بعد عامين من وفاة أبيه، تزوجت أمه من رجل آخر ورحلت معه إلى العاصمة، فعاش مستضافاً عند جده لأبيه، ولكن ما لبث الجد أن لحق بولده بعد ما يزيد قليلاً عن العام.. وذاق أنور طعم اليتم الحقيقي الذي إقترب كثيراً من حياة التشرد.
وهاجر إلى العاصمة، بلا مؤهلات تذكر، وبدون قدرات لا مالية ولا بدنية تعينه على عوادي الدهر وتصاريف الأيام…
في البداية، بحث عن ملاذ آمن وسط أهله وأبناء قريته، لكنه سرعان ما تمرد على تلك المجتمعات، خصوصاً وقد حظى بوظيفة عُماليَّة، سترت حاله وحققت له الإستقلال المالي، فما عاد بحاجة لأحد من أقربائه، وعطفهم، وإشفاقهم المذل.
وبطبيعة الحال فقد سكن مع بعض زملاء العمل وبعض أقاربهم في بيت عزابة، وفر له الراحة والإنعتاق، وفرص جديدة لإستكشاف الحياة… وأقبل أنور على الحياة بنهم حتى وفر لنفسه، في فترة وجيزة، فرصة للعمل الحر، تنوعت أصنافه وإن غلب عليها إدارته لمحال بيع الأطعمة….
وفي هذه الفترة بدأ أنور الشراب، وصار يعاقر الخمر شبه يوميا بالتقريب…
وفي نفس الفترة تعرف على ألف باء العمل العام، وتوسعت مداركه السياسية، بعد أن تبناه أحد المساكنين وتعهده بالرعاية، خصوصاً وأن أنوراً كان يحرص على القراءة وإن كانت في حدود الصحف والمجلات…
وانغمس في حياته الجديدة، ولم يشغل نفسه بالسؤال عن أمه وما صار إليه حالها، ولم يكن يعرف على وجه الدقة إين تسكن؟ وكيف تعيش؟
ومضت سنوات عديدة على هذا الحال، لا علاقة له مع الأهل، واتسعت تجارته، وأزدهت ثقافته، لكنه كان في كل يوم يمر يقترب من إدمان الكحول.
وفي يوم مشئوم، تم القبض عليه بتهمة سياسية، كانت عصية على الرد… ودخل أنور السجن لمدة ثلاثة سنوات…
في البداية، كان بعض الأصدقاء يقومون بزيارته، والعناية بحاله، والإيفاء بإحتياجاته، ولكن رويداً رويداً قلت الوتائر التي يُزار فيها… وقلت … وقلت… حتى توقفت تماماً…
في ذات يوم من أيام الجُمع، سمع أسمه في مايكرفون السجن، منبهاً له بوجود زوار يخصونه… وذهب إلى إستقبال السجن وهو لا يستطيع تخمين: من الزائر؟
في الإستقبال وجد شابة في انتظارهُ، ولكنه لم يستطع أن يعرف من تكون…
قالت وهي تمد إليه يدها:
– طبعاً ما حتعرفني… أنا أختك ميمونة عبد العال.
– أهلاً وسهلاً… تشرفي!
– أنا أختك بحق وحقيقة… أختك بت أُمَّك.
– يا سلااااام، أهلاً ميمونة، شرف كبير، ما أتوقعت يكون عندي أخت شابة وجميلة زييك كدة.
وتوالت، منذ تلك اللحظة، زيارات ميمونة لأنور… وكانت تحضر له الطعام الجيد، وتأخذ ملابسه المتسخة وتحضرها في الزيارة التالية نظيفة و مكوية… كما كانت تحضر له العطور والصابون وأمواس الحلاقة، ومن حينٍ لآخر بعض الجرائد والمجلات.
وقويت علاقتهما جداً، وعرف منها أنها مطلقة، وأنها تعيش بمفردها، وأنهما لم تنجب أطفالاً، فأنتوى بعد خروجه من السجن، أن يجمع شمل الأسرة، ويسكنا معاً، وأنتظر الأيام البطيئة لتمر، حتى يتحقق حلمه، أخيراً، بالعيش في وسط ودفء أسري.
ومرت الأيام، وجاء يوم الأفراج عن أنور، وكانت ميمونة بإنتظاره في إستقبال السجن، وبعد السلام الحار والتهنئة المغتبطة، ذهبا إلى حيثُ تقيم ميمونة…
كان منظر البيت من الخارج غير أنيق، ومن الداخل تفتحت ثلاثة غرف على حوش صغير… فاحت من كل غرفة رائحة البخور والعطور، وتدلت الملاءات الحمراء فوق أسرة قديمة أكل الدهر عليها وشرب. وكانت بالبيت فتيات أخريات، صمت أنور في البداية عن السؤال عن من هن؟ وما هي علاقتهن بالبيت؟…
ومن نهاية اليوم الأول، لم يكن عصيَّاً على أنور أن يدرك أنه في ماخور، خصوصاً وقد لاحظ حركة كثيفة، غير إعتياديَّة لرجال غرباء، وأيقن أن ميمونة تمتهن الدعارة، ممنياً نفسه بأن يكون على خطأ، وعلى هذا الأمل سألها، بصراحة وشجاعة عن هواجسه، فأكدتها له!
في تلك اللحظة، أنغرس سيف حاد النصل في قلب أنور، وتبخرت آماله عن لم الشمل، وأحس بطعم جديد، هو أمر من الهزيمة النكراء…
وخرج، دون أن يلم حاجياته، نصف غاضب، نصف مهزوم ومكسور الخاطر… لم يودع ميمونة، ولم يبادلها ولا نظرة أخيرة…
أما ميمونة فسألت عنه وسط كُل الذين حكى لها عنهم أيام ونسات السجن، ولكنها لم توفق في الوصول إليه، حتى الآنّ!
amsidahmed@outlook.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم