حين تعلو التحديات… لماذا يحتاج السودان إلى “مختبر وطني للاستطلاع والاستجابة”؟

بقلم: د. صلاح أحمد الحبو

في لحظات الانكسار الكبرى، لا يكون السؤال: ماذا حدث؟ بل: كيف نستجيب؟ فالحروب لا تختبر فقط صلابة الجيوش، بل تكشف حدود الخيال المؤسسي وقدرة الدول على تحويل الألم إلى معرفة، والفوضى إلى سياسات، والكارثة إلى فرصة لإعادة التأسيس. وفي الحالة السودانية، حيث تراكمت آثار الحرب على الاقتصاد والمجتمع والدولة، تبدو الفجوة مقلقة بين حجم التحديات ونوعية الاستجابات. هذه الفجوة ليست مجرد قصور إداري، بل تعبير عن غياب منصة معرفية-عملية قادرة على قراءة الواقع في الزمن الحقيقي، وصياغة تدخلات ذكية ومتكاملة. هنا تبرز الحاجة إلى إنشاء “مختبر سوداني للاستطلاع والاستجابة” كأداة استراتيجية، لا رفاه فكري.

التحديات التي فرضتها الحرب تجاوزت حدود الخسائر المباشرة إلى تفكيك البنية الاقتصادية والاجتماعية. تشير تقديرات تحليلية إلى انكماش الناتج المحلي الإجمالي بنسب تتراوح بين 20% إلى 40% خلال فترات التصعيد[1]، فيما فقدت العملة الوطنية جزءاً كبيراً من قيمتها، وارتفعت معدلات التضخم إلى مستويات قاربت أو تجاوزت 150%[2]. وإذا افترضنا أن الاقتصاد السوداني قبل الحرب كان في حدود 50 إلى 60 مليار دولار، فإن فجوة الخسارة السنوية قد تتراوح بين 15 إلى 18 مليار دولار، دون احتساب كلفة الدمار في البنية التحتية التي قد تتجاوز 20 مليار دولار[3].

في المقابل، فإن حجم الاستجابة الاقتصادية الحالية يظل محدوداً ومجزأً، وغالباً ما يدور في نطاق بضعة مليارات غير مستقرة، تفتقر إلى التنسيق والتكامل. هنا تتجلى الفكرة المركزية: التحديات الكبرى تحتاج إلى استجابات كبرى، ليس فقط من حيث الحجم المالي، بل من حيث نوعية التفكير وأدوات التنفيذ. ما يحدث الآن هو تعدد فاعلين يعملون بمنطق المشاريع القصيرة، لا بمنطق النظام المتكامل.

ولفهم ما يمكن أن يعنيه “مختبر استطلاع واستجابة” عملياً، يمكن النظر إلى تجربة “مختبر السياسات” في المملكة المتحدة، الذي أنشأته الحكومة البريطانية تحت مسمى Policy Lab UK. هذا المختبر لا يكتفي بإنتاج التقارير، بل يعمل كمنصة تفاعلية تجمع بين الباحثين وصناع القرار والمجتمع، مستخدماً أدوات التصميم التجريبي، وعلوم السلوك، وتحليل البيانات لصياغة سياسات قابلة للتطبيق. على سبيل المثال، ساهم المختبر في تحسين خدمات الرعاية الاجتماعية عبر إعادة تصميم تجربة المستفيدين، مما أدى إلى رفع كفاءة الوصول للخدمات وتقليل الهدر الإداري.

كما تقدم تجربة UN Global Pulse نموذجاً آخر، حيث تعتمد الأمم المتحدة على تحليل البيانات الضخمة في الزمن الحقيقي لرصد الأزمات الإنسانية والاقتصادية، وتوجيه الاستجابة بسرعة ودقة. خلال أزمات صحية واقتصادية، تمكن هذا النموذج من تقديم مؤشرات مبكرة حول تدهور الأوضاع المعيشية، مما ساعد في توجيه الموارد قبل تفاقم الأزمات.

هذه النماذج الحية توضح أن المختبرات ليست كيانات نظرية، بل أدوات تشغيلية تعيد تعريف العلاقة بين المعرفة والفعل. وإذا ما تم إسقاط هذا النموذج على الحالة السودانية، فإن “المختبر السوداني للاستطلاع والاستجابة” يمكن أن يشكل نقلة نوعية عبر ثلاثة أدوار مركزية:

أولاً، بناء “نظام إنذار اقتصادي مبكر” يعتمد على جمع وتحليل البيانات اليومية من الأسواق، وسلاسل الإمداد، وحركة النزوح، بما يسمح بالتنبؤ بالأزمات قبل وقوعها. ثانياً، تصميم تدخلات سريعة قائمة على التجريب، مثل برامج دعم نقدي مرن يتم تعديلها وفق النتائج الميدانية. ثالثاً، توحيد جهود الفاعلين عبر منصة تحليلية مشتركة تقلل الازدواجية وتزيد من كفاءة تخصيص الموارد.

وفي هذا السياق، يمكن ابتداع مفهومين تحليليين جديدين لتأطير المقاربة:

الأول: “فجوة الاستجابة المركبة”، وهي تعني الفرق التراكمي بين حجم التحديات الكلية (الاقتصادية، الاجتماعية، الأمنية) وحجم الاستجابة الفعلية من حيث الموارد والكفاءة والتنسيق. هذه الفجوة لا تقاس فقط بالأموال، بل أيضاً بجودة القرارات وسرعة التنفيذ.

الثاني: “اقتصاد تحفيز السلام”، وهو إطار اقتصادي يهدف إلى إعادة تصميم الحوافز داخل اقتصاد الحرب بحيث يصبح السلام خياراً مربحاً للأطراف المختلفة، عبر ربط المكاسب الاقتصادية بالاستقرار، وليس بالاستمرار في النزاع.

إذا طبقنا هذه المفاهيم، نجد أن فجوة الاستجابة المركبة في السودان قد تتجاوز 20 مليار دولار سنوياً، بينما لا تتجاوز الاستجابات الحالية—في أفضل الأحوال—30% من هذا الرقم. أما اقتصاد تحفيز السلام، فيمكن أن يتجسد عبر برامج إعادة دمج المقاتلين، واستثمارات تنموية في مناطق النزاع، وآليات تمويل مشروطة بالتقدم في مسار السلام. على سبيل المثال، يمكن أن يتطلب برنامج متكامل لإعادة الدمج والاستقرار ما بين 5 إلى 8 مليارات دولار خلال السنوات الأولى، مع عائد مضاعف على مستوى الأمن والاستقرار الاقتصادي.

المشكلة اليوم ليست فقط في نقص الموارد، بل في غياب “الآلة التحليلية” التي تحول الموارد إلى أثر. كثير من المبادرات تُهدر بسبب ضعف التنسيق، أو غياب البيانات، أو عدم القدرة على التكيف مع واقع متغير بسرعة. المختبر المقترح يمكن أن يكون هذه الآلة: يربط بين الفاعلين، يوحّد اللغة التحليلية، ويخلق دورة مستمرة من التعلم والتعديل.

في النهاية، السؤال ليس ما إذا كان السودان يحتاج إلى هذا المختبر، بل ما إذا كان يستطيع الاستمرار بدونه. فالحروب الحديثة لا تُدار فقط في ميادين القتال، بل في فضاءات المعرفة واتخاذ القرار. وإذا كانت التحديات التي يواجهها السودان بحجم دولة، فإن الاستجابة يجب أن تكون بحجم فكرة جديدة—فكرة ترى في الأزمة فرصة لإعادة اختراع أدواتنا، قبل أن تعيد الأزمة تشكيلنا على نحو لا نريده.

هوامش بسط المفاهيم والمصطلحات:

[1] الانكماش الاقتصادي: تراجع في إجمالي الناتج المحلي يعكس انخفاض الإنتاج والنشاط الاقتصادي.

[2] التضخم: الارتفاع المستمر في مستوى الأسعار، مما يؤدي إلى تآكل القوة الشرائية.

[3] فجوة التمويل: الفرق بين الموارد المطلوبة لتحقيق الاستقرار أو التنمية، والموارد المتاحة فعلياً.

[4] نظام الإنذار المبكر: آلية تحليلية لرصد المؤشرات التي تنذر بوقوع أزمات قبل حدوثها.

[5] اقتصاد الحرب: نمط اقتصادي يتشكل في ظل النزاعات، حيث تُعاد توجيه الموارد لخدمة الصراع.

[6] فجوة الاستجابة المركبة: مصطلح مستحدث يشير إلى العجز الكلي في مواجهة التحديات متعددة الأبعاد.

[7] اقتصاد تحفيز السلام: مصطلح مستحدث يصف إعادة تصميم الحوافز الاقتصادية لدعم الاستقرار والسلام.

المراجع والمصادر:

تقارير World Bank حول الاقتصاد السوداني.

بيانات International Monetary Fund عن التضخم والاستقرار المالي.

تقارير United Nations Development Programme حول آثار النزاعات على التنمية.

منشورات Policy Lab UK حول تصميم السياسات.

تقارير UN Global Pulse حول استخدام البيانات في الاستجابة للأزمات

habobsalah@gmail.com

عن صلاح الحبو

صلاح الحبو

شاهد أيضاً

حين يصمت الهتاف ويتكلم الوعي: من فخّ الصراع إلى سلامٍ من قريب

ليست كلُّ اللحظات التاريخية قابلةً لأن تُقرأ بالضوء ذاته الذي وُلدت فيه؛ فثمة لحظاتٌ يتقدّم …