خالد عمر والقول بنصف الحقيقة .. بقلم: زين العابدين صالح عبد الرحمن


استمعت للندوة التي أقامها حزب المؤتمر السوداني بعنوان ” قضايا الثورة و الانتقال الديمقراطي” و تحدث فيها خالد عمر القيادي بالمكتب السياسي بالمؤتمر السوداني. ركز خالد في حديثه على قضيتين أساسيتين. الأولي كيفية إعادة الحكم المدني من خلال وحدة قوى الثورة، أن إعادة الحكم المدني مرتبط بالصراع على السلطة، و يحكمها قانون المصلحة، و هي القضية محور الأزمة السياسية في البلاد. و الثاني كيف يتم الانتقال الديمقراطي. و هي القضية المرتبطة بالمناورة و التكتيك أكثر من إرتباطها بالمباديء، و تدل على ذلك الفترة الانتقالية منذ سقوط النظام في 11 إبريل 2019م ، لآن الغائب فيها هو مشروع الانتقال عند كل القوى السياسية، إذا كان ذلك في قوى الحرية و التغيير الذي حكم، أو الذين نسحبوا في مراحل مختلفة. لذلك نجد أن خالد عمر قد ركز حديثه فيها بنسبة 75% ، الأمر الذي يؤكد أن قضية الانتقال الديمقراطية ماتزال في دائرة المناورة لأنه لم يقدم عنها رؤية تتجاوز الفترة السابقة المتعلقة بأذهان الناس من أخطاء، و فشلت القوى السياسية في تلك الفترة الشروع في تأسيس و تشكيل المفوضيات و المؤسسات التي تدعم عملية التحول الديمقراطي. فكانت مهمومة بتوزيع الحقائب الدستورية في المركز و الولايات.
دافع خالد عمر في حديثه عن الوثيقة الدستورية، و قال أن العسكر انقلبوا على الوثيقة لأنهم يريدون أن يحكموا، هذا صحيح لا يجادل اثنان؛ أن للعسكر رغبة في الاستمرار في الحكم، و أيضا القوى السياسية التي انقلبوا عليها كانت راغبة في الاستمرار في الحكم، و دون تحديد زمني للفترة الانتقالية، بل وافقت على الاستمرار في السلطة دون أن تكون مهمومة بتشكيل المجلس التشريعي، و الذي يقع عليه رقابة السلطة التنفيذية في المجلسين، و قبلت بتكوين مجلس الشركاء بمثابة ” مجلس جودية لحل المشاكل في المجلسين” و هي تعلم تماما أن تشكيل المجلس التشريعي سوف ينهي مسألة ” الحاضنة السياسية” باعتبار أن الصراع السياسي جله سوف يتحول إلي ساحة المجلس التشريعي. و نسيت الأحزاب و نسي خالد عمر أن السلطة صراع مستمر لأنه مرتبط مباشرة بالمصالح ” الشخصية و الحزبية و العسكرية” و مادامت السلطة صراعا سوف تستخدم فيه كل الأدوات و حتى ” Dirty games ” و الصراع الذي يدخل فيه العسكر بالضرورة يقود إلي انقلاب. و كان الخطأ القاتل ” ق ح ت المركزي” أنها رمت قضية التحول الديمقراطي وراء ظهرها و تفرغت للصراع على السلطة، إذا كان في الساحة بين المدنيين أنفسهم أو المدنيين و العسكرييين، و هذا الذي أشار إليه رئيس الوزراء حمدوك في تشخيصه للأزمة السياسية.
أن عملية الانتقال الديمقراطي في أي دولة خرجت من حكم شمولي استمر طويلا، لابد أن تفكر بعقلانية خارج الحسابات العاطفية، و من أًصعب مرحل الحكم هي عملية الانتقال الديمقراطية، لأنها تسير عكس تيار الثقافة السياسية الشمولي الذي خلفته النظم غير الديمقراطية، و مخلفات الثقافة الشمولية تلعب دورا كبيرا في إعاقة عملية الانتقال، لذلك تتجه القوى السياسية الداعمة للانتقال الديمقراطي إلي إنتاج ثقافة ديمقراطية بديلة للثقافية السائدة، و هذه لا تتأتى إلا من خلال الممارسة التي كان يجب استيعاب قطاع واسع في المشاركة السياسية، كما أن الانتقال الديمقراطي يؤسس على الجراح و المظالم التي خلفت من جراء ممارسات انتهاكات حقوق الإنسان. فإذا كانت القوى السياسية ركزت بالفعل على عملية الانتقال الديمقراطي كانت سوف تواجه تحديات كثيرة جدا، و أسئلة يجب أن تجاوب عليها بشفافية. فالذي يريد الانتقال الديمقراطي لابد أن ينطلق من قاعدة فكرية تساعده على الانتقال، و من شعارات تعبر عن ذلك بوضوح، فالقوى السياسية كان تركيزها على السلطة و تريد أن تحافظ عليها أطول فترة ممكنة، لذلك كانت تضجر حتى من النقد، و كانت قيادات من الأحزاب الحاكمة تقول ذلك في المنابر و اللقاءات التلفزيونية و الصحفية، أن الذين ينتقدون السلطة هؤلاء يدعمون القوى المضادة.
أن خالد عمر لم يركز على عملية الانتقال الديمقراطي في حديثه بالقدر المطلوب، و لم يقدم تصورا للعملية، و هو يعلم إنها ليست بالعملية السهلة، الأمر الذي يؤكد أن العقل السياسي مايزال محصوا على قضية السلطة، و كيف الرجوع لها من خلال مساومة جديدة. أن لجان مقاومة الخرطوم قدموا تصورا لحكم الفترة الانتقالية ” وثيقة سلطة الشعب” و عملية الانتقال الديمقراطي، قد سبقوا بها الأحزاب في ذلك. رغم الخلاف مع العديد من بنودها التي تتعارض مع عملية التحول الديمقراطي،، و لكن يظل جهد مقدر و يحترم، و نذكرهم أن الديمقراطية لا تؤسس إلا عبر الحوار و التفاوض، أي وسيلة غير ذلك تصب في مجرى معاكس للديمقراطية.
أن أغلبية القوى السياسية في ظل الصراع الأيديولوجي الذي يطغى علي العملية السياسية، يجعلها تتخوف من الإجابة على الأسئلة المهمة. و العقل السياسي الذي يسعى للتغيير مطالب أن يفتح كل الجراحات لكي يطهرها، و يجاوب على الأسئلة بشكل واضح دون أي مواربة. و استيقاظ العقل الفكري ممكن، و الدلالة الوثائق المتعددة التي قدمها شباب الثورة، فهي تعد نقلة كبيرة في الساحة السياسية، هؤلاء الشباب استطاعوا أن ينتقلوا من رفع الشعارات في المسيرات إلي تقديم برامج سياسية ممثلة ” الوثائق” و أكدوا من خلالها أنهم قادرين على تحريك الساكن في الفكر.
هل تعتقد القوى السياسية أن الانقلابيين سوف يسلموا السلطة دون الدخول في تفاوض يجيب على أسئلتهم؟ ما هي الخيارات المطروح إذا رفضوا أن يسلموا السلطة إلا عبر مساومة سياسية جديدة؟ ما هو الموقف من القوى السياسية الأخرى غير المؤتمر الوطني؟ هل يتم إقصائها و عدم مشاركتها في كل المراحل؟ و هل تضمن القوى السياسية أن لا تشكل لها تلك القوى كوابح لعملية الانتقال إذا تم إقصائها؟ ما هي المعايير التي سوف يتم تطبيقها في المشاركة؟ هل ” ق ح ت المركزي” تريد أن تكون هناك حاضنة سياسية مرة أخرى، و هي التي يقع عيها عبء ختار رئيس الوزراء و الوزراء و هي التي تحدد مسار الفترة الانتقالية؟ أم المجلس التشريعي هو الذي يجب أن يقود العملية السياسية؟ و من هي الجهة التي تختار ممثلي المفوضيات و المؤسسات الأخرى الداعمة لعملية التحول الديمقراطي؟
هذه الأسئلة التي يجب أن تجيب عليها القوى السياسية مجتمعة، لآن تقديم المشاريع مكتوبة و الإجابة على الأسئلة الحرجة، هو الذي يفتح منافذ الحوار بين القوى السياسية و يقرب بين المسافات، فالعقل السياسي يحتاج لعصف ذهني يتجاوز به ما هو مطروح في الصندوق حتى يدخل في القضايا الحيوية و تقديم حلول. لكن الوقوف عند الشعارات تعني ” الكسل السياسي” الذي لا يريد الشغل الفكري الذي يقدم حلولا. أن حديث القيادي السياسي خالد عمر مع كل الاحترام يقدم وصفا للذي حصل و مايزال في عتبة المنادة لوحدة القوى الثورية دون أن يقدم مشروعا سياسيا للوحدة و الفترة الانتقالية، و الانتقال الديمقراطية. لكن خالد عمر يعتبر واحد من القيادات الجريئة التي يقدم قناعته بوضوح، الأمر الذي يجعل الشخص يتحاور مع ما يقدمه. نسأل الله حسن البصيرة.

zainsalih@hotmail.com
/////////////////////////////


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

1 شارك

0 تعليقات