زهير عثمان
لا يمكن قراءة البيان الأخير الصادر عن «الآلية الخماسية» بمعزل عن التحولات العميقة في هندسة الصراع السوداني وإدارته الدولية والإقليمية. فعندما يعيد هيكل دبلوماسي متعثر قراءة إحداثياته الميدانية والسياسية، فإننا لسنا أمام مجرد بيان روتيني، بل أمام محطة “تصحيح مسار” تمليها ضغط الحقائق الميدانية وتقاطعات المصالح العظمى. فالاعتراف بالتناقض الداخلي حول جدوى زيارة الخرطوم، والتراجع التكتيكي لصالح التنسيق مع «الآلية الرباعية» (الولايات المتحدة، السعودية، مصر، والإمارات)، يعكسان فهماً جديداً لخطورة “تعدد المنابر” التي شكلت طيلة الفترة الماضية ثغرة استراتيجية استغلها أمراء الحرب والقوى المتكسبة لإطالة أمد الأزمة
تتجلى المعاصرة والتحليل العميق في هذا السياق عبر ثلاثة مسارات جوهرية أعادت رسم لوحة الصراع -إنهاء “سوق المنابر” وقطع طريق التكتيك التفاوضي: أدركت القوى – مدنية مبكراً أن تشتت المبادرات منح أطراف النزعت ما يُعرف دبلوماسياً بـ “التبضع في المنصات”، حيث يتم الانتقال من منبر لآخر لشراء الوقت وتفادي الالتزامات الإنسانية. التنسيق المعلن بين الخماسية والرباعية -مع تبني الأخيرة لخارطة طريق واضحة منذ خريف 2025 ترتكز على الوقف الفوري لإطلاق النار وحماية المدنيين- يغلق هذا الباب، ويوحد الضغط الدولي نحو مسار سياسي مدني واحد يعالج الجذور الهيكلية للحروب السودانية
الهروب من فخ الانخراط الميداني: إن قرار الصرف النهائي للنظر عن زيارة الخرطوم ومباركة مسار “الحوار السوداني السوداني” يعبر عن براغماتية سياسية جديدة؛ فالآلية أدركت أن أي زيارة غير مدروسة في هذا التوقيت ستُفسر باعتبارها انحيازاً سياسياً أو تورطاً إدارياً يفقدها صفة الوسيط النزيه. هذا النأي بالنفس يمنحها هامشاً للحياد الإيجابي والتكامل مع الجهود الاستراتيجية الأوسع.
ظلال الضغط العابر للحدود: لا يمكن قراءة هذا الانعطاف الدبلوماسي بعيداً عن حافة الهاوية الإعلامية والسياسية الدولية، لاسيما مع تصاعد الضغط عبر التقارير الاستقصائية والملفات المكشوفة في الدوائر الأمريكية الكبرى حول تعقيدات التسليح وسير المعارك. هذه التقاطعات الدولية الخشنة تعمل كمُحفز إجباري لدفع كافة الفاعلين نحو طاولة التسوية، مما يجعل اصطفاف الخماسية خلف الرباعية استجابة حتمية لحتمية تقليص جبهات التفاوض وتجفيف منابع المناورة السياسية
إن بيان الخماسية -بهذا المعنى- ليس تراجعاً، بل هو عودة صائبة إلى الإطار المؤسسي الموحد الذي يدرك أخيراً أن حل الأزمة السودانية لا يبدأ بالاستعراض الميداني للوسطاء، بل بفرض وحدة الإرادة الدولية والإقليمية الضاغطة نحو وقف الحرب وتفكيك بيئتها الحاضنة
