حكاية تلفاز (الحلقة السادسة والأخيرة)

 


 

الياس الغائب
5 ديسمبر, 2022

 

بعد مضى سنة على قدوم أسرتى الصغيرة إلى أسمرا زارنا خال زوجتى، قضى معنا أسبوعين ثم رجع. و بمجرد رجوعه إلى كسلا بعث إلينا من يحمل إلينا التلفاز. من جانبنا لم نطلب منه ذلك و لم نكن فى حاجة إلى تلفاز. صحيح أنه لم يكن فى سكننا الجامعى تلفاز و لكن كان الإرسال التلفزيوني فى إريتريا يومئذٍ لعدة ساعات فقط و بعدة لغات إرضاءً للقوميات التسع و لم يكن منتظماً. و قد يكون خال زوجتى لاحظ خلو بيتنا من تلفاز فقرر من تلقاء نفسه أن يرسله إلينا. و قد رحبنا به.
شهد التلفاز قطع العلاقات الإريترية السودانية في ديسمبر 1994 و طرد السفارة السودانية، و شهد مؤتمر القضايا المصيرية وذلك في الفترة من 15 إلى 23 يونيو 1995 الذى إكتملت فية هيكلة التجمع الوطنى الديمقراطى و صار له جسماً و أصبح له رئيس و أمين عام و أمانة تنظيم و شؤون خارجية، بعد أن كان تجمعاً هلامياً مترهلاً لخمس سنوات قضاها في القاهرة. كما ظهر على شاشته زعماء المعارضة السودانية كلهم و كثير من الشخصيات القومية و ظهرت الأستاذة المناضلة فاطمة أحمد إبراهيم و كادت أن تقيم مؤتمراً صحفياً بفندق نيالا بأسمرا حيث تنعقد جلسات المؤتمر لتفضح فيه هيئة القيادة إن لم تفسح للمرأة السودانية مساحة و تمنحها مقعداً.
قمنا، حمدان محمد جمعة، أحمد محى الدين، مولانا فيصل مسلمى، بازرعة على العمدة، عادل القصاص، السر هاشم، شخصى و آخرون بحركة نشطة في سبيل تجميع كل السودانيين المقيمين في إريتريا في كيان واحد برغم تباينهم و إختلاف ألوانهم و مذاهبهم السياسية؛ و ذلك بمخاطبة السلطات الإريترية قبل إنعقاد مؤتمر القضايا المصيرية و لكننا لم نوفق. ربما قدرت السلطات الإريترية حينئذٍ بأن مثل هذا التجمع قد يأخذ طابعاً سياسياً لم تكن مستعدة له. و لكن حين فتحت البلاد ذراعيها للمعارضة السودانية و استضافت مؤتمر القضايا المصيرية، قمنا بمخاطبة المؤتمرين مهنئين و مؤازرين و مخاطبة الرئيس أسياس أفورقى شاكرين له و مقدرين وقفته التأريخية مع القضية السودانية و إحتضان بلاده للشعب السودانى ممثلاً في التجمع الوطنى الديمقراطى. وانتهزنا الفرصة و تقدمنا بطلبنا القديم و هو أن يسمح لنا بقيام جالية سودانية ترعى مصالح السودانيين و تدعم علاقات الشعبين الإريترى و السودانى ثقافياً و إجتماعياً. كما قمنا باتصالات مكثفة مع الفعاليات السياسية الموجودة في أسمرا لدعم قيام الجالية.
و في نوفمبر 1995 تم إنتخاب مجلس الجالية السودانية بإريتريا و تم إنتخابى رئيساً. ومن ثم بدأنا نشاطاً سياسياً معارضاً لحكم الجبهة من لقاءات و مقابلات إذاعية و إحتفالات و مسيرات و معارض. كما إلتقينا بعض الأحزاب السياسية و خاطبنا بعض رموزها في اجتماع لهيئة القيادة في يناير 1996. فكانت الجالية بحق منبراً حراً لكل الفعاليات السياسية و الاجتماعية. و إلتقينا كاسبر بيرو المقرر حينئذٍ لحقوق الإنسان في السودان مرتين، فضحنا له نظام الجبهة القمعي و رتبنا له لقاءات مع بعض المعذبين السودانيين الموجودين في إريتريا. كما إلتقينا البارونة كوكس حين لمسنا عندها إهتماماً بالسودان و بأهل شرقه خاصة.
و لما إنتهى عقد عملى بالجامعة و قبلتنى المفوضية السامية لشؤون اللاجئين لاجئاً، تقرر أن ننتقل من السكن الجامعى إلى معسكرحزحز بأسمرا ولم نر من الحكمة أن نأخذ التلفاز معنا و نظهر بمظهر المتميزين المختلفين عن بقية الناس. فرأينا أن نهديه إلى أسرة سودانية صديقة و لكن الأسرة الصديقة رفضت أن تقبله دون مقابل و دخلنا فى شد و جذب و إتفقنا فى النهاية على أن تدفع الأسرة ما تيسر. و جاء موعد رحيلنا إلى المعسكر و لم تأت الأسرة لتأخذ التلفاز فأودعناه أمانة عند أسرة صديقة أخرى هي أسرة الصديق حمدان محمد جمعة و رفيقة دربه العزيزة عفاف إبراهيم و ذلك لكى يكون قريباً من الأسرة الأولى و فى متناول يدها. و لما عشنا فى موقعنا الجديد وجدنا الحياة فيه عادية و أن كل شئ فيه متاح. وجدنا التاجر و السمسار و وجدنا من يمتلك تلفاز و من يمتلك سيارة.
و بعد شهر و نصف تقريباً من إقامتنا فى حزحز قمنا بزيارة حمدان و أسرته وفوجئنا بأننا وجدنا تلفازنا مازال لديهم و أن تلك الأسرة لم تأت لتأخذه، فقررنا أن نأخذه معنا إلى المعسكر و قد إنتفى سبب عدم أخذه. و جاء التلفاز معنا و شهد معنا بداية الحرب العبثية بين إثيوبيا و إريتريا حول منطقة بادمى الحدودية فى مايو 1998 و مباريات كأس العالم فى يونيو 1998 و فوز فرنسا بالبطولة.
ثم إنتقلنا من حزحز إلى واحد من أرقى الأحياء فى العاصمة أسمرا، حى ترافولو العريق ذو الفلل الفخمة و المعمار الإيطالى الرفيع. سكنا هذا الحى بعد أن وجدت و ظيفة لدى السفارة السعودية. هل قلت لك عزيزى القارئ، أننا سكنا فى إحدى هذه الفلل الراقية ؟ فى الحقيقة إستأجرنا عبرسمسار مبنىً متواضعاً ملحقاً بفيلا صاحبتها أرملة فى منتصف العقد الخامس تعيش مع إبنها الشاب و إبنتها الشابة وحفيدها من إبنتها فى عمر بناتى، على بعد أمتار من السفارة الألمانية، يتكون من غرفتين و مطبخ و حمام خصص لسكن الخدم. من يرانى أدخل و أخرج من مدخل هذه الفيلا لا يدخله الشك أبداً فى أننى صاحبها. لمحنى ضابط الحماية الأممي ذات يوم و أنا أخرج منها فمازحنى متسائلاً:
"أتسكن فى هذا الحى و تعمل مترجماً فى السفارة السعودية ؟"
فأجبته و قد فهمت مغزى سؤاله:
"أتظن أننى أسكن فى هذه الفيلا ؟"
فأجابني ضاحكاً
"إنى رأيتك تخرج منها و لا أظن أن لك أصدقاء فيها ؟"
و لكنه كان يمزح لأنه كان يعلم جيداً أننى أسكن فى المكان المخصص للخدم حيث كان يوجد خلف كل فيلا سكن مشابه، أما عملى في السفارة فهو يعلم كل ملابساته و حيثياته و لولا و ضع السفير السعودى المميز و مكانته لدى الحكومة الإريترية لما وافقت السلطات الإريترية للاجئ مثلى بالعمل. و أن عملى مرهون بوجود هذا السفير على رأس هذه السفارة. لكن الذى لا يعرفه ضابط الحماية الأممي هو أن معظم أحزاب المعارضة السودانية كانت تسكن هذه الفلل. كان جارى (الحيطة بالحيطة) تنظيم الأسود الحرة برئاسة الأستاذ مبروك مبارك سليم وجارى الآخر (بيننا شارع) قوات التحالف السودانية بقيادة العميد عبدالعزيز خالد و على بعد أمتار منا مقر إقامة الإمام الصادق المهدى و على بعد عدة أمتار يسكن شيخ العرب الدكتور عمر نور الدائم. و فى عام 2000 تجدد القتال الأثيوبى الإريترى من جديد، و غادر الجميع أسمرا، السفارات، رعايا دول العالم الأول و من يحمل جنسيات العالم الأول من الإريتريين و بقيت السفارة السعودية و شيخ العرب عمر نور الدائم. و بعد مغادرة رعايا دول العالم الأول بيوم واحد قصف الطيران الأثيوبى مطار أسمرا و قناة الجزيرة الفضائية ترهبنا بأن القوات الأثيوبية على بعد خمسين كيلومتراً من العاصمة أسمرا.
و مرت الأيام و جاءت و قفة عيد الأضحى المبارك فإذا بصاحبة الفيلا تنادينى لمن يطلبني فى تلفونها الأرضى فاذا بها ضابطة الحماية الفرنسية الجنسية تهنئتى بالعيد و تزف إلى خبر موافقة مملكة الدنمارك على قبولى مواطناً عندها و تطلب منى أن أذهب مع أسرتى بعد عطلة العيد لمقابلة السفارة لإستكمال بعض الإجراءات التى تخص سفرنا. و فى التاسعة من مساء الخميس الموافق 25 يناير 2001 و نحن نغادر إلى مطار أسمرا في طريق عودتنا إلى الدنمارك ودعنا التلفاز و بوداعه ودعنا عشرة دامت عشر سنوات كانت ملأى بالفرح و الدموع حبلى بالحلو و المر.
eliaselghayeb@hotmail.com
الياس الغائب … كوبنهاجن

 

آراء