أحيانا يصل المستقبل إلى البلاد قبل أن تصل إليه البلاد؛ يترك شيئا من خطاه في الأبواب التي كانت موصدة، وفي الخرائط التي يعاد رسمها، وفي أسماء الشركات التي تبدأ فجأة في الظهور على طاولات لم تكن تعرف السودان إلا من أخبار الحرب والعقوبات، وفي البنوك التي تستعيد لغة التعامل مع بلد ظل طويلا خارج النظام المالي، وفي قاعات المؤتمرات الدولية حين يصبح اسم السودان، بعد غياب طويل، قابلا لأن يرد في حديث عن الاستثمار والتجارة والطاقة والزراعة، لا عن الحروب والمجاعة والعقوبات وحدها.
وقبل أن أمضي في هذه القراءة، ربما يكون من الضروري أن أحدد الموقع الذي أكتب منه، حتى لا يحمل النص إلى غير ما أريد. أنا هنا مواطن سوداني عادي، لا أنتمي إلى صمود ولا إلى قحت ولا إلى أي تنظيم أو تحالف سياسي، ولا أكتب باسم حزب أو جماعة أو جهة، كما أنني لا أقدم نفسي باعتباري محايدا بالمعنى الذي يوحي بأن من لا ينتمي إلى تنظيم سياسي لا يحمل رؤية أو موقفا؛ فالإنسان الذي يتابع بلده ويتأمل في مصائرها لا يستطيع أن يكون بلا أفكار، وإنما أحاول أن أكتب من موقع مواطن يتابع الشأن السوداني، ويفكر فيه، ويقرأ ما أمكنه من الوقائع، ثم يحاول أن يربط بينها بعيدا عن الولاءات التنظيمية، وعن الحاجة إلى الدفاع عن طرف لمجرد أنه طرف، أو مهاجمة آخر لمجرد أن اسمه أصبح جزءا من الخصومة السياسية.
أقول ذلك لأنني لا أريد لهذا المقال أن يدخل إلى القارئ مرتديا قميصا حزبيا قبل أن يبدأ الكلام، ولا أن يقرأه أحد باعتباره مرافعة لصالح قوى سياسية بعينها، كما لا أريده أن يتحول إلى شهادة تزكية لحكومة انتقالية لم تكن بلا أخطاء، ولا إلى محاكمة لها بعد سقوطها؛ فما يعنيني هنا شيء آخر، أكثر اتساعا من الحكومة وأبقى من الأشخاص، وهو أن أتوقف عند لحظة نادرة في تاريخ السودان الحديث، لحظة بدا فيها أن البلاد، بعد ثلاثة عقود من العزلة والاختناق، بدأت ترى ممرا مختلفا نحو العالم، وأن هذا الممر لم يكن وعدا رومانسيا بالرخاء، وإنما مسارا اقتصاديا وسياسيا كانت له مؤشرات ملموسة، ومؤسسات دولية، وشركات عالمية، وإصلاحات مالية، وخرائط تنموية، وأبواب استثمار بدأت بالفعل في الانفتاح.
وهنا ربما تكون عبارة الكاتب الأمريكي وليام غيبسون، «المستقبل موجود بالفعل، لكنه ليس موزعا بالتساوي»، أكثر ملاءمة لهذه القصة من أي تعريف آخر للمستقبل؛ فقد كان المستقبل السوداني في تلك اللحظة موجودا في إشارات صغيرة ومتفرقة، في بنك يستعيد علاقته بالمراسلة المصرفية، وفي شركة تنظر إلى الخرطوم كسوق محتملة، وفي مشروع زراعي يخرج من دائرة الأمنيات إلى طاولة المستثمرين، وفي مسؤول دولي يصل إلى الخرطوم بعد عقود من الغياب، وفي خريطة تنموية تحاول أن ترى السودان من خلال أنهاره وأقاليمه ومحاصيله وموانئه، لكن ذلك المستقبل لم يكن قد أصبح بعد حياة يومية يلمسها المواطن في راتبه وبيته وسوقه، ولذلك ظل بالنسبة لكثيرين مجرد كلام بعيد، فيما كانت بذوره قد بدأت بالفعل في التربة.
كان السودان، في تلك السنوات، يخرج ببطء من غرفة ظل فيها طويلا.
في ديسمبر 2020 أزيل اسمه من قائمة الدول الراعية للإرهاب الأمريكية، وهي خطوة لم تكن مجرد رفع لعقوبة سياسية، بل كانت بداية لإعادة بناء علاقة مختلفة مع العالم المالي والاقتصادي، ثم جاء عام 2021 حاملا حدثا أكبر حين أعلن البنك الدولي أن السودان سدد متأخراته لديه، وعاد إلى الارتباط الكامل بالمؤسسة بعد ما يقارب ثلاثة عقود من العزلة، وهي عودة فتحت الطريق أمام تمويل جديد، وأمام إمكانية الوصول إلى منح وتمويلات تنموية، بالتزامن مع بلوغ السودان نقطة القرار في مبادرة البلدان الفقيرة المثقلة بالديون HIPC، وهي العملية التي فتحت الطريق أمام إعفاءات تتجاوز خمسين مليار دولار بالقيمة الحالية الصافية، بما يزيد على 90 في المائة من الدين الخارجي السوداني.
ولأن التاريخ الاقتصادي لا يتحرك بالأرقام وحدها، فإن الأهم كان ما بدأت تلك الأرقام تعنيه على الأرض؛ فقد كانت هناك محاولة لتوحيد سعر الصرف، وإعادة ترتيب السياسة المالية، ومعالجة الاختلالات التي تركتها سنوات طويلة من الدعم والتشوهات، وإصلاح بيئة الأعمال، وتطوير القطاع المالي، وإعادة بناء علاقة المصارف السودانية بالمصارف العالمية، وهي كلها خطوات لم تكن غايتها تحسين صورة الحكومة في التقارير الدولية، وإنما إعادة السودان إلى المكان الذي يستطيع فيه أن يستقبل الاستثمار ويبيع ويشتري ويحول الأموال ويتعامل مع الأسواق العالمية بصورة طبيعية. وقد ربط البنك الدولي صراحة بين إصلاح البيئة التنظيمية والقضائية والقطاعين المالي والمصرفي وبين استعادة علاقات المراسلة المصرفية وجذب الاستثمار الأجنبي.
وفي سبتمبر 2021 حدث مشهد يستحق أن نتوقف عنده أكثر مما توقفنا.
وصل إلى الخرطوم ديفيد مالباس، رئيس مجموعة البنك الدولي، في أول زيارة لرئيس للبنك الدولي إلى السودان منذ ما يقارب أربعين عاما، ولم تكن الزيارة بروتوكولية في معناها الاقتصادي؛ فقد جاء الرجل إلى بلد كان البنك نفسه قد أعاد فتح أبوابه أمامه، وأعلن أن مجموعة البنك الدولي تتوقع تقديم نحو ملياري دولار من المنح خلال العام التالي لدعم جهود خفض الفقر وتحقيق النمو، بعد وصول السودان إلى نقطة القرار في مبادرة HIPC.
والأهم أن مالباس لم يصف السودان باعتباره بلدا مزدهرا، وإنما باعتباره بلدا خرج من عزلة طويلة وبدأ يتحرك في اتجاه مختلف. تحدث عن الانتقال من الهشاشة إلى السلام، ومن العزلة الدولية إلى الدعم العالمي، وأشار إلى الإصلاحات التي شملت استقرار الاقتصاد الكلي، وتسوية المتأخرات، وتوحيد سعر الصرف، وتباطؤ التضخم، وانخفاض النقص في السلع، وإزالة دعم الوقود، ثم شدد على إصلاح بيئة الأعمال والقضاء والقطاع المالي حتى يتمكن السودان من استعادة علاقاته المصرفية وجذب الاستثمار.
وإذا أردنا أن نقرأ تلك الزيارة بلغة أبعد من البيانات الرسمية، فإن رجلا في موقع مالباس لم يكن يأتي إلى الخرطوم لأن السودان صار دولة مزدهرة، وإنما لأنه رأى بلدا بدأ يخرج من العزلة وأصبح من الممكن أن يفتح له المجتمع الدولي طريقا مختلفا، ولذلك فإن وجود رئيس البنك الدولي في الخرطوم بعد ما يقارب أربعين عاما لم يكن تفصيلا عابرا، بل كان علامة على أن الباب الذي ظل مغلقا طويلا قد بدأ يتحرك.
وكان لا بد، في المقابل، أن تظهر كلفة التحول على حياة المواطن.
الإصلاح الاقتصادي الذي يعيد ترتيب دولة منهكة لا يأتي عادة في صورة موسيقى هادئة؛ فهو يضغط على أسعار السلع، ويهز عادات اقتصادية ترسخت، ويكشف اختلالات ظل الناس يعيشون فوقها سنوات طويلة، ولذلك جاءت «ثمرات» بوصفها محاولة لبناء جسر اجتماعي فوق الطريق القاسي للإصلاح، وقد ارتبط البرنامج بدعم قدره نحو 820 مليون دولار من البنك الدولي، مستهدفا ملايين الأسر السودانية، حتى لا يتحول الإصلاح الاقتصادي إلى عبء مفتوح على الفئات الأشد فقرا.
لكن الصورة لم تتوقف عند المؤسسات الدولية.
في مايو 2021 وصل السودان إلى باريس، وهناك بدا الأمر كأن البلاد تحاول أن تعيد تقديم نفسها للعالم بلغة مختلفة، ليس باعتبارها ملفا إنسانيا أو أزمة سياسية، وإنما باعتبارها مساحة اقتصادية يمكن أن تستقبل الشركات والاستثمارات والمشروعات.
في المنتدى الاقتصادي الذي نظمته MEDEF International في باريس، ظهرت أسماء مثل Siemens Energy وGeneral Electric وBaker Hughes وOrca Gold في قطاع الطاقة والتعدين، وظهرت Ericsson في قطاع الاتصالات، كما حضر ممثلون عن Bolloré في البنية التحتية، إلى جانب شركات سودانية ودولية أخرى، بينما كان الحديث يدور حول فرص في الطاقة والتعدين والاتصالات والبنية التحتية والزراعة والأعمال الزراعية. وتكشف وثائق المنتدى أن هذه الشركات لم تكن أسماء عابرة في قائمة حضور، بل شاركت في جلسات مخصصة لعرض فرص القطاعات المختلفة.
ولعل أسماء الشركات هنا أهم من الكلام نفسه.
فحين تجلس شركة مثل Siemens Energy أو General Electric أو Baker Hughes في جلسة مخصصة لقطاع الطاقة والتعدين في السودان، وحين تكون شركة مثل Ericsson موجودة في نقاش قطاع الاتصالات، وحين تدخل Orca Gold إلى المشهد بوصفها واحدة من الشركات الرئيسية في قطاع التعدين، فإننا لا نتحدث عن حلم نظري كتبه موظف في وزارة، وإنما عن سوق بدأ يلفت انتباه شركات لديها خبرة عالمية ورأس مال وتقنيات وشبكات أعمال، وعن بلد بدأ يستعيد القدرة على تقديم نفسه باعتباره مكانا يمكن أن يحدث فيه شيء.
وفي الولايات المتحدة انعقد، في مارس 2021، منتدى الأعمال والاستثمار الأمريكي ـ السوداني الذي نظمه Corporate Council on Africa، وركز على قطاعات المصارف، والأعمال الزراعية، والطاقة، وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، والبنية التحتية، والرعاية الصحية، وشارك في رعايته عدد من الشركات والمؤسسات الدولية، في مشهد آخر يؤكد أن السودان كان يحاول في تلك اللحظة الانتقال من خانة الدولة المعزولة إلى خانة الدولة التي تبحث عن شركاء اقتصاديين.
وليس من المبالغة أن نقول إن هذه الأسماء كانت، في حد ذاتها، جزءا من قصة المستقبل؛ فالمؤسسات التي كانت تتحرك في مجالات المدفوعات والطيران والري والزراعة والتمويل والتجارة لم تكن تأتي إلى السودان لتقديم خطاب سياسي، وإنما كانت تبحث عن أسواق وقطاعات وفرص، والقطاعات التي اجتمعت حولها تلك المؤسسات لم تكن هامشية في اقتصاد بلد مثل السودان، بل كانت هي البنية التي يمكن أن تنتقل بها الدولة من اقتصاد يستهلك موارده إلى اقتصاد يستطيع أن يربط الزراعة بالتصنيع، والطاقة بالإنتاج، والموانئ بالتجارة، والاتصالات بالخدمات.
وهنا كان حمدوك يتحدث عن السودان بطريقة تكاد تكون مختلفة عن اللغة السياسية التي اعتادها السودانيون؛ فقد كان يرى البلاد من خلال خمسة أحزمة تنموية، هي حزام التمازج، وحزام الصمغ العربي، وحزام الأنهار، وحزام المحاصيل النوعية، وحزام الشرق، وهي فكرة أرادت أن تجعل التنمية أداة لإعادة توزيع الفرص على الجغرافيا السودانية، وأن تتعامل مع التهميش بوصفه قضية إنتاج وتنمية واتصال بالأسواق، لا مجرد قضية تمثيل سياسي أو توزيع حصص.
حزام التمازج كان يذهب إلى المناطق التي تلتقي فيها الجماعات والموارد والحدود الاجتماعية والجغرافية، بحيث تصبح مناطق التماس نفسها جزءا من اقتصاد السلام بدلا من أن تبقى خرائط قابلة للاشتعال، وحزام الصمغ العربي كان يضع واحدا من أهم الموارد السودانية في قلب مشروع اقتصادي أوسع، لا باعتباره محصولا خاما يغادر البلاد، وإنما بوصفه فرصة لإعادة بناء سلسلة قيمة تمتد من المنتج المحلي إلى الأسواق العالمية، فيما كان حزام الأنهار يستعيد فكرة السودان الزراعي المرتبط بالنيل وروافده والمياه بوصفها بنية إنتاج، وكان حزام المحاصيل النوعية يتجه إلى تنويع الزراعة وإنتاج سلع ذات قيمة أعلى، بينما كان حزام الشرق يحمل في داخله الميناء والموارد والزراعة والثروة الحيوانية وموقع السودان على البحر الأحمر.
كانت الفكرة، في جوهرها، أن السودان لا ينبغي أن يظل بلدا فيه موارد كثيرة واقتصاد فقير، وإنما يمكن للجغرافيا نفسها أن تصبح خريطة اقتصادية جديدة إذا ارتبطت بالطرق والموانئ والطاقة والتمويل والتكنولوجيا والأسواق.
وكان حزام الصمغ العربي، على وجه الخصوص، يحمل إمكانات تتجاوز محصولا واحدا؛ فالمشروع التنموي المرتبط به كان ينظر إلى منطقة واسعة تمتد عبر ولايات عديدة ومجتمعات ريفية، بما يجعل الاستثمار فيها قضية تنمية ودخل للأسر وربطا بالأسواق، وليس مجرد زيادة في صادرات سلعة واحدة.
وهنا يمكن أن نفهم لماذا كانت خرائط التنمية الخمسة أكثر من رسوم على ورق؛ كانت محاولة لإعادة كتابة السودان من الأطراف إلى المركز، ومن الموارد إلى سلاسل القيمة، ومن مناطق الهامش إلى مناطق إنتاج، بحيث لا يصبح السلام مجرد توقف للبندقية، وإنما يصبح له اقتصاد يستطيع أن يحميه.
وفي الصباحات التي كان السودانيون يستيقظون فيها على أسعار الخبز والوقود والدولار، كان هذا الكلام يبدو أحيانا مثل عصافير تأتي من بعيد قبل أن يكتمل الضوء، لا تستطيع أن تغير برد الصباح وحدها، لكنها تحمل في صوتها خبرا صغيرا بأن النهار لم ينته بعد.
ربما لهذا تبدو تلك الفترة الآن غريبة كلما عدنا إليها.
فبينما كان المواطن يقف في صف الوقود، كانت الدولة تفاوض المؤسسات الدولية، وبينما كان الدولار يضغط على حياة الناس، كانت المصارف تحاول العودة إلى شبكة المراسلات الدولية، وبينما كانت البلاد تبحث عن الخبز، كانت شركات مثل Siemens Energy وGE وBaker Hughes وEricsson تجلس لمناقشة فرص الاستثمار فيها، وبينما كان كثيرون يرون الخراب اليومي، كانت خرائط أخرى للسودان ترسم أحزمة التنمية والطرق والأسواق والطاقة والموانئ.
لم يكن التناقض دليلا على أن المستقبل كان وهما، بل كان دليلا على أن السودان كان يعيش زمنين في اللحظة نفسها؛ زمن الأزمة التي ورثها الناس، وزمن الاحتمال الذي كانت الدولة تحاول بناءه.
لكن المستقبل لا يدخل من باب الاقتصاد وحده.
كان هناك باب آخر أكثر حساسية، وربما كان هو الباب الذي اصطدمت عنده محاولة الإصلاح بأعمق جذور النظام القديم: مسألة من يملك الاقتصاد السوداني فعلا.
لقد تحدث حمدوك في 2021 عن أن نحو 80 في المائة من الشركات التي كانت تحت سيطرة المؤسسة العسكرية تقع خارج ولاية وزارة المالية، وهي صيغة أدق من القول إن الجيش كان يملك 80 في المائة من اقتصاد السودان، لأن الرقم يتعلق بالشركات والموارد الواقعة خارج الولاية المالية بحسب ما نُسب إلى حمدوك، وليس بقياس شامل لكل الاقتصاد السوداني.
وهذه الدقة ليست تفصيلا لغويا، لأن القضية أكبر من رقم.
فخلال ثلاثين عاما من حكم الإنقاذ تشكلت شبكات واسعة من المصالح الاقتصادية والسياسية والأمنية، وتداخلت الدولة مع الشركات، والسلطة مع المال، والمؤسسات الرسمية مع مؤسسات تعمل خارج الولاية المعتادة للمالية العامة، وأصبح الاقتصاد في بعض جوانبه يشبه مدينة لها شوارع معلنة وشوارع أخرى لا تظهر في الخريطة الرسمية، لكنها أكثر ازدحاما بالحركة والمال.
وحين جاءت الحكومة الانتقالية وهي تتحدث عن إعادة بناء الدولة، لم يكن أمامها فقط أن تصلح الموازنة أو تعيد ترتيب سعر الصرف، وإنما أن تقترب من مسألة أكثر حساسية: قدرة الدولة المدنية على معرفة مواردها، وإدخالها في الموازنة، وإخضاع الشركات التي تعمل باسم مؤسسات الدولة لقواعد الشفافية والمراجعة نفسها.
لقد كان الصراع حول الشركات العسكرية جزءا من هذا النزاع الأوسع، وظهرت الخلافات بصورة واضحة بين حمدوك والمؤسسة العسكرية حول الاقتصاد وملكية الشركات وإخضاعها للسلطة المدنية، فيما دافع الجانب العسكري عن وجوده الاقتصادي ومصالحه.
وهنا يصبح فهم السنوات الانتقالية أكثر تعقيدا من الرواية التي تختصرها في «حكومة فاشلة» أو «عسكريين يريدون السلطة».
كانت هناك معركة على شكل الدولة نفسها.
الدولة التي تحاول أن تجمع مواردها في موازنة واحدة وتفتح اقتصادها للعالم، في مواجهة بنية مصالح نشأت في ظل اقتصاد مغلق ومتشابك مع السلطة، ليست في خلاف إداري بسيط؛ إنها تحاول تغيير قواعد اللعبة التي حكمت البلاد لثلاثة عقود.
ولهذا فإن القواعد القديمة، حين تكون قد خدمت أصحابها ثلاثين عاما، لا تستسلم بسهولة.
ثم جاء الخامس والعشرون من أكتوبر.
لم يكن الانقلاب مجرد إيقاف لمسار سياسي كان متعثرا أصلا، بل كان قطع الطريق أمام مشروع كان لا يزال في طور التشكل. علقت مؤسسات دولية عمليات جديدة، وتراجعت الثقة، وتضررت العلاقة التي بدأت تتشكل مع المجتمع الدولي، وعادت البلاد إلى دائرة أضيق من العزلة والاضطراب.
لكن شيئا آخر بدأ يحدث في تلك اللحظة، وربما لم ننتبه إلى أهميته بما يكفي.
حين يتعذر إقناع الناس بأن الطريق الجديد خطر، يصبح من الضروري إقناعهم بأن الطريق القديم كان أفضل.
وهكذا بدأت معركة أخرى، أقل ظهورا من معركة الاقتصاد والسياسة، لكنها لا تقل أهمية عنها: معركة الذاكرة.
لم يعد المطلوب فقط إسقاط الحكومة الانتقالية، بل إسقاط صورتها في ذاكرة الناس. لم يعد كافيا أن يقال إن هناك خلافا سياسيا أو فشلا في إدارة بعض الملفات، بل بدأت تظهر رواية أكثر بساطة وأشد قدرة على الانتشار: حكومة فاشلة، وزراء لا يعرفون شيئا، حمدوك عاجز، الثورة خدعة، وكل ما جاء بعدها لم يكن سوى خراب.
النقد المشروع للحكومة الانتقالية شيء آخر تماما، وهو حق لا ينبغي مصادرته. فقد كانت هناك أخطاء حقيقية، وتقديرات خاطئة، وصراعات داخل قوى الثورة، وعجز إداري، وتباطؤ في ملفات كثيرة، كما كانت هناك أزمة اقتصادية قاسية لم تستطع الحكومة أن تمنع آثارها عن الناس. لكن شيئا آخر كان يجري في الفضاء العام، وهو محاولات منظمة لتقديم صورة مشوهة عن المرحلة كلها، ومحو ما كان يجري خلف الكواليس من إعادة بناء للعلاقة مع العالم.
وقد كشفت منصات التواصل في 2021 عن شبكات من الحسابات والصفحات التي مارست سلوكا منسقا وغير أصيل في السودان، وكانت من بين أهدافها مهاجمة حمدوك والحكومة الانتقالية، والترويج لروايات تصفه بأنه أداة للخارج، فيما حاولت شبكات أخرى صناعة صورة عن تأييد شعبي للحكم العسكري أو الحنين إلى عهد البشير.
وهكذا لم تعد المعركة فقط على ما حدث، وإنما على كيف سيتذكر السودانيون ما حدث.
وهنا تبدو مقولة أنطونيو غرامشي عن أن «العالم القديم يموت، والعالم الجديد يكافح لكي يولد» شديدة الصلة بتلك اللحظة، مع ضرورة الانتباه إلى أن الصيغة الشائعة للمقولة ليست نصا حرفيا واحدا مستقرا في دفاتر غرامشي، وإنما هي ترجمة وتلخيص لفكرة وردت في «دفاتر السجن» عن موت القديم وعجز الجديد عن الولادة في فترة الأزمة.
كان السودان، بطريقة ما، يعيش ذلك «الفاصل»؛ القديم لم يكن قد مات تماما، والجديد لم يكن قد ولد بعد، وفي المسافة بينهما ظهرت كل أشكال الاضطراب، من صراع السلطة إلى صراع الاقتصاد، ومن مقاومة الإصلاح إلى إعادة كتابة الذاكرة.
ثم جاءت الحرب في أبريل 2023، فلم تعد القضية إيقاف مسار انتقال سياسي أو إعادة تشكيل حكومة، وإنما دخل السودان كله في نار مفتوحة.
وهنا تكمن المأساة التي أظن أننا لم نمنحها حقها من التفكير.
فالحرب لم تدمر ما كان قائما فقط، وإنما دمرت أشياء كانت في طور التكوين.
لم تحرق مصانع مكتملة وحدها، وإنما أحرقت فرصا كانت تبحث عن التمويل والموقع والسوق، ولم تقطع طرقا قائمة فقط، وإنما قطعت طرقا كان يمكن أن تربط مناطق الإنتاج بالموانئ والأسواق، ولم تضرب مؤسسات قائمة فحسب، وإنما أوقفت عملية إعادة بناء مؤسسات كانت تستعيد اتصالها بالعالم، ولم تمح مشروعات من الخرائط فقط، وإنما قطعت خيطا كان يمكن أن يصل تلك الخرائط بالواقع.
وهنا يعود غيبسون مرة أخرى إلى المشهد، ولكن بصورة أكثر مرارة: المستقبل الذي كان موجودا بالفعل لم يكن موزعا بالتساوي، ثم جاء من قطع الطريق على توزيعه.
كان يمكن للسودان أن يفشل حتى لو استمرت المرحلة الانتقالية، وكان يمكن للإصلاحات أن تتعثر، وكان يمكن للاستثمارات التي جرى الحديث عنها ألا تتحول كلها إلى مشروعات، وكان يمكن للأحزمة الخمسة أن تبقى جزءا من رؤية تحتاج إلى سنوات طويلة حتى ترى النور، ولم يكن هناك أي ضمان بأن الطريق الذي بدأ سيكون طريقا إلى النجاح.
لكن الفرق بين بلد يملك احتمالا وبلد فقد الاحتمال هو أن الأول ما يزال يملك المستقبل، أما الثاني فقد يصبح أسيرا لماضيه.
وهذا، في ظني، هو الشيء الذي ينبغي ألا نسمح للضجيج السياسي أن يمحوه من الذاكرة السودانية.
فقد كانت هناك لحظة، قصيرة نعم، لكنها حقيقية، بدأ فيها السودان يستعيد مكانه في العالم؛ عادت المؤسسات المالية الدولية، بدأت معالجة الديون، فتحت المصارف باب الإصلاح، ظهرت الشركات العالمية، انعقدت منتديات الاستثمار في باريس والولايات المتحدة، جاءت شركة وراء أخرى لترى فرص الطاقة والتعدين والزراعة والاتصالات والبنية التحتية، وصل رئيس البنك الدولي إلى الخرطوم بعد غياب يقارب أربعين عاما، وبدأت الدولة تتحدث عن الاقتصاد لا باعتباره وسيلة للبقاء فقط، وإنما باعتباره وسيلة لبناء المستقبل.
وكانت هناك في الطرف الآخر من الصورة قوى ومصالح تشكلت عبر ثلاثين عاما، وكانت تعرف أن السودان المفتوح على العالم، وموازنته أكثر شفافية، واقتصاده أكثر خضوعا للدولة المدنية، ليس هو السودان الذي اعتادت أن تعمل فيه.
ولذلك فإن ما ضاع لم يكن حكومة حمدوك وحدها، ولا فترة انتقالية وحدها، ولا تحالفا سياسيا بعينه.
الذي ضاع كان احتمالا سودانيا.
احتمال أن تصبح الزراعة صناعة، وأن تصبح الأنهار طرقا للإنتاج، وأن يصبح الشرق بوابة لا هامشا، وأن يتحول الصمغ العربي من مورد خام إلى قيمة مضافة، وأن يصبح الميناء جزءا من شبكة تجارة إقليمية، وأن تتحول الاتصالات إلى اقتصاد جديد، وأن يصبح الاستثمار الأجنبي شريكا في بناء الاقتصاد لا مجرد خبر في صحيفة، وأن تتوقف الدولة عن النظر إلى العالم باعتباره جهة تمنحها المساعدات، وتبدأ في مخاطبته باعتبارها دولة لديها ما تقدمه.
ولذلك ربما لا تكون القضية الأهم اليوم في فشل الحكومة الانتقالية وحده، وإنما في فهم كيف ضاع ذلك الطريق كله، وكيف استطاعت شبكات المصالح القديمة، والصراعات السياسية، وضعف المؤسسات، والانقلاب، ثم الحرب، أن تتضافر بحيث لا نخسر تجربة سياسية فحسب، وإنما نخسر زمنا كان يمكن أن يكون زمنا للتأسيس.
في صباحات السودان القديمة كان المطر حين يأتي لا يسأل الأرض إن كانت مستعدة له؛ ينزل عليها أولا، ثم تبدأ الأرض في اكتشاف ما يمكن أن تفعله بالماء.
وكان المستقبل، في تلك السنوات، قد بدأ يهطل بالفعل.
جاء في صورة مالباس وهو يعبر إلى الخرطوم بعد ما يقارب أربعين عاما من الغياب، وفي صورة الشركات التي جلست في باريس وواشنطن لتبحث عن السودان، وفي صورة الخرائط التي مدت خمسة أحزمة على جسد البلاد، وفي صورة المصارف التي بدأت تبحث عن طريق العودة، وفي صورة مشروع اقتصادي كان يحاول أن يجعل الدولة تعرف مواردها قبل أن تطلب من العالم أن يمولها.
لكن المطر وحده لا يكفي إذا كان السقف مثقوبا، وإذا كانت الأيدي التي يفترض أن تزرع الأرض مشغولة بالصراع، وإذا كان بعض الذين اعتادوا امتلاك الماء لا يريدون أن يصل إلى الحقول.
لهذا فإن أكثر ما يؤلمني في قصة تلك المرحلة ليس أنها فشلت في الوصول إلى المستقبل، وإنما أنها كانت قد بدأت تراه.
كان المستقبل هناك، قريبا بما يكفي لأن نلمحه، وبعيدا بما يكفي لأن نحتاج إلى الصبر كي نبلغه.
ثم انقطع الطريق.
وبقيت الخرائط.
وبقيت أسماء الشركات.
وبقيت صورة رئيس البنك الدولي في الخرطوم.
وبقيت تلك الأحزمة الخمسة، كأنها خطوط باهتة على جسد بلد كان يريد أن يوزع المطر بعدالة.
وبقيت المرارة الأشد في أن بلدا استطاع أن يرى مستقبله، ولو للحظة، ثم سمح لمن يخافون من ذلك المستقبل أن يعيدوه إلى الماضي.
وربما تكون الحقيقة التي لا نحب سماعها أن السودان لم يكن فقيرا في الموارد، ولا في العقول، ولا في الفرص، وإنما كان كثيرا ما يخسر اللحظة التي تتقاطع فيها الموارد والعقول والفرص، لأن شبكات المصالح تكون قد سبقت الدولة إلى المكان، ولأن الصراع على السلطة يكون قد سبق الصراع على بناء الاقتصاد، ولأن المستقبل حين يقترب يحتاج إلى مؤسسات تحميه، لا إلى أمنيات فقط.
لهذا أكتب عن تلك اللحظة الآن، لا لأعيد حكومة إلى السلطة في الذاكرة، ولا لأمنح شهادة براءة لأحد، ولا لأنضم إلى رواية سياسية جاهزة، وإنما لأن المواطن السوداني الذي ينظر إلى بلده بعد كل ما حدث يستحق أن يعرف شيئا واحدا على الأقل: أن السودان كان، في لحظة ما، قد بدأ بالفعل في فتح الباب نحو العالم، وأن الباب لم يكن وهما، وأن وراءه كانت تقف مؤسسات وشركات وخرائط ومشروعات وأموال وفرص حقيقية، وأن الذين أغلقوه لم يغلقوا باب حكومة فقط، بل أغلقوا بابا كان يمكن أن يدخل منه السودان كله.
وربما لهذا، حين يأتي الصباح بعد كل هذا الليل، لن يكون علينا أن نبحث عن المستقبل في مكان بعيد.
سيكون علينا فقط أن نتذكر أين كان الباب.
م. معاوية ماجد
