مما لا ريب فيه، أنّ وزارة العدل هي المظلة التي يستظل بها كلُّ من ينشد العدالة في أيّ بلد من بلدان العالم، لذلك لا يمكن أن تُحاصر هذه الوزارة العدلية قضايا الفساد، صدقاً أو ادعاءً، دون أن تحرك ساكناً، وكأنّ الأمر لا يعنيها من قريبٍ أو بعيدٍ. والشاهد هنا، أن وزارة العدل السودانية أُتهم بعض رموزها في قضايا فسادٍ، فشكّلت لهم لجان تحقيقٍ نيابيةٍ، ولكن سرعان ما برأت هذه اللجان بعضَ منسوبي وزارة العدل، مما أثارت استياءً كبيراً، وغضباً عارماً، لدى الكثير من المواطنين، فاضطرت إلى تشكيل لجان مشتركة مع السلطة القضائية لمعالجة بعض هذه القضايا، ولكن هذه اللجان لم تجد الرضا من الساخطين على مرتكبي قضايا الفساد في المال العام.
وأحسبُ أنّ قضية متهمي مكتب والي ولاية الخرطوم، التي ما زالت تداعياتُها مستمرة، وأحداثُها متواصلة، والتي شكّل الأخ محمد بشارة دوسة وزير العدل، لجنة تحقيق برئاسة أحد مستشاري النيابة العامة، ولجأت إلى قانون الثراء الحرام في مواجهة هؤلاء المتهمين، وخرجت بحكمٍ أثار غضباً شديداً، وردود فعل متبانية، إلى درجة التّهكم والسخرية من بعض الأحكام الفقهية الراسخة في الفقه الإسلامي، وذلك باستغلالها لبعض مواد قانون الثراء الحرام، خاصّة “التّحلل” الذي يُتيح إعادة المسروقات مقابل العفو عن السارق، وبدأ الكثيرون الذين لا يفرقون بين الأحكام الحديّة والأحكام التعزيرية، في الفقه الإسلامي، يتندرون من أن لا خوف على السارق بعد اليوم، إذ أنّه في إمكانه المطالبة بمحاكمته، وفقاً لقانون الثراء الحرام لـ”يتحلل” ويرد محل الجريمة، ويُعفى عنه، ومن ثَمَّ يُستباح المال العام تحللاً، بعد إخفاء معالم الجريمة. وفي تطور مفاجئ، أعلن وزير العدل إلغاء حكم “التحلل”، وأمر بإلقاء القبض على متهمي مكتب الوالي، لإعادة النّظر في حيثيات القضية من جديد، بعد أن تشكل رأيٌّ عامٌ رافضٌ للتحلل، وحجيته في هذه القضية. وذهب البعضُ إلى أنّ هذا التطور المفاجئ مرده أنّ جهةً سياديةً عُليا استاءت مما يُثار حول هذه القضية، والحكم الصّادر في حق متهميها. فما كان لوزير العدل بعد هذه المُضاغطة المجتمعية، إلا أن يستجيب لهذه التّطورات اللاحقة.
وفي رأيي الخاص، أنّ القضية التي فجرتها صحيفة “الصّيحة” ضد الأخ عصام الدين عبد القادر وكيل وزارة العدل، من أنّه وقع في مواطن الفساد، بامتلاكه ست قطع أراضٍ في مناطق مختلفة في ولاية الخرطوم إبان توليه منصب مدير مصلحة الأراضي، وكان اللّقاء التنويري الذي نظمته وزارة العدل لعدد من رؤساء التّحرير ومديري الأجهزة الإعلامية، إضافةً إلى بعض الصّحافيين أول من أمس (الأحد)، في مبنى وزارة العدل، والذي دُعيتُ إليه وكنتُ حريصاً على حضوره، إلا أنّ الإخوة في لجنة الشكاوى بالمجلس القومي للصحافة والمطبوعات الصحافية، استدعوني في الوقت ذاته إلى جلسة استجواب حول شكوى رفعها ضد صحيفة “التغيير” الأخُ محمد الشيخ مدني رئيس المجلس التشريعي في ولاية الخرطوم، فحُرمتُ من ذاكم اللقاء التنويري المُهم، الذي يهدف إلى توضيح الحقائق، وتبيان الوقائع حول تلكم القضية الشّائكة، لم يشف غليل كثير من حضوره، لرفض الوكيل الرد على أسئلة وتساؤلات الحاضرين.
وأظنُّ – وليس كلُّ الظنِّ إثماً – أن رُسلائي الذين ذهبوا إلى هناك، كانوا يتوقعون أن ينفي عصام الدين عبد القادر امتلاكه نحو ست قطع أراضٍ في الخرطوم، ويدافع عن نفسه بالمُستندات والوثائق، إلا أنّه فاجأهم بإقرار علني بأنّه بالفعل يمتلك نحو ست قطع أراضٍ في مختلف أنحاء ولاية الخرطوم، حصل عليها أثناء توليه مصلحة الأراضي، مشدداً بأنّه تصرف فيها بالبيع، واقتنى منزلاً في ضاحية المعمورة بالخرطوم. وقال في غير لبسٍ أوغموضٍ، إنها أراضٍ استثمارية، وأنّه تصرف فيها أثناء توليه منصب مدير مصلحة الأراضي، بحُجية أنّه حاز عليها عندما طُرحت للبيع، وليست تصديقات حكومية. ويتبادر إلى أذهاننا سؤالٌ بريءٌ، هل من الممكن أن يحصل موظف عام على مجموع هذه القطع الاستثمارية، إن لم يكن ذا نفوذ وامتياز؟!، وكذلك يتساءل البعضُ، أليس في هذا استغلالٌ للنفوذ؟!
وأحسبُ أن الأسلوب الذي أُتبع في اعتقال الأخ ياسر محجوب رئيس تحرير صحيفة “الصيحة”، في إجراءٍ استثنائي، لم يتبع مع زملائه الآخرين عند استدعائهم إلى نيابة الصحفة، فيه شُبهة استغلالٍ للنفوذِ، أضرَّ كثيراً بمصداقية وزارة العدل، والكيل بأكثر من مكيالٍ، في مثل هذه الإجراءات.
أخلصُ إلى أن مطالبتنا من الأخ محمد بشارة دوسة وزير العدل، والأخ عصام الدين عبد القادر وكيل الوزارة، بتقديم استقالتيهما إلى الأخ الرئيس عمر البشير، حتى لا يشكلا رأياً عاماً يُسهم بقدرٍ كبيرٍ في زعزة ثقة المواطن في العدالة، ومن ثم يكونا من دعائم تفكيك النظام الحالي، وذلك ما أشرنا إليه في عُجالةٍ نشرناها في هذا المكان يوم الأحد الماضي، بعنوان “تفكيك النظام.. عبر قضايا الفساد”.
وأكبرُ الظنِّ عندي، أنّ من أسباب ومسببات دعوتنا إلى تقديم استقالتيهما، ما قاله الأخ عصام الدين عبد القادر نفسه من أنه يشغل منصباً حساساً في وزارة العدل، ولا يحتمل معه إثارة أيّ شبهات، فلندرأ هذه الشبهات بالاستقالة الفورية، لنرفع كثيرَ عناءٍ، وعظيمَ رهقٍ عن مؤسسة الرئاسة، وإفشال مساعي بعض المعارضين في داخل السودان وخارجه الذين يتربصون بالنظام، ويسعون إلى تفكيكه عبر قضايا الفساد، بعد فشلهم في تحقيق مآربهم عسكرياً وسياسياً. ومن الضّروري – أيضاً – أن يعيَ النظام أن قضايا الفساد من أخطر المهلكات، فعليه الحزم والحسم في أمر محاربته، تطميناً للمواطن، وتأكيداً لنظافة يد المسؤول.
ولنستذكر في هذا الصدد، قول الله تعالى: “وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا”.
وقول سيدنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه:
لاَ تَظْلِمَنَّ إِذَا مَا كُنْتَ مُقْتَدِرًا فَالظُّلْمُ مَرْتَعُهُ يُفْضِي إِلَى النَّدَمِ
تَنَامُ عَيْنُكَ وَالْمَظْلُومُ مُنْتَبِهٌ يَدْعُو عَلَيْكَ وَعَيْنُ اللَّهِ لَمْ تَنَمِ
وقول آخر:
إِذَا جَارَ الوَزِيرُ وَكَاتِبَاهُ وَقَاضِي الأَرْضِ أَجْحَفَ فِي الْقَضَاءِ
فَوَيْلٌ ثُمَّ وَيْلٌ ثُمَّ وَيْلٌ لِقَاضِي الْأَرْضِ مِنْ قَاضِي السماءِ
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم