بالرغم من أن (جورج انجلش) قد اطلق على يومياته صفة الحكاية (Narrative) إلا أنها حكاية تحوي الكثير من التفسير التاريخي لأحداث حملة اسماعيل باشا على السودان. بل ان فيها من المواقف والأحداث ما يكاد ان يتطابق تاريخيا مع مثيلات لها في وقت لاحق بل يمتد حتى يومنا هذا.
فمن الاحداث الكبرى التي وقعت بعد مغادرة الحملة ديار (السكوت) ودخولها اقليم دنقلا الذي يشكل المحس والشايقية معظم سكانه ، ما عرف بواقعة (كورتي). فلقد كانت ملابسات ونتائج هذه الواقعة تفسيرا منطقيا لما آل اليه تاريخ السودان من احداث تالية.
وهي احداث ظلت تتكرر بصورة مملَّة في حقب تاريخية متتالية حتى ظن الناس أنها ظاهرة مصيرية لا فكاك منها.
كانت قضايا الاستقرار والأمن والتعايش السلمي والعيش الكريم حلقات ضعيفة في مسيرة تكوين الدولة السودانية.
ولقد كشفت احداث ما قبل وما بعد واقعة (كورتي) الأسباب الحقيقية وراء ظاهرة تكرار الفشل في الوصول إلى طريقة ناجعة لكسر حلقته الجهنمية.
ومن خلال تتبع ما رواه (انجلش) من ملابسات ونتائج حول الواقعة المذكورة يمكن ان نجد تفسيراً لتلك الظاهرة، ومن ثم نستطيع أن نجد حلاً لعدم تكرارها، وبالتالي تلوح لنا بارقة أمل في فك شفرة الفشل الذي اطبق على انفاسنا منذ عقود.
قال (انجلش) إن الفوضى وانفراط عقد الأمن والاستقرار في اقليم دنقلا كان سببه الطبيعة العدوانية وعدم التعايش بين مكونات هذا الاقليم . وفيما يلي يمكن ان يفهم القارئ الكريم – من نصوص اليوميات- ما يشاء فيما يتعلق بملابسات واقعة كورتي وما تلاها من نتائج.
في أول لقاء بين وفد زعماء الشايقية واسماعيل باشا قبل ان تتحرك الحملة من وادي حلفا، قال (انجلش) في يومياته :
(استفسر الوفد الباشا عن الأسباب التي استدعت عزمه على اخضاع بلادهم إلى سلطانه، فأجابهم بقوله: لأنكم قطاع طرق وترهبون جيرانكم. فقالوا له: نحن لا نعرف سوى ذلك وسيلة للعيش. فرد عليهم قائلا: (أفلحوا أراضيكم وعيشوا بشرف. فقالوا له بعفوية: لقد نشأنا على ما تسميه انت نهبا.. لن نعمل لأننا لا نستطيع تغيير ما شبينا عليه. فرد عليهم بقوله: سأرغمكم على تغيير ما نشأتم عليه).
وانفض السامر وعاد الشايقية إلى ديارهم استعدادا للحرب. ويورد (انجلش) وقائع المعركة الرهيبة التي اندلعت فيقول:
(اندفع العدو نحو جيش الباشا في زوبعة من صيحات الحرب والرماح المشرعة وقذف بعضهم بأنفسهم تجاه المدافع التي نسفتهم نسفا وقصفت المدافع الحصن الأيمن لقوات العدو وعندما تيقن فرسانهم من ضراوة آثار المدفعية عليهم فرّوا تاركين مشاتهم تحت رحمة فرسان الحملة الذين ابادوا المئات منهم اثناء المعركة وما تلاها من تعقب للفارين.
وانسحب الملك (شاويش)برجاله مخلّفا وراءه حصونه المنيعة والأراضي الخصبة البديعة لقمة صائغة للغزاة).
ويقول مضيفا – في حاشية من حواشي يومياته:
(اخبرني الجنود أنهم كانوا يفرغون خزائن اسلحتهم في الرجل الواحد من مقاتلي الشايقية قبل ان يقع على الأرض صريعا). غير أن الشايقية ما لبثوا أن استسلموا للقوة التي لا قبل لهم بها. فجاء ابن الملك (شاويش) لمقابلة الباشا في بربر عندما تقدمت الحملة نحو سنار، حيث كرر اسماعيل باشا قوله السابق لهم بحتمية تسليم اسلحتهم وخيولهم إذا كانوا يرغبون في السلام.)
وقبل ان يغادر الباشا من شندي إلى الحلفايا ، جاء الملك (شاويش )بنفسه اليه مستسلماً ومخاطبا الباشا بقوله : (لقد قاتلتك بكل ما املك من قوة وعتاد، وأنا اليوم مستعد للقتال تحت امرة من تغلب عليَّ.)
وكانت النتيجة ان الشجاعة التي ابداها هذا الرجل اثناء القتال والصلابة التي اتسم بها في محنة الهزيمة، قد اكسبته احترام العثمانيين وهيأت له استقبالا كريما من الباشا، فانعم عليه برتبة (بمباشي) وضّمه ورفاقه إلى خدمة الجيش.)
وللقارئ ان يستنتج من هذه النصوص ما تعنيه واقعة (كورتي) في الوجدان السوداني من حيث مفهوم النصروالهزيمة و وهل تغيرت عقلية التعامل مع قضايا الحرب والسلام إنطلاقا من تقدير قوة الخصم ومن حيث الاقتناع بمنطق التعايش مع الواقع بالحكمة والإدراك العقلاني وتغيير القيم العدوانية التي تفرض علي بعضنا انتهاج قهر الآخر وسيلة لكسب العيش ؟
يستخلص (انجلش) في نهاية يومياته حول واقعة (كورتي) بعض العظات والعبر بعد ان يشيد بتاريخ الحضارة النوبية وفقا لما شاهده من آثار العمران والثراء والاستقرار، ويتحسر على الوضع الأمني والانهيار الشامل لفكرة الدولة في سودان القرن التاسع عشر فيقول: (ان الناس الذين ورثوا ذلك المجد التليد – في هذه المنطقة – لم يعودوا ينتفعون بشيء منه لأنهم لم يعووا الدرس الذي يؤدي إلى سقوط الدول وزوالها من صفحة التاريخ.)
ويضيف:
( إن النيل الذي شاهد امماً واجيالا عديدة تزول، ما زال يفيض بمائه الخصيب على البلاد الممتدة على شاطئيه مثلما يجود الكريم بخيره دون ان يأبه بجحود الإنسان وكفره بنعمة الخالق.)
… فتأمل.
(نواصل)
aha1975@live.com
////////////////
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم