دعه يعمل .. دعه يمر .. بقلم: ناجي شريف بابكر
25 أغسطس, 2017
المزيد من المقالات, منبر الرأي
44 زيارة
.
.
حادثتان جرتا في ضاحية سان أنطوان، فيما حكا شارلس ديكينز، كانتا كافيتين، إثر سلسلةٍ من المظالم المفرطة، في أن تغرقا باريس وضواحيها في بحار من النيران وتشعلان فيها أجيج الثورة المُتّقد.. أولاهما أن فلاحا بائسا كان قد حُكم عليه بالأعدام، فنُزعت أوصالُه ثم أُحرقت جثته الهزيلة بالنار، لأنه من بؤسه وهزاله لم ينتبه في يوم خريفي ماطر، لينحني تحية وإجلالا لموكب من الكهنة الملوثين بالأوحال، بينما كانوا يعبرون على بعد خمسين قدما من حيث كان يقف الفلاح القتيل.
الثانية أن الماركيز الذي كان متعجلا في طريقه إلي اللحاق بأمسية نهاية الإسبوع في باريس، لم يعبأ بالتوقف ولم يكثرث لتوسلات الوالد المكلوم، حينما دهست عجلته الفولاذية طفلا في الخامسة من العمر، كان يلهو علي نافورة مياه إلي جانب الطريق.. فأردته الخيل قتيلا.
.
دعه يعمل.. دعه يمر
.
هذه العبارة وتلك التعاسة الفائقة قامت عليهما شرارة الثورة الفرنسية وجذوتها، وبُذلت فيهما الدماء.. ومنهما تجسد شعار الثورة في “الحرية.. والأخوة.. والمساواة”.
إن صناعة السعادة وتسويقها كمنتج في مقابل البؤس والتعاسة، لمهمة ثقيلة وشاقة كغيرها من المنتجات التي تحتاج ان تحشدَ الشعوبُ لها مدخلات انتاجها ووسائلها، وتتيح لها من الزمن والجهد والموارد ما وسعها.
.
دعه يعمل.. دعه يمر..
إن إبتسامة صادقة تطرحها على شفتيك وانت تنتزع المسار أو حتى تمنحه للآخر شريك الجوار أو الطريق، راجلا كان أم كان راكبا.. تشعل في قلبه شلالات من السعادة وتزكي في دواخله الثقة في نفسه وبالتالي الثقة فيك انت وفي الآخرين.. أنت الذي لم تبخل عليه للتو، بأن تفرد له مساحةً في قلبك، عندما أحسنت إليه بالإبتسامة وبالقبول وببشائر التسامح.. وأعلنت له من خلال تعابير وجهك وجوارحك أنك علي استعداد أن تتكبد الإنتظار كيما تمنحه الطريق ليعبر.. أو أنك ستكون ممتنا لمبادرته الرائعة، إن هو أتاح لك أن تعبر أولا.
.
السعادة منتج نفيس يحتاج منا أن نعزّه بالتضحية، أن نحشد له الصبر والوقت والإستعداد الفطري لإعانة وقبول الآخر، المجهول كما هوَ، بتعزيز الثقة في نفسه وتقديره واحترامه، وإتاحة مساحات كافية له، حتى دون حاجة لأن نعرفه أو نتفرس في وجهه.. فلنحترمه لذاته أولا.. ولنبادر بإكرامه وأن نحسن إليه.. ولنبتسم في وجهه فوق ذلك كله، فهو ليس بعدو على أية حال..
.
دعه يعمل.. دعه يمر
.
يلزمنا ألا نسعى في أن نعكر صفو الآخرين بالتطفل عليهم، وألا نقحم أنفسنا في مساحات ذواتهم عنوة. ليس بالضرورة أن نسترق السمع لهمسهم وهمهماتهم، وأن نميز من هم مجالسيهم أو رفاقهم بالطريق، ذكورا كانوا أو إناثا، سيّان. كما يلزمنا ألا نتلصص على الناس من وراء جدر، أو أن نرسل في أثرهم اللحاظ المتعطشة المسعورة، حينما يتسكعون بصحبة رفيقات جميلات، فإن دولاب الحياة سوف لن يتوقف عن الدوران إن نحن أقلعنا عن ذلك..
يجدر بنا كذلك ألا نُنصِّب من أنفسنا أولياء عليهم، بحسباننا حُراسا للفضيلة، وحماة لها من دونهم.. كيما نوفر لأنفسنا من الشرعية في التلصص، ما نُدثّرُ به شغفنا وحب إستطلاعنا وإستئثارنا بالخيرات، وما يمنحنا من الذاتية حقا زائفا بدعوى إقامة الفضيلة في إقتحام حدائق الناس الخلفية والعبث بها، وانتهاك ذواتهم.. ما يُغلّف غيرة أنفسنا وعُقَدَنا الذكورية، ويُشفي غليلها.
.
الحب والسكينة والجمال ليست من الرزائل التي يلزمنا التصدى لها ومكافحتها.. بل هي من الفضائل ومن نعم الحياة الخالدة.. فلنسرف في إحسان النوايا، ولندع الحق للناس ونخلي لهم السبيل في أن يمشوا في مناكب الأرض، في أن يكونوا قوامين على أنفسهم، لا بد أنهم قد شبوا عن الطوق وصاروا كما نحن، أفرادا عقلاء مكلَّفين. فلنمنحهم الثقة والمساحة والزمن.. ولندع لهم الحق بان ينهلوا من مَعينِ الحياة كما نهلنا نحن منها. وأن يسعدوا بطَلعِها وبثمارها الزاهيات.. فإن معانٍ كالسعادة والجمال لن تتحققانِ في بيئة تسودها خصالٌ هوجاء أجدرُ ما تكون بالضواري والكلاب الضالة، كما أنهما ليستا بقاصرتين علي فئة دون أخرى، ولا لفردٍ دون من هم سواه.
.
إن نحن فعلنا ذلك جعلنا الآخر يعتمر صدرُه بالثقة في الناس وحسن الظن فيهم، وفي نفسه قبل ذلك كله، فيجتاحه إستعداد فطري هو بدوره للبذل في أن يقدم ما بوسعه ومما يليه، لكل الطارقين لبابه في مكتبه أو متجره، أو حتى في داره.. فهؤلاء الطارقون، لا يعدوا أن يكونوا نفس أولئك الذين قد أثقلوا ظهره قبل حين، بالمعروف وبالإبتسامات الباكرة، التي تطفو كالسيل، وتغمر الاخرين دون أن تستأذنهم، ودون ان تسائلهم بدءاً عن مقاماتهم وصفاتهم وجمائلهم وانتمائهم، ولا عمّن يكونون.. إبتسامات من أجل تلوين الحياة على إطلاقها، لكل النأس دون إستثناء، وبكل ألوان الطيف، ليس سوى ذلك.. ومن أجل صناعة شلالات دفاقة من البهجة والسكينة والسعادة.
.
يا ليتنا بدأنا يومنا غدا أو بعد غد، بأن نتيح العبور للآخرين مالم نكن على عجلة من أمرنا، أو قل ما وسعنا ذلك، دعنا نكون واقعيين في المقام الأول.. وأن نمتنَّ مبتسمين للذي يبادرنا بإتاحة الطريق، أسوةً بذلك الذي يبادرُ لانتزاعه منا، فالأمر سيّان.. لنمنحه الطريق ولنمنحه فوق ذلك إبتسامة رائعة قبل أن يغادرنا.
.
أناشدكم أصدقائي.. وكل من تناله القناعة بخواطر هذا المنشور وتستهويه، أن يحمل تلك القناعات ويسير بها على الأرض، فالتغيير لن يحدث إن كنا نحمل أفكارا نبيلة ونُحلّقُ بها، لكن لا نسعي بها في واقع الحياة.. فليأخذ كل منا على نفسه عهدا للمساهمة في صناعة السعادة.. وتسويقها والصبر عليها.. فهي ككل الأشياء الغالية الثمينة لا تأتينا بلا مقابل، إنما تحتاج لأن نوفر لها من مواردنا الغالية ما وسعنا.
إنتهي..
nagibabiker@hotmail.com