كثيراً ما اتذكر ذلك الإمتعاض الذي ارتسم على وجه جارتي وهي تراني لأول مرة بالمنطقة ، لم يقابلني ذلك التعبير من قبل في وجه أحدهم ، السيدة الستينية في قمة الأناقة والرشاقة تقود كلبها بسلسلة تسمح له بالتحرك بحرية دون أن تفلته ، تمسك بالسلسلة وتمشي ببطء من لا يتعجل على شيئ ، وعندما أصبحت بموازاة مدخل بيتنا رماني قدري في طريقها فرمقتني بنظرتها التي لم أنساها رغم مرور سنوات ليست بالقليلة .
كنا الأسرة الأفريقية الوحيدة التي تسكن ذلك الحي . وحتى لا أظلم تلك السيدة فهي لم تكن الوحيدة ، لكنها كانت الأولى ، بعدها تعودت على هذه النظرات .
في المتجر والبص وعلى الطريق العام حتى توصلت لقناعة ان هذا الحي ( ما لي فيهو قعاد ) .
شهر وراء شهر وعام تلو الآخر بدأ ذوي البشرة السوداء يغزون الحي ، وكلما رأيت قاطنا جديداً ملأتني الشماتة بالسيدة صاحبة النظرة المخيفة .
جاء صوماليون ، غانيون ، أرتريون ، أثيوبيون ، وآخرون تعود اصولهم لنجيريا وساحل العاج ، حتى أتى يوم رأيت فيه عدد من سكان الحي “يبرطمون” بكلمات غيظ وهم يستغلون البص لمركز المدينة ، والسبب لأن البص كله يتحدث في وقت واحد بلسان أفريقيٍ ، فركاب باصنا يتحدثون ما لا يقل عن أربع لغاتٍ ليست من بينها الإنجليزية .
ليس ذلك فحسب بل صادفت في ذلك اليوم الميمون جاراتي الصوماليات الثلاث وهن يلبسن الحجاب علي الطريقة الصومالية أي عباءة كبيرة جدا وطرحة زي أربعة خمسة أمتار وبدأن في إلقاء تحية الإسلام علي بأعلى ما لديهن من صوت ، ثم صعد من المحطة الثانية عم علم الدين ، وهو باكستاني في منتصف الخمسين من العمر ذو لحية كثة بيضاء مرتديا لبسة باكستانية ، ألقى علينا التحية بدوره ، وقبل أن أسال الصوماليات عن المرأة وبنتها في نهاية البص أخبرتني إحداهن إنهما الأسرة النيجيرية الجديدة التي سكنت بجوار هناء الأثيوبية .
منذ ذلك اليوم بدأت أشعر أنني أقل غربة لوجود أناس أشبههم ويشبهونني ، حتى وإن تحدثنا بلغاتٍ مختلفة ، وبدأت اتساءل عن هل العرق أقوى من الدين في العلاقات الانسانية ، هل نشعر بالإنتماء أكثر لأناسٍ نتشارك معهم في العرق ، أم لأولئك الذين يجمعنا بهم رابط الدين.؟!!!
يثور عندي هذا السؤال كلما تذكرت الألم الذي كانت تحسه كاثلين صديقتي النيجرية ، هي في عقدها السابع وكانت تعيش في الحي المجاور لي ، لكن تواصلاً جميلاً نشأ بيننا منذ ان التقينا صدفةً في أحد المتاجر ، غمرتني من لحظتها بأمومةٍ صادقة . زارتني كاثلين يوماً بعد أدت صلاتها بالكنيسة ، قالت ان معظم المصلين لا يردون على تحيتها برغم انهم جميعاً يصلون لذات الرب ، كانت تشعر بالأسى وهي تعدد المرات التي تم فيها تجاهل وجودها في الكنيسة ، وبرغم ذلك ظلت تواظب على صلاتها .
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم