باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الثلاثاء, 20 أكتوبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
زهير عثمان حمد
زهير عثمان حمد عرض كل المقالات

حين تأكل الحركة أبناءها- تشخيص تحليلي لأزمة التنظيم الإسلامي في السودان

اخر تحديث: 20 أكتوبر, 2026 12:05 مساءً
شارك

زهير عثمان

ليست التنظيمات السياسية الكبرى محصّنة ضد الانهيار لمجرد أنها امتلكت السلطة طويلًا، ولا تصبح عصية على التفكك لأنها نجحت في اختراق مؤسسات الدولة وإقامة شبكات واسعة من المصالح والنفوذ , فالتاريخ السياسي يعلمنا أن لحظة الضعف الحقيقية لا تبدأ بالضرورة عندما يفقد التنظيم الحكم، وإنما حين يفقد قدرته على إدارة تناقضاته الداخلية، ويعجز عن التوفيق بين مصالح قياداته وتطلعات أعضائه، وتتحول علاقاته الداخلية من رابطة تقوم على الثقة والانتماء إلى شبكة تحكمها الشكوك وموازين القوة والخوف من الإقصاء
من هذه الزاوية، تكتسب المعلومات التي أوردها بروفيسور عبد المنعم همت بشأن الصراعات داخل الحركة الإسلامية السودانية أهميتها السياسية , فالروايات المتعلقة بالتنافس بين القيادات، والتوتر بين الحرس القديم والتيارات الشبابية والميدانية، والحديث عن اعتقال بعض المنتمين إلى التنظيم وكتائبه، وما يتردد عن اتهامات متبادلة بالتخوين وانسحاب عمر الفاروق أبو أنس من النشاط التنظيمي بعد خروجه من الاعتقال، تفتح الباب أمام سؤال يتجاوز صحة كل واقعة منفردة إلى طبيعة الأزمة التي قد تعكسها هذه التطورات
ومع ضرورة التحقق المستقل من تفاصيل هذه الروايات، وعدم التعامل معها باعتبارها وقائع محسومة قبل تثبيتها، فإن دلالتها المحتملة تستحق النقاش– ماذا يعني أن يصبح بعض أبناء التنظيم موضع اشتباه داخل الدوائر التي ينتمون إليها؟ وماذا يحدث عندما تتحول التضحية التي يقدمها الأعضاء إلى رصيد لا يضمن لهم الحماية أو المشاركة في القرار، بينما تظل سلطة تحديد الولاء والخيانة محتكرة لدى قيادات تتنافس على النفوذ؟
إن المسألة هنا ليست إعلان نهاية الحركة الإسلامية، بل محاولة فهم ما إذا كانت تواجه أزمة تنظيمية وتركيبية تهدد قدرتها على الاستمرار بوصفها مركزًا سياسيًا موحدًا، حتى لو ظلت شبكاتها وأفكارها وامتداداتها داخل المجتمع ومؤسسات الدولة قائمة
من أزمة القيادة إلى احتمال التفكك
لا يعني الانهيار التنظيمي اختفاء الأعضاء أو إغلاق المكاتب أو زوال الأفكار من المجال العام. فقد يظل التنظيم حاضرًا اجتماعيًا، وتستمر شبكاته في العمل، بينما يفقد تدريجيًا قدرته على إنتاج قرار ملزم لمختلف مكوناته. وفي هذه الحالة، لا يكون الاختفاء هو العلامة الأهم على الأزمة، بل تراجع القدرة على إدارة الاختلافات وتوحيد المصالح وتحديد الأولويات
يمكن رصد هذا الاحتمال عبر مجموعة من المؤشرات المتداخلة– تراجع وحدة القرار، وتصاعد الخلاف حول شرعية القيادة، واضطراب العلاقة بين العضوية والولاء، وتنافس مراكز القوة على الموارد والنفوذ، واتساع الفجوة بين الخطاب العقائدي والممارسة السياسية
لكن وجود خلافات داخلية لا يكفي وحده لإثبات أن التنظيم دخل مرحلة التفكك, فالتنظيمات الممتدة تاريخيًا تستطيع احتواء الصراعات وإعادة توزيع الأدوار، وقد تعيد إنتاج تماسكها من خلال تسويات داخلية. ويصبح الخلاف مؤشرًا أكثر خطورة عندما تعجز القيادة عن تسويته بوسائل تنظيمية مقبولة، وتتحول الخصومة إلى اتهامات بالخيانة، أو إلى إجراءات قسرية، أو إلى تنازع على أدوات القوة خارج القنوات المعتادة
وعليه، فإن الأدق في توصيف الحالة الراهنة هو الحديث عن أزمة محتملة في وحدة القرار والثقة الداخلية، تتطلب قراءة مؤشرات القوة والضعف، بدل الجزم بأن الانهيار أصبح واقعًا مكتملًا
من هم الأبناء الذين تأكلهم الحركة؟
ليس الصراع المحتمل داخل الحركة الإسلامية مجرد مواجهة تقليدية بين جيل قديم وجيل جديد. فالأجيال قد تختلف في اللغة والأولويات، لكنها قد تتفق على المصالح ذاتها، كما قد تنقسم القيادات داخل الجيل الواحد على السلطة والموارد والمرجعية. لذلك، فإن المدخل الأهم لفهم الخلاف هو البحث في طبيعة السلطة التي يتنافس عليها الفاعلون، ومصادر القوة التي يستندون إليها
يمكن، لأغراض التحليل لا باعتباره تصنيفًا تنظيميًا نهائيًا، التمييز بين دوائر متداخلة داخل المجال الإسلامي السوداني
هناك قيادات سياسية وتنظيمية تاريخية راكمت خبرتها من خلال العمل داخل الحركة ومؤسسات الحكم السابقة، وتُطرح أسماء مثل أحمد هارون وعلي كرتي وإبراهيم محمود وإبراهيم غندور في سياق النقاش حول مواقع القيادة والنفوذ، وإن اختلفت أدوارهم وعلاقاتهم ومصادر تأثيرهم
وهناك قيادات وفاعلون ميدانيون ارتبط حضورهم بالحرب والتعبئة المسلحة، وتُتداول في هذا السياق أسماء مثل عمر الفاروق أبو أنس والمصباح أبوزيد وأبوبكر شبو. غير أن وضع هؤلاء جميعًا في تيار تنظيمي واحد، أو افتراض وجود موقف موحد لهم من القيادة التقليدية، يحتاج إلى أدلة مستقلة، ولا يصح استنتاجه من مجرد ظهور خلافات أو تباينات في المواقف
كما توجد دوائر دعوية وفكرية ذات تأثير في تشكيل الخطاب الديني والسياسي، تختلف مواقعها ومرجعياتها عن مواقع القيادات الحزبية أو الميدانية, ولا ينبغي الخلط بين التأثير الفكري والسلطة التنظيمية، أو افتراض أن كل صاحب خطاب متشدد يمثل تيارًا تنظيميًا متماسكًا
تكشف هذه الخريطة التقديرية عن سؤال جوهري: هل تستطيع الحركة المحافظة على مركز موحد للقرار عندما تتعدد مصادر النفوذ داخلها؟ فالقائد الذي يستمد قوته من التاريخ التنظيمي ليس بالضرورة هو نفسه الذي يملك القدرة على التأثير في الميدان، ومن يملك التأثير العقائدي لا يمتلك بالضرورة أدوات التمويل أو العلاقات المؤسسية, وحين تتوزع هذه الموارد بين أطراف مختلفة، يصبح الخلاف على القيادة أعمق من مجرد منافسة على المناصب؛ إذ يتحول إلى صراع حول من يملك حق تمثيل الحركة، ومن يحدد أولوياتها، ومن يستطيع اتخاذ القرار باسمها , حين يتحول الاختلاف إلى تهمة خيانة
تواجه التنظيمات التي تقوم على مركزية القيادة والطاعة الصارمة مشكلة خاصة عندما تنشأ داخلها مراكز نفوذ مستقلة. فبدل التعامل مع الخلاف باعتباره جزءًا من الحياة السياسية، قد تنظر إليه بعض دوائر القيادة بوصفه تهديدًا لوحدة التنظيم، خصوصًا عندما يقترن باستقلال مالي أو ميداني أو جماهيري
في هذه اللحظة، يصبح التخوين وسيلة لإعادة ضبط الحدود بين من يُسمح لهم بالمشاركة في القرار ومن يُنظر إليهم باعتبارهم مصدر خطر ويتراجع النقاش حول السياسات والخيارات لمصلحة اختبار الولاء الشخصي، بينما تصبح العضوية نفسها موضع نزاع- من يملك حق تعريف العضو الملتزم؟ ومن يحدد متى يتحول المعترض إلى متآمر؟
إذا صحت الروايات المتعلقة باعتقالات طالت بعض المنتمين إلى التنظيم أو الكتائب المرتبطة به، أو بشأن إبعاد قيادات ميدانية من مواقعها، فإن السؤال لا يقتصر على أسباب الإجراءات أو الجهة التي اتخذتها، بل يمتد إلى طبيعة العلاقة بين الأفراد والمؤسسات التي ينتمون إليها
ومع ذلك، فإن إثبات الاعتقال أو الإبعاد لا يكفي وحده لإثبات وجود حملة داخلية منظمة لتصفية الحسابات؛ فذلك يتطلب معرفة الملابسات والقرارات والمسؤوليات. لكن وقوع مثل هذه الإجراءات، إذا تأكدت صلتها بالخلافات التنظيمية، يثير مسألة أساسية تتعلق بضمانات العضوية وحدود سلطة القيادة
والأخطر أن الخوف الذي اعتادت التنظيمات السلطوية استخدامه لضبط خصومها قد يتحول إلى أداة لإدارة علاقاتها الداخلية. عندها لا يعود السؤال محصورًا في كيفية مواجهة الخصوم السياسيين، بل يصبح– من التالي الذي يمكن أن يُشتبه في ولائه؟ ومن الذي يملك سلطة توجيه الاتهام من دون مساءلة داخلية؟
حين تصل العلاقة التنظيمية إلى هذه المرحلة، لا يعود الانضباط دليلًا كافيًا على التماسك؛ فقد يكون الصمت ناتجًا عن الاقتناع، وقد يكون نتيجة الخوف من العواقب
الحرب وإعادة توزيع القوة
منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، دخلت الحركة الإسلامية السودانية، شأنها شأن القوى السياسية والاجتماعية المتصلة بالصراع، مرحلة استثنائية أعادت طرح أسئلة القوة والتمثيل والمستقبل
فالحرب لا تغيّر موازين القوة في الميدان فحسب، وإنما تؤثر أيضًا في العلاقات بين القيادات، وفي قيمة الشبكات التنظيمية، وفي طبيعة الموارد التي تمنح بعض الأطراف قدرة أكبر على التأثير
في الظروف العادية، تستطيع القيادة السياسية الاستناد إلى تاريخها التنظيمي وشبكاتها المؤسسية لتأكيد سلطتها. أما في زمن الحرب، فقد تكتسب الأطراف المرتبطة بالتعبئة الميدانية أهمية إضافية، خصوصًا إذا ارتبطت قدرتها على الحشد أو التأثير بموارد لا تخضع بالكامل للقيادة السياسية التقليدية
لكن هذه العلاقة ليست آلية ولا تعني أن كل قوة ميدانية تتحول بالضرورة إلى مركز تنظيمي مستقل. فذلك يتوقف على مدى استقلال القرار، ومصادر التمويل، وطبيعة العلاقة مع القيادات، والقدرة على الاستمرار خارج ترتيبات الحرب
وفي الوقت نفسه، تطرح العلاقة بين الحركة الإسلامية والجيش إشكالية تتجاوز التحالفات الظاهرة , فقد تلتقي مصالح الطرفين في بعض الملفات، من دون أن يعني ذلك تطابق رؤيتهما لمستقبل السلطة أو توزيع النفوذ. وقد تستفيد أطراف داخل الحركة من التقارب مع المؤسسة العسكرية، بينما تنظر أطراف أخرى إلى صعود قوى ميدانية أو سياسية بعين القلق , ومن هنا ينشأ احتمال التنافس على حق تمثيل الحركة أمام الجيش، وعلى تحديد دورها في المرحلة المقبلة، وعلى رسم الحدود بين العمل السياسي والنشاط العسكري والنفوذ داخل مؤسسات الدولة
إن الحرب، بهذا المعنى، ليست دليلًا كافيًا على تفكك الحركة الإسلامية، لكنها قد تكون عاملًا مسرّعًا للتناقضات التي لم تستطع تسويتها في مراحل سابقة. وكلما طال أمد الحرب، ارتفعت كلفة إدارة هذه التناقضات، وأصبح من الأصعب الفصل بين المصالح التنظيمية والمصالح الميدانية والحسابات المتعلقة بمستقبل السلطة
أزمة الثقة وعقد التضحية والحماية
تقوم التنظيمات العقائدية على توقع متبادل بين الفرد والجماعة: يقدم العضو الولاء والوقت والجهد، وقد يتحمل مخاطر شخصية وسياسية، في مقابل شعوره بأنه جزء من مشروع يوفر له المعنى والانتماء والمشاركة والحماية التنظيمية , لا يعني ذلك أن العضوية تمنح صاحبها حصانة من المساءلة، أو أن الانتماء السياسي يجب أن يعفي الفرد من القانون. لكن المساءلة داخل التنظيم تختلف عن إخضاع أعضائه للاشتباه التعسفي، كما تختلف المحاسبة القانونية عن تصفية الحسابات السياسية, وتبدأ أزمة الثقة عندما يشعر العضو بأن ما قدمه لا يمنحه حقًا في المشاركة أو الاعتراض، وأن موقعه يمكن أن يتغير تبعًا لموازين القوة لا وفق قواعد معلنة. وإذا اقترنت هذه المخاوف باعتقالات أو اتهامات غير واضحة أو إقصاء لا تتوافر بشأنه معلومات كافية، فقد تتسع الفجوة بين القيادة والقاعدة
غير أن الحديث عن انهيار كامل لعقد التضحية والحماية يظل حكمًا أكبر من الأدلة المتاحة ما لم نعرف مدى انتشار هذه التجارب داخل التنظيم، وكيف تستقبلها قواعده، وما إذا كانت قد أدت بالفعل إلى انسحابات واسعة أو انقسامات معلنة
والسؤال التحليلي هنا ليس ما إذا كان بعض الأفراد يشعرون بالخذلان، بل ما إذا كانت هذه المشاعر تتحول إلى أزمة جماعية تضعف قدرة التنظيم على تجديد عضويته، أو تدفع أفراده إلى البحث عن شبكات بديلة، أو تجعلهم يحتفظون بالانتماء الرمزي بينما يتراجع التزامهم العملي
المفارقة الحقوقية- هل الحقوق للأنصار وحدهم؟
من التفاصيل التي تستحق التأمل ما أُثير بشأن لجوء زوجة أحد المعتقلين، بحسب الرواية المتداولة، إلى منظمة حقوقية دولية للمطالبة بإطلاق سراحه. وإذا ثبتت الواقعة، فإن أهميتها لا تكمن في كون الأسرة لجأت إلى جهة دولية، فذلك حق مشروع لكل من يسعى إلى حماية شخص يعتقد أنه تعرض لانتهاك، وإنما في الأسئلة التي تطرحها بشأن العلاقة بين الخطاب السياسي والممارسة الحقوقية
فقد اعتادت بعض الخطابات السياسية تصوير المنظمات الحقوقية الدولية باعتبارها أدوات تدخل أو ضغط خارجي، خصوصًا عندما تتناول انتهاكات ترتكبها السلطات بحق الخصوم. لكن اللجوء إلى المؤسسات الحقوقية يصبح خيارًا مشروعًا عندما يكون المتضرر من داخل الجماعة نفسها
ولا يجوز تحويل هذه المفارقة إلى إدانة للأسرة أو التشكيك في حقها في طلب المساعدة. بل ينبغي أن تكون مدخلًا إلى مساءلة المعيار السياسي والأخلاقي الذي تُقيّم به الحقوق
هل تُعد الحرية حقًا عندما يكون المعتقل من جماعتنا، ثم تصبح مسألة ثانوية عندما يكون من خصومنا؟ وهل نطالب بمحاكمة عادلة لأعضائنا، بينما نقبل حرمان الآخرين من الضمانات القانونية ذاتها؟
إن معيار الحقوق لا يتغير بتغير الهوية السياسية للمعتقل , فالحماية من التعذيب والاختفاء القسري والاحتجاز التعسفي، والحق في معرفة أسباب الاعتقال والمحاكمة العادلة، ليست امتيازات تمنحها الجماعات لأعضائها، وإنما حقوق يجب أن يتمتع بها الجميع.
وهنا تتجاوز القضية حدود الحركة الإسلامية إلى سؤال الدولة والمواطنة: هل نريد قانونًا يحمي الإنسان لأنه مواطن، أم منظومة من الحماية المتفاوتة تتحدد بحسب قربه من مراكز القوة؟
ثلاثة مسارات محتملة للأزمة
لا يمكن التنبؤ بمستقبل الحركة الإسلامية استنادًا إلى روايات متفرقة أو خلافات لم تتضح جميع تفاصيلها. لكن يمكن تصور ثلاثة مسارات، تظل احتمالات تحليلية تتوقف على تطور الوقائع , والمسار الأول هو الترميم التنظيمي الهش- وقد يتحقق من خلال تسوية بين القيادات التاريخية والفاعلين الميدانيين، وإعادة توزيع بعض الأدوار والنفوذ، واحتواء المعترضين-و لكن نجاح هذا المسار لن يُقاس بمجرد عودة الهدوء أو توقف الاتهامات، بل بقدرة التنظيم على معالجة أسباب الخلاف، ووضع قواعد واضحة للمساءلة وتداول المسؤولية، وتحديد العلاقة بين العمل السياسي والنشاط المسلح
أما المسار الثاني —فهو تعدد مراكز القوة. وفيه تحتفظ مجموعات مختلفة بشبكاتها وعلاقاتها ومرجعياتها، مع تراجع قدرة القيادة المركزية على فرض قرار موحد. وقد يسمح هذا الوضع باستمرار النفوذ عبر قنوات متعددة، لكنه يضعف قدرة الحركة على تقديم نفسها بوصفها مشروعًا سياسيًا متماسكًا، ويجعل مواقفها أكثر ارتباطًا بتوازنات المصالح المتغيرة
والمسار الثالث– هو التآكل الاستراتيجي التدريجي- ويحدث عندما تتراجع الثقة بين الأعضاء، وتضعف قدرة التنظيم على استقطاب أجيال جديدة، وتتسع الفجوة بين خطابه وممارساته، وتتراكم كلفة الحرب والمسؤولية السياسية وتراجع القبول المجتمعي
وقد لا ينتهي هذا المسار إلى اختفاء التنظيم، بل إلى انحسار قدرته على الهيمنة، مع استمرار بعض شبكاته وأفكاره في أشكال أخرى
وتبقى هذه المسارات قابلة للتداخل؛ فقد ينجح التنظيم في ترميم قيادته، بينما يستمر تآكله اجتماعيًا وسياسيًا، أو تتراجع وحدته المركزية من دون أن تفقد شبكاته المحلية قدرتها على التأثير
ولهذا، فإن التشخيص الجاد لا يتوقف عند سؤال: هل تنهار الحركة؟ بل يتابع طبيعة التحولات التي تجري داخلها، والآليات التي قد تسمح لها بالتكيف، وحدود قدرتها على إعادة إنتاج نفوذها
نهاية الهيمنة ليست نهاية الأفكار
امتد حضور الحركة الإسلامية السودانية في المجال السياسي والاجتماعي لعقود، وبلغت هيمنتها على الدولة مرحلة حاسمة بعد انقلاب 1989. لكن طول البقاء في السلطة لا يساوي بالضرورة رسوخًا اجتماعيًا، كما أن فقدان الحكم لا يؤدي تلقائيًا إلى اختفاء الشبكات والمصالح والأفكار التي نشأت في ظله
لقد أتاح التداخل بين التنظيم والدولة، خلال سنوات الحكم، فرصًا واسعة لتكوين علاقات مؤسسية واقتصادية وسياسية، وأثار في الوقت نفسه أسئلة جوهرية عن استقلال المؤسسات العامة، وحدود المنافسة السياسية، ومبدأ المساواة بين المواطنين. ولا يمكن فهم الأزمة الراهنة من دون النظر إلى هذا الإرث، بدل اختزالها في صراعات الأشخاص أو التنافس بين الأجيال
فقد تتراجع القيادة المركزية بينما تستمر شبكات النفوذ في العمل، وقد تتغير الأسماء والواجهات من دون أن تتغير النظرة إلى الدولة باعتبارها مجالًا للتمكين الحزبي، أو إلى الخصم باعتباره تهديدًا ينبغي إقصاؤه
ومن الممكن أيضًا أن تؤدي التحولات الداخلية إلى مراجعات حقيقية، لكن ذلك لا يُقاس بتبديل الوجوه أو تعديل الخطاب وحدهما، وإنما بتغيير المواقف والممارسات والقواعد التي تحكم العلاقة بالمجتمع والدولة
من هنا، فإن مستقبل السودان لا يمكن أن يُبنى على انتظار انهيار خصم سياسي، مهما كانت مسؤوليته عن الاستبداد أو دوره في الأزمة الراهنة. المطلوب هو بناء دولة لا تحتكرها جماعة، ومؤسسات أمنية وعسكرية لا تتحول إلى أدوات لحماية تنظيم أو تصفية خصومه، وقضاء مستقل، وحياة سياسية تسمح بالتعددية والتنافس السلمي والمحاسبة
أما الحركة الإسلامية، فإن أرادت الخروج من أزمتها، فلن يكفيها أن تعيد توزيع المواقع بين قياداتها، أو أن تحسم خلافاتها الداخلية بالقوة، أو أن تتبادل الاتهامات بشأن الخيانة والتخاذل. سيكون عليها أن تواجه أسئلة علاقتها بانقلاب 1989، ومسؤوليتها السياسية عن منظومة الحكم التي أقامتها، وموقفها من الحرب والعنف، وحدود الفصل بين التنظيم والدولة، وقبولها الفعلي بالتعددية وتداول السلطة وحقوق المواطنين
إن الاعتراف بحقوق الخصوم، والقبول بالمحاسبة، والتخلي عن احتكار الحقيقة السياسية، ليست تنازلات شكلية، بل شروط لأي مراجعة جادة تريد أن تتجاوز أزمة الثقة واستعادة الشرعية الاجتماعية
وفي النهاية، فإن التنظيم الذي يضيّق على أعضائه لمجرد اختلافهم، أو يعامل استقلالهم في الرأي باعتباره تهديدًا لوجوده، قد يستطيع فرض الصمت فترة من الزمن، لكنه لا يستطيع بالقوة وحدها استعادة الثقة التي تتآكل داخله. ومع ذلك، فإن مصيره لا يُحسم بمجرد ظهور الخلافات، بل بقدرته أو عجزه عن إدارتها، وبمدى استعداده لمراجعة علاقته بالسلطة والمجتمع
وحين تصبح الطاعة بديلًا عن القناعة، والاشتباه بديلًا عن الثقة، والتنافس على النفوذ بديلًا عن المشروع السياسي، فإن الخطر لا يكمن فقط في احتمال تفكك التنظيم، بل في أن تنتقل ممارساته وأزماته إلى أشكال جديدة من العمل السياسي
وهنا تكمن القضية الأهم بالنسبة إلى السودان— ليس فقط ما إذا كانت الحركة الإسلامية ستتراجع أو تتفكك، وإنما ما إذا كان السودانيون سيتمكنون من بناء دولة تمنع إعادة إنتاج الهيمنة، أيًا كان الاسم الذي تحمله الجماعة التي تسعى إليها.

zuhair.osman@aol.com

Author
زهير عثمان حمد

زهير عثمان حمد

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

الأخبار
السودان.. هبوط مروحية عسكرية اضطراريا ونجاة ركابها شرقي البلاد
منشورات غير مصنفة
السيد علي الميرغني: مساهماته في التطور السياسي بالسودان (1884 – 1968م) (2). ترجمة: بدر الدين الهاشمي
منبر الرأي
الشاعر محمد محمد علي (1922- 1970) .. بقلم: عبدالله الشقليني
الأخبار
استمرار إتاحة باب التقدم للطلاب العائدين من روسيا والسودان للالتحاق
الأخبار
حمدوك يصل واشنطون

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

حمدوك والبدوي يدعوان لمؤتمر اقتصادي يوم القيامة .. بقلم: علاء الدين أبومدين

طارق الجزولي
منبر الرأي

ويسألونك عن ميناء الخرطوم البري أين ذهبت أموال التحصيل؟ .. بقلم: موسى بشرى محمود على

طارق الجزولي
منبر الرأي

عن الدين والدولة السؤال .. وليس قانون النظام لعام !! .. بقلم: عزالدين صغيرون

طارق الجزولي
منبر الرأي

أيام ذهبية في الخرطوم 4-4 .. بقلم: سليم عثمان

سليم عثمان
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss