حين يتحرك الجبل ولا نراه
السودان أمام التحول الخفي للرأسمالية واقتصاد الوعي
د. صلاح أحمد الحبو
يقول تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ ۚ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ۚ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ [النمل: 88]. والآية، في سياقها القرآني، تتصل بمشهد الآخرة، فلا يصح تحويلها إلى تفسير اقتصادي. لكن صورتها البلاغية تفتح نافذة لقراءة عالم يبدو ثابتًا بينما تتحرك بنيته العميقة: ما نحسبه ساكنًا قد يكون في قلب حركة هائلة.
وهذه هي الرأسمالية في القرن الحادي والعشرين. ما زالت السوق والشركة والبنك والسلعة والعمل والربح قائمة، لكن مركز إنتاج القيمة يتحرك. لم يعد رأس المال يعتمد فقط على الأرض والمصنع والآلة، بل على البيانات والمنصات والخوارزميات والقدرة على تنظيم الانتباه والسلوك. لم تختفِ الرأسمالية الصناعية؛ بل أعادت تركيب أدواتها.
في الاقتصاد القديم كانت السلعة مركز العملية. أما اليوم فقد أصبح الإنسان نفسه مصدرًا مستمرًا للبيانات: ما يبحث عنه، وما يشاهده، وما يشتريه، وكم من الوقت يبقى أمام الشاشة. وهكذا يتحول الانتباه إلى مورد اقتصادي، وتتحول البيانات إلى مادة خام لرأس مال جديد يمكن تسميته رأس المال الخوارزمي؛ أي القدرة على تحويل السلوك الإنساني إلى بيانات قابلة للتحليل والتنبؤ والتوظيف الاقتصادي.
من هنا لا تعود المسألة تكنولوجية فقط، بل تصبح سؤالًا عن الملكية والقوة. فإذا كان سؤال الرأسمالية الصناعية هو: من يملك وسائل الإنتاج؟ فإن السؤال الجديد هو: من يملك البنية التي تنظم تدفق المعلومات والانتباه وتحول السلوك إلى قيمة؟
هنا يظهر «المنبر بلا جدار». فقد أزالت المنصات الرقمية الحواجز التقليدية أمام النشر؛ صار الفرد قادرًا على مخاطبة جمهور واسع دون صحيفة أو إذاعة أو مؤسسة. لكن اختفاء الجدار لم يعنِ اختفاء السلطة. لقد انتقلت السلطة إلى الخوارزمية.
لم يعد السؤال: من يسمح لك بالكلام؟ بل: من يقرر من سيسمعك؟
وهذا هو التناقض المركزي في اقتصاد الوعي: اتساع القدرة على إنتاج المحتوى يقابله تركّز القدرة على تنظيم الوصول إليه واستخراج قيمته.
يدخل السودان هذه البنية الجديدة من موقع بالغ الهشاشة. فالحرب لم تدمر البنية المادية والمؤسساتية فحسب، بل دفعت جزءًا واسعًا من المجال العام إلى الفضاء الرقمي. أصبح الهاتف وسيلة للأخبار والتوثيق والتعبئة والتجارة والإغاثة، وتحول المواطن إلى منتج دائم للصور والمعلومات والسرديات.
لكن إنتاج المحتوى لا يعني امتلاك قيمته.
السودانيون ينتجون المحتوى والبيانات والانتباه، بينما تظل المنصات والبنية الخوارزمية وآليات تحويل هذا النشاط إلى عائد اقتصادي خارج ملكيتهم في الغالب. وهنا يظهر شكل جديد من التبعية: أن ننتج المادة الخام الرقمية، بينما يملك آخرون البنية التي تحولها إلى قيمة.
إنها التبعية التي انتقلت من المنجم إلى المنصة.
كان السودان يصدّر الذهب والقطن والموارد الخام، ثم يستورد السلع والقيمة المضافة. وفي الاقتصاد الرقمي يمكن أن تتكرر العلاقة نفسها في صورة أكثر خفاءً: نصنع المحتوى، وننتج البيانات، ونمنح الانتباه، بينما تتراكم القيمة في مكان آخر.
والفرق أن الذهب يمكن وزنه، أما البيانات فلا نراها وهي تغادر.
لهذا فإن السؤال السوداني لم يعد: هل سندخل الاقتصاد الرقمي؟ لقد دخلناه بالفعل. السؤال هو: في أي موقع ندخله داخل سلسلة القيمة؟
هل ندخله كمستهلكين للمنصات؟ أم كموردين للبيانات؟ أم كمنتجين للمعرفة والملكية الفكرية والمنصات التي تصنع القيمة؟
هذا السؤال يجب أن يدخل في صميم التفكير في سودان ما بعد الحرب. فإعادة الإعمار لا ينبغي أن تكون مجرد إعادة بناء لما تهدم، ولا إعادة إنتاج للاقتصاد الذي سبق الحرب. ذلك الاقتصاد نفسه كان يعاني اختلالًا بنيويًا: اعتمادًا كبيرًا على الموارد الأولية، وضعفًا في التصنيع، وهشاشة في المؤسسات، وعجزًا عن تحويل المعرفة والموارد البشرية إلى قيمة إنتاجية مستدامة.
لذلك فإن إعادة البناء الحقيقية تبدأ من إعادة تحديد موقع السودان في إنتاج القيمة.
المطلوب الانتقال من استخراج الموارد إلى إضافة المعرفة إليها، ومن استهلاك التكنولوجيا إلى إنتاجها، ومن صناعة المحتوى إلى امتلاك حقوقه وقيمته، ومن استخدام المنصات إلى بناء القدرة المؤسسية التي تجعل المعرفة والبيانات والملكية الفكرية جزءًا من الاقتصاد الوطني.
فالمعركة الجديدة ليست على التكنولوجيا وحدها؛ إنها على الملكية.
من يملك البيانات يملك موردًا. ومن يملك الخوارزمية يملك قدرة على التنبؤ. ومن يملك المنصة يملك بوابة السوق. ومن يحول المعرفة إلى ملكية فكرية يملك جزءًا من القيمة المستقبلية.
لهذا يصبح الوعي موردًا اقتصاديًا واستراتيجيًا. ولا يعود «المنبر بلا جدار» مجرد مساحة للتحرر من حارس البوابة القديم، بل يصبح اختبارًا لقدرة المجتمع على امتلاك أدوات المعرفة والقيمة التي ينتجها.
إن أخطر ما يمكن أن يفعله السودان بعد الحرب هو أن يعيد بناء اقتصاد الأمس في عالم تغيرت قواعده. فالرأسمالية تبدو ثابتة، لكنها تتحرك؛ والقيمة تتحرك معها: من الأشياء إلى البيانات، ومن السلعة إلى الانتباه، ومن امتلاك المصنع وحده إلى امتلاك البنية التي تنظم السوق والسلوك.
وهنا تعود الآية إلى قلب المسألة:
﴿تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾.
ليست المشكلة أن الجبل يتحرك؛ المشكلة أن وعينا قد يبقى ساكنًا أمام حركته.
والسودان الذي يريد أن يعيد بناء دولته واقتصاده لا يستطيع أن يكتفي بإعادة ما تهدم. عليه أن يرى الحركة التي تجري تحت السطح: تحول الرأسمالية، انتقال مركز القيمة، صعود اقتصاد الوعي، وتغير أشكال التبعية.
فالمستقبل لن يكون لمن يملك الموارد وحدها، بل لمن يملك القدرة على تحويل المعرفة إلى قيمة، والوعي إلى قوة إنتاجية، والبيانات إلى قدرة اقتصادية مستقلة.
الجبل يتحرك.
والسؤال: هل نبني السودان على ما كان ثابتًا، أم على ما أصبح يتحرك
habobsalah@gmail.com
