حلول علمية لفض النزاع حول سد النهضة الأثيوبي‎ .. اعداد جامعة (KU Leuven) .. ترجمه: عليان الطيب

نقلا عن موقع (SCITECHDAILY) 12 يونيو 2021
أظهرت دراسة علمية جديدة، أن العديد من الخلافات بين إثيوبيا والسودان ومصر حول أكبر محطة للطاقة الكهرومائية في إفريقيا، -سد النهضة الإثيوبي (GERD)-، يمكن التخفيف منها من خلال التوسع الهائل في انتاج الطاقة الشمسية وطاقة الرياح في جميع أنحاء المنطقة. إن تكييف وتعديل أوقات تشغيل سد النهضة الأثيوبي من شانه ان يساعد في دعم تكامل شبكة الربط الكهربائي للطاقة الشمسية وطاقة الرياح مع الطاقة الكهرومائية التي ينتجها سد النهضة، الامر الذي يمكن أن يوفر فوائد ملموسة في الطاقة والمياه لجميع البلدان المعنية، مما يخلق أوضاعًا إقليمية مربحة لجميع الأطراف (Win-Win).
أعد هذه الدراسة باحثون من جامعة Vrije Universiteit Brussel (VUB)، وجامعة (KU Leuven) في بلجيكا. ويقول السيد / سيباستيان ستيرل (Sebastian Sterl) خبير تخطيط الطاقة والباحث الرئيسي في هذه الدراسة التي نشرت كذلك على مجلة (Nature Energy)، “ان نتائج هذه الدراسة تدعو إلى التخطيط المتكامل للطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة الكهرومائية، ليتم أدراجها كحلول في مفاوضات سد النهضة الجارية الآن.
تتصاعد التوترات السياسية بين مصر والسودان وإثيوبيا منذ عدة سنوات بشأن الصراع الذي يدور حول أكبر سد لإنتاج للطاقة الكهرومائية في إفريقيا-سد النهضة الإثيوبي الكبير على النيل الأزرق-. وتقول إثيوبيا، التي بدأت في ملء البحيرة الضخمة للسد في عام 2020. وأنها تحتاج إلى كهرباء سد النهضة لانتشال الملايين من مواطنيها من براثن الفقر. بيد ان مصر قلقة للغاية من تداعيات السد الضخم على نهر النيل، حيث تعتمد في زراعتها بشكل كامل على مياه النيل. رفعت مصر هذه القضية إلى مجلس الأمن الدولي في وقت سابق من عام 2020، بينما ظل السودان عالقا بين الجانبين. لم تثمر محادثات الوساطة الجارية بقيادة الاتحاد الأفريقي للاتفاق حول تشغيل السد على المدى الطويل. مما أدي الي ظهور أصوات تنذر بأن شبح “حرب المياه” يلوح في الأفق بين القاهرة وأديس أبابا.

تكامل التشغيل الموسمي
مضي السيد / (Sebastian Sterl) في شرح نتائج الدراسة قائلا: “النيل الأزرق هو نهر موسمي بامتياز. وبالنظر الي ان بحيرة سد النهضة ذات سعة كبير جدًا بحيث يمكنها تخزين كامل إيرادات النهر طوال شهور السنة، وبالتالي يمكن للسد توفير المياه اللازمة لإنتاج الطاقة الكهرومائية بمعدل ثابت على مدار العام، مما يؤدي الي إنهاء موسمية تدفق النهر. وهذا يناسب تماما رغبات أثيوبيا، غير انه بالمقابل لا يصلح للسودان ومصر لأنه يعيق توقيت تدفق المياه الموسمي الطبيعي إليهما. وهنا يبرز السؤال الذي يثير العديد من الخلافات حول سد النهضة، وهو هل يحق لأي دولة مشاطئة، ممارسة مثل هذه السيطرة على نهر النيل؟”.
سعيا منها لإيجاد حلول لهذه المعضلة قامت مجموعة من الباحثين في بلجيكا وألمانيا، بقيادة السيد/(Sterl)، بتقديم حلول عملية ومبتكرة يمكن أن تؤدي الي حل الخلافات المثارة حول سد النهضة، تستفيد منها البلدان الثلاثة جميعًا. تتلخص الفكرة في انتشار وسائل انتاج طاقة شمسية وطاقة رياح نظيفة وحديثة على نطاق واسع لتكون بمثابة مكمل للطاقة الكهرومائية التي ينتجها سد النهضة. وبشكل أكثر واقعية: يقترح الباحثون أن تقوم إثيوبيا وجيرانها بنشر مزارع شمسية وطاقة رياح واسعة النطاق، والعمل على إنشاء شبكة طاقة إقليمية متكاملة، ومن ثم الاتفاق مع أثيوبيا على تشغيل سد النهضة بشكل تبادلي وتكاملي بحسب المواسم، والتنسيق بين ماينتجة السد من طاقة كهرومائية وما تنتجة مصادر الطاقة الشمسية وطاقة الرياح في الإقليم. وهذا قد يعني تقليل استهلاك المياه في توربينات السد في الأيام المشمسة وأثناء هبوب الرياح، وأستهلاك المزيد من المياه خلال فترات الغيوم وسكون الرياح وأثناء ساعات الليل، وذلك من أجل تعزيز انتاج الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وتعظيم الاستفادة منهما بشكل أمثل وتفادي تقلبات طاقتهما الانتاجية.

أهمية التعاون الإقليمي في أنشاء مجمع شرق أفريقي مشتركً للطاقة
أدرك الباحثون أن أشعة الشمس والرياح في العديد من مناطق إثيوبيا والسودان وجيرانهم في شرق إفريقيا تنشط في مواسم معاكسة لأوقات تدفق النيل الأزرق. في هذه الأماكن، تشرق الشمس بشكل أكثر سطوعًا والرياح تكون أقوى خلال موسم الجفاف. يقع هذا “التكامل والتبادل الموسمي” بين الماء والشمس والرياح في صميم نتائج الباحثين.
وجدت الدراسة أنه إذا تم تشغيل سد النهضة لدعم انتاج الطاقة الشمسية وطاقة الرياح على مدار العام – على مدار الساعة وبشكل موسمي اً – فإن هذا يعني تلقائيًا إنتاج طاقة كهرومائية أقل خلال موسم الجفاف وأكثر خلال موسم الأمطار، دون التأثير سلبًا على متوسط الإنتاج السنوي لسد النهضة من الطاقة الكهرومائية. عندئذٍ ستكون المياه الموسمية المتدفقة من سد النهضة تماثل إلى حد كبير تدفق وجريان النهر الطبيعي، مع بلوغه ذروة التدفق بشكل واضح في موسم الأمطار.
وبحسب السيد/ (Sterl)، إذا تم تشغيل سد النهضة بهذه الطريقة، فأن إثيوبيا سوف تتمتع بكل الفوائد المتوقعة من سد النهضة – وفي ذات الوقت سوف يبدو هذا الأمر بالنسبة للسودان ومصر، كما لو أن الإثيوبيين قاموا ببناء خزان متواضع وصغير نسبيًا. فهناك العديد من الخزانات الموجودة بالفعل على نهر النيل، لذلك لا يمكن لأي بلد في مصب النهر أن يعترض على ذلك.

التعاون الإقليمي
للتوفيق بين الأطراف حول أهداف الطاقة والمياه المشتركة، حدد الباحثون ما لا يقل عن خمس فوائد ملموسة لمثل هذا التخطيط المتكامل للطاقة المنتجة من المياه والرياح والشمس. أولاً، يمكن أن تصبح إثيوبيا أكبر مصدر للطاقة في إفريقيا مع تقليل اعتمادها على الطاقة الكهرومائية وخفض تكاليف توليد الكهرباء من السدود على المدى الطويل. ثانيًا، يمكن استبدال استهلاك الوقود الأحفوري الملوث في السودان ودول شرق إفريقيا الأخرى بالطاقة الشمسية وطاقة الرياح، بدعم من الإنتاج الكهرومائي لسد النهضة. ثالثًا، بفضل مخطط التشغيل المقترح لسد النهضة، يمكن لمصر الحصول على المزيد من المياه خلال سنوات الجفاف أكثر من ذي قبل، كما انها لن تحتاج إلى تغيير تشغيل السد العالي في أسوان. رابعًا، ستعمل إثيوبيا على تشغيل واستخدام أكثر من عشرة توربينات في سدها الضخم بشكل أكثر كفاءة من خلال الإنتاج المتكرر بطاقتها القصوى عندما لا تتوفر الطاقة الشمسية وطاقة الرياح. وخامسًا، ستكون بيئة نهر النيل العابر للسودان أقل تأثرًا بسد النهضة، حيث تعد موسمية تدفق النهر مكونًا مهمًا للاستدامة البيئية للأنهار.
وفقًا لمعدي الدراسة، فإن منطقة شرق إفريقيا بأكملها سوف تكون على استعداد للإسهام في تنفيذ هذه المقترحات. أذ يقول السيد/ (Sterl)، “يمكن لإثيوبيا أن تعمل بمفردها نظريًا، باستخدام سد النهضة لدعم انتاج طاقتها الشمسية وطاقة الرياح”. لكن الأمر سيكون أفضل بكثير إذا تعاونت مع السودان، على سبيل المثال، لان لدية موارد أفضل من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح من التي لدي إثيوبيا، مما يسمح بقيام تكامل واستغلال أفضل لموارد الطاقة الكهرومائية والشمسية والرياح وتقليل التكاليف الإجمالية لتوليد الطاقة المتجددة. من جانب آخر تمتلك مصر موارد كبيرة من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح أيضًا، مثل جيبوتي وجنوب السودان ودول شرق إفريقيا الأخرى. لذلك يمكن أن يكون التعاون الإقليمي في تجمع الطاقة المشترك لدول شرق إفريقيا عاملاً أساسيا في فض النزاع حول سد النهضة “.
تشير نتائج الدراسة إلى أن التخطيط المتكامل لإنتاج الطاقة الكهرومائية والشمسية ومن الرياح يمكن أن يكون خيارًا مثيرًا للاهتمام بدرجة كبيرة، ويناسب تماما المناقشات والمفاوضات الجارية الآن فيما يتعلق بسد النهضة، بين إثيوبيا والسودان ومصر. بحيث يمكننا القول بأنها “يمكن ان تمثل وضعا مربحا لكافة الأطراف” (Win-Win). ويري البروفيسور / (Wim Thiery)، الباحث في علم المناخ في جامعة (VUB) والمؤلف المشارك في هذه الدراسة. “أن المنطقة بأكملها سوف تستفيد.”

عليان الطيب عليان
مستشار سياسي بجنوب شرق آسيا

alyan303@gmail.com
/////////////////

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

البرهان كطاغية يتشوَّق للطغيان!! .. بقلم: عبدالله مكاوي

abdullahaliabdullah1424@gmail.com بسم الله الرحمن الرحيم يبدو ان البرهان ككل طاغية مستبد، يطابق بين بقاءه في …

اترك تعليقاً