خريف الوفاء… وتنكّر القلوب

محمد صالح محمد
يقولون إنّ الموت ليس أصعب ما يواجهنا بل الفقد وأنت على قيد الحياة هو الوجع الذي لا يهدأ فما أصعب أن تستيقظ يوماً لتجد الوجه الذي كان مأواك قد استحال غابةً من الجفاء والقلب الذي كان يسعك وحده ضاق بك حتى لم يعد يراك.

تحولٌ لم يكن في الحسبان …
في البدء كانت “ريدتنا” (محبتنا) هي الملاذ كانت السؤال الذي يسبق الإجابة والاهتمام الذي يغني عن العالم وفجأة ودون سابق إنذار سكتت أصوات السؤال صار المرء يتساءل بمرارة “في ريدتنا بقيت ما تسال؟” هل جفّ منبع الشوق؟ أم أن الطرقات التي كانت تقودك إليّ قد طُمست معالمها برمال النسيان؟
إنّ أشدّ أنواع الألم هو ذلك الذي يأتي من شخصٍ كنت تظن أنك تحفظ تضاريس روحه فإذا به يتنكّر لك ويصبح غريباً يرتدي ملامح من كنت تحب.

لغز القلب الطيب …
الحيرة تقتلني أكثر من الهجر فلطالما عرفتُ فيك نبعاً من الطيبة وقلباً لا يعرف القسوة “قلبك رغم الطيبة الفيهو. أنا بستغرب كيف اتبدل” كيف يمكن للرقة أن تتحول إلى حديد؟ وكيف لليد التي كانت تمسح الدمع أن تصبح هي السبب في هطوله؟
إنه الاستغراب الذي يورث العجز؛ حين تعجز الكلمات عن تفسير الانقلاب المفاجئ وحين يسكن الجمود في زوايا النفس التي كانت تضجّ بالحياة لقد تبدّلت الفصول في قلبك سريعاً ورحل الصيف الدافئ ليحلّ محله شتاءٌ قارص لا يرحم حنيني.

التنكر ليس مجرد غياب بل هو حضورٌ بارد يطعن الذاكرة كل حين هو أن أراك ولا أجدك وأن أحادثك فلا أسمعك لقد أتقنت دور الغريب ببراعة أوجعت قلبي وتركتني في ذهولٍ لا ينتهي ألملم شتات نفسي وأسأل بصوتٍ مبحوح أين ذهب ذاك الذي كان لي وطناً؟

الرحيل الصامت… وحطام الروح
وفي ختام هذا الوجع يبقى السؤال معلقاً في حنجرة الأيام كيف هان عليك كل هذا الحنين؟ إنّ أصعب الرحيل ليس ذاك الذي نلوّح فيه بالأيدي بل هو “التنكّر” الذي يغتال ذكرياتنا بدمٍ بارد لقد كنتُ أرى في عينيك وطناً فإذا بي اليوم أقف على حدوده لاجئاً مطروداً لا أملك سوى حزنٍ عميق يكسو ملامحي وحبٍّ عظيمٍ لا يزال يرفض أن يصدق بأنّ “طيبتك” كانت مجرد سراب.

سأحمل قلبي المثقل بالاستغراب وأمضي في دروبٍ كنتَ أنت ضياءها مخلفاً وراءك روحاً انكسرت تحت وطأة جفاك سأظل أذكرك كأجمل حلمٍ استحال كابوساً وأبكي ذلك القلب الذي تبدّل ليس كُرهاً فيه بل حزناً على “ريدتنا” التي وأدتها بيدك وهي في عزّ توهجها عزائي الوحيد أنني أحببتك بصدق وعزاؤك أنك خسرت قلباً لم يكن يرى في الكون سواك.

binsalihandpartners@gmail.com

عن محمد صالح محمد

محمد صالح محمد

شاهد أيضاً

حين تسكنين في ممرات الذاكرة المهجورة

محمد صالح محمدبيني وبينها مسافة صرخة مكتومة وخيط رفيع من الدخان يتلاشى في سماء باردة …