِية للتدخلات الخارِجية الإقليمية و الغربية، و مدخل لإنتِهاك السيادة الوطنية السودانية.

هَذا الإنقسام السياسي السوداني، يُمكِن أن يستمر إلى أكثر مِنْ عشرين سنة أخرى، إذا لم يجرى إجراء حِوار إستراتيجي عميق بين الجانبين، يَتِم فِيه تقديم التنازلات المتبادلة، على الأقل على مستوى المرحلة الإنتقالية.

التطبيع المالي مَع مؤسسات المجتمع الدولي مَطلُوب، و لكن ليس بطريقة حمدوك الإنبراشية، و التعامل السياسي المنفَتِح مع الخارج أمر جَيد، و لكن بما لا يرقى إلى مُستوى العمالة و يهدد السيادة الوطنية السودانية.

الإصلاحات الإقتصادية مطلوبة، و لكن يجب قبل تنفيذها حماية الطبقات و الشرائح الفقيرة، و توسيع شبكات الرعاية الآجتماعية.

نحتاج أن نصيغ مشروع سياسي وطني سوداني، بِه عدالة إجتماعية و فِي نفس الوقت إحترام قِيمة الحرية، و هي نفس مطالِب و شِعارات ثورة ديسمبر المجيدة، التي رفعها الثوار فِي شوارع البلاد المختلفة.

أي نكوص عن تحقيق شعارات ثورة ديسمبر المجيدة، يعني إستمرار الإنقسام السياسي الحاد و تدهور الأوضاع المعيشية للمواطنين، و هذا هو سبب رفضنا لمشروع الهبوط الناعم، لأنه لا يؤدي فِي النهاية إلى حَل مَشاكِل السودان البنيوية العميقة.

نحن لسنا غاوين مشاكل، و لكننا نعلم عِلماً يقينياً أن سياسة الترقيع الحالية، و مسحاتها الشكلية الفوقية، ستؤدي إلى مزيد مِن المشاكِل و الإرتدادات المُستقبلية.

إن الطريق إلى الأمام، فِي مسيرة بناء المجتمع و الدولة السودانية، يكون بتحقيق شِعارات الثورة الديسمبرية، و تنزيلها على أرض الواقع، و على الأخ عبد الله حمدوك أن يُثبِت أنه جاد جِداً فِي المُضِي قُدُماً بمبادرته إلى الأمام، و التى قدمها للرأي السودانِي العام.

أما إذا أراد السيد عبد الله حمدوك المراوغة، و تطبيق سياسة ماكرونية خبيثة فِي السودان، و تأسيس حزب سياسي أو حركة إجتماعية على غرار حزب الجمهورية إلى الأمام، فسيلقى حزب الطريق إلى الأمام فِى السودان، نفس مصير حزب ماكرون فِي فرنسا، و لو بعد حين.

إن الحوار العميق الجاد بين مُختلَف قِوى الثورة السودانية، أصبح ضَرورة مُلِحَة للغاية، و يُمكِن أن يُشَكِل المؤتمر القومِي الدستوري القادم، أرضية مُناسِبَة لمثل هذا الحوار الإستراتيجي المُرتَجَى، و فُرصَة ثمينة لِحَل جَميع مَشاكِل السودان المُزمِنَة.

magboul80@gmail.com
/////////////////////////

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

البرهان كطاغية يتشوَّق للطغيان!! .. بقلم: عبدالله مكاوي

abdullahaliabdullah1424@gmail.com بسم الله الرحمن الرحيم يبدو ان البرهان ككل طاغية مستبد، يطابق بين بقاءه في …

اترك تعليقاً