🖊بقلم/ محمد عبدالرحيم أبوه
ليست كل الحروب سواء، فثمة لحظة تنقلب فيها الحرب من صراع على السلطة أو الأرض إلى تمرين مفتوح على محو الإنسان عند تلك العتبة، تتراجع السياسة، ويتوارى القانون، وتصبح الحياة البشرية مجرد رقم عابر في دفاتر الموت. وهذا هو المشهد الذي يفرض نفسه اليوم في الوطن، حيث تجاوزت المأساة حدود النزاع المسلح لتلامس جوهر الأخلاقيات : ماذا يتبقى من الإنسانية حين تستباح الأجساد بأسلحة حرمها رب العباد ثم الضمير الأنساني قبل أن تحرمها الاتفاقيات.
حين تستخدم وسائل قتال ذات آثار عشوائية أو طويلة الأمد ضد المدن والقري، فإن الضحية ليست الفرد وحده، بل الفكرة التي قامت عليها الحضارة الإنسانية نفسها؛ فكرة أن الإنسان قيمة في ذاته، وأن للحياة حرمة لا يجوز تحويلها إلى وسيلة لتحقيق مكاسب عسكرية أو سياسية. وإن السلاح المحرم لا يقتل حاضر الضحية فحسب، بل يزرع مستقبلًا مثقلًا بالمرض والإعاقة والخراب، ويحوّل الأرض إلى ذاكرة ملغومة تستمر في افتراس الأبرياء حتى بعد أن تصمت أصوأت البنادق.
في بلادنا اليوم، لم تعد الحرب تقاس بعدد الجبهات، بل بعدد المساحات التي غادرتها الحياة. مدن فقدت إيقاعها، وقرى انطفأت فيها أصوات الأطفال، ومستشفيات تحولت من ملاذ للنجاة إلى مباني عاجزة عن حماية من احتمى بها. أما المدنيون، فقد وجدوا أنفسهم خارج أي معادلة، يدفعون ثمنًا لم يشاركوا في صناعته.
الأشد إيلامًا أن العالم اليوم اعتاد مشاهدة الكوارث من خلف الشاشات، حتى أصبح الألم مادة يومية تستهلكها نشرأت الأخبار. ومع كل يوم يتأخر فيه وقف الحرب، يتسع الفراغ الأخلاقي الذي يبتلع ما تبقى من الثقة في منظومة القانون الدولي. فالمواثيق التي وضعت لحماية الإنسان تفقد معناها عندما تعجزها الحسابات السياسية أو تقيدها المصالح المتبادلة.
إن إستخدام الأسلحة المحرمة في السودان ليس مجرد مخالفة قانونية، بل إعلان صريح بأن حياة المدنيين أصبحت قابلة للمساومة. وهذه هي أخطر مراحل الحروب؛ حين يفقد الإنسان صفته بوصفه إنسانًا، ويختزل إلى هدف محتمل أو خسارة جانبية أو رقمٍ في تقرير محلي ودولي.
وطننا اليوم لا يحتاج إلى بيانات التعاطف بقدر ما يحتاج إلى إرادة حقيقية تعيد الاعتبار لمبدأ المساءلة. فالإفلات من العقاب لا يطيل عمر الجريمة فحسب، بل يمنحها شرعية ضمنية، ويشجع على تكرارها في أماكن أخرى من العالم. لذلك، فإن الصمت ليس موقفًا محايدًا، بل مشاركة غير مباشرة في صناعة المأساة.
إن العدالة ليست ترفًا يؤجل إلى ما بعد انتهاء الحرب، بل هي أحد شروط انتهائها أصلًا. فكل جريمة تمر بلا مساءلة تترك في التاريخ رسالة مفادها أن القوة تستطيع أن تعلو على القانون، وأن الإنسان يمكن أن يفقد حقه في الحماية إذا غاب من حسابات سياسة معينة. وعندما تصبح هذه الرسالة مقبولة، لا يعود أي شعب في مأمن، لأن انهيار القانون في مكان واحد هو بداية اهتزازه في كل مكان.
التاريخ لا يحاكم الأمم بعدد الحروب التي خاضتها، وإنما بالطريقة التي تعاملت بها مع الإنسان في زمن الحرب. وسيبقى السؤال معلقًا أمام ضمير العالم : هل أصبحت الإنسانية قيمة انتقائية، تدافع عنها حيث تلتقي مع المصالح، وتهمل حيث لا تحقق مكسبًا سياسيًا ؟
إن السودان لا يختبر قدرة شعبه على الصمود فحسب، بل يختبر مصداقية الضمير الإنساني كله. فإذا عجز العالم عن حماية الإنسان من الأسلحة التي أجمع على تحريمها، فإن الخسارة لن تكون سودانية وحدها، بل ستكون هزيمة للفكرة التي جعلت من الإنسان أساس القانون، وغاية العدالة، وأعلى قيمة في الوجود.
قد تنتهي الحروب باتفاق أو بآخر ، وقد تطوى صفحاتها في سجلات التاريخ، لكن الجرائم التي ترتكب بحق الإنسان والإنسانية لا يطويها الزمن. فهي تظل شاهدة على العصر، وسؤال أخلاقي يلاحق الضمير الإنساني جيلاً بعد جيل. لذلك، فإن إنقاذ السودان من هذأ الوحل ليست مسؤولية السودانيين وحدهم، بل أصبح إمتحان حقيقي للضمير الإنساني العالمي، بأن الإنسان يظل إنسانًا، حتى في أكثر لحظات التاريخ ظلمة.
abohmohammed123@gmail.com
