د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com
الملخص
يتناول المقال الجدل التاريخي حول دور الحزب الشيوعي السوداني في أحداث الجزيرة أبا وود نوباوي ومقتل الإمام الهادي المهدي على الحدود الإثيوبية في مارس 1970، موضحاً أن هذا الملف يتقاطع فيه السجال التاريخي مع الصراع الأيديولوجي الراهن بين تيارات الإسلام السياسي والطائفية من جهة واليسار السوداني من جهة أخرى، إذ تصر أوساط حزب الأمة وجبهة الميثاق الإسلامي على أن الحزب الشيوعي كان شريكاً فعلياً في المجزرة وليس مجرد متعاطف سياسي، بينما يرفض أرشيف الحزب الشيوعي هذا التوصيف معتبراً ما جرى سحقاً لقوى الثورة المضادة نفذته أجهزة الدولة العسكرية والأمنية دون أن يكون الحزب طرفاً منفذاً أو آمراً، وتقف بين هاتين الروايتين قراءة أكاديمية ثالثة تميّز بين المسؤولية السياسية للحزب كشريك في السلطة ومبرر إعلامي للقمع والمسؤولية التنفيذية المباشرة الواقعة على الجيش وأجهزة الأمن. ويشير المقال إلى أن الأحداث وقعت في سياق مزدوج ومتشابك يجمع بين مواجهة قديمة الجذور بين الحزب الشيوعي والقوى الطائفية تعود إلى العام 1965، وتحالف اضطراري قصير الأمد بين الحزب ونظام مايو العسكري انقلب سريعاً إلى قطيعة دموية طالت الحزب نفسه، مع الإشارة إلى أن غياب نشر كامل للوثائق الأولية ذات الصلة يجعل أي استنتاج قاطع عرضة للتسييس من جميع الأطراف.
ثم يعود المقال إلى الجذور البعيدة فيشرح أن جزيرة أبا هي المكان الذي أعلن فيه محمد أحمد بن عبد الله دعوته المهدوية عام 1881 قبل قيادته الثورة المهدية التي أسقطت الحكم الثنائي التركي المصري وأسست دولة المهدية حتى سقوطها عام 1899، وأن الجزيرة ظلت معقلاً رمزياً ودينياً واقتصادياً لأسرة المهدي بعد أن مكّنت الإدارة البريطانية السيد عبد الرحمن المهدي اقتصادياً ضمن سياسة لتقوية القوى الطائفية كثقل موازن للوطنيين الحداثيين، وهو ما يفسر القيمة الرمزية لاختيار الإمام الهادي المهدي، الذي تولى الإمامة عام 1961 بعد خلاف مع الصادق المهدي، لهذه الجزيرة تحديداً كمعقل للمواجهة مع نظام نميري.
وينتقل المقال إلى جذور الاستقطاب بين الأنصار والشيوعيين قبل انقلاب مايو، مبيناً أن العداء يعود إلى الصعود الانتخابي للشيوعيين في انتخابات 1965 حين حصدوا أحد عشر مقعداً حصراً في دوائر الخريجين رغم خسارة أمينهم العام عبد الخالق محجوب أمام إسماعيل الأزهري بفارق ضئيل، وهو ما شكّل صدمة للقوى الطائفية دفعتها لاعتبار الحزب تهديداً وجودياً. ويشرح المقال كيف تفجر هذا التوتر في نوفمبر 1965 خلال ندوة لجبهة الميثاق الإسلامي بأم درمان أثارت جدلاً دينياً حاداً حُمّل الحزب الشيوعي مسؤوليته رغم نفيه، مما أفضى إلى قرار حل الحزب رسمياً وطرد نوابه من البرلمان، في واقعة سُميت أحداث ود نوباوي الأولى، ويميز المقال بدقة بين هذه الواقعة وبين المجزرة الدموية التي حملت الاسم نفسه عام 1970.
ثم يتناول المقال تحالف الضرورة بين الحزب الشيوعي ونظام مايو 1969، موضحاً أن انقلاب 25 مايو 1969 بقيادة نميري أعاد رسم التحالفات السياسية جذرياً، وأنه رغم رفض اللجنة المركزية للحزب مبدأ التكتيك الانقلابي إلا أن قيادات حزبية شاركت في الحكومة والمجلس العسكري، وأن النظام تبنى خطاباً اشتراكياً وحصل على دعم سوفيتي وليبي متزايد ضخّم حجم الجيش بشكل كبير، بينما شكلت طائفة الأنصار بقيادة الإمام الهادي أكبر تهديد سياسي منظم للنظام لرفضه شرعية الحكم العسكري ومطالبته باستبعاد الشيوعيين وعودة الحكم الدستوري.
ويسرد المقال بعد ذلك وقائع مارس 1970 بالتفصيل، بدءاً من انسحاب الإمام إلى الجزيرة أبا وحشده عشرات الآلاف من الأنصار، مروراً بمنع الأنصار زيارة نميري للولاية، ودور الإعلام الرسمي والعناصر الشيوعية في تصوير الأنصار كقوى معادية للثورة، وصولاً إلى قرار نميري في 27 مارس 1970 مهاجمة الجزيرة بالطائرات والمدفعية الثقيلة دون تكافؤ في القوة، بالتوازي مع محاصرة قوات مدججة مسجد ود نوباوي في 29 مارس وسقوط عدد كبير من القتلى والجرحى والمعتقلين بين الأنصار مقابل خسائر محدودة في صفوف الجيش، ثم إجراءات السلطة اللاحقة بحل التنظيمات الديمقراطية المستقلة تمهيداً لتأسيس الاتحاد الاشتراكي كحزب وحيد.
كما يروي المقال بالتفصيل ملابسات مقتل الإمام الهادي المهدي على الحدود الإثيوبية، مستنداً إلى شهادة قائد القوة الحدودية التي اشتبكت مع مجموعة الفارّين قرب الكرمك دون معرفة مسبقة بهوية الإمام، وإصابته ووفاته قبل وصوله للمستشفى، وما تلا ذلك من مصادرة ممتلكات أسرة المهدي ونفي الصادق المهدي إلى مصر، مع الإشارة إلى محاكمة عام 1988 التي تناولت الواقعة دون إثبات نية مسبقة لاستهداف الإمام بعينه، وتمييز المقال بين دور من شارك في قصف الجزيرة جواً ومن نفذ العملية الحدودية.
ويخصص المقال قسماً لتفكيك ثلاث روايات متنافسة حول المسؤولية: الأولى تدين اليسار السوداني بأكمله وتحمّله مسؤولية مباشرة استناداً إلى الخطاب السياسي المعادي للقوى الطائفية ومشاركة ضباط يساريين في العملية ودعم دول إقليمية ودولية؛ والثانية هي الرواية الرسمية للحزب الشيوعي التي تصف الأحداث بأنها سحق لقوى الثورة المضادة وتنفي أي قرار حزبي مركزي بتنفيذ المجزرة مستندة إلى توتر داخلي مبكر مع النظام؛ والثالثة هي القراءة الأكاديمية الوسيطة التي تفكك المسؤولية إلى ثلاثة مستويات هي المسؤولية التنفيذية المباشرة للجيش وقيادة نميري، والمسؤولية السياسية والإعلامية للحزب كمستفيد من إضعاف خصمه الطائفي، ومشاركة عناصر يسارية فردية دون قرار حزبي مركزي مثبت، مع سرد كيف انقلبت العلاقة بين الحزب والنظام لاحقاً إلى قطيعة دموية بلغت ذروتها في انقلاب يوليو 1971 وإعدام قيادات الحزب.
ويعرض المقال بعد ذلك تفاوت إحصائيات الضحايا بين الرواية الحكومية والرواية الأسرية والتقديرات الموسوعية الوسيطة والأرقام المتطرفة الأقل توثيقاً، مبرزاً غياب أي تحقيق مستقل يحسم هذه الأرقام، وأن المصالحة الوحيدة اللاحقة اقتصرت على لقاء رمزي دون تعويضات أو اعتراف رسمي أو اعتذار.
وتخلص الخاتمة النقدية إلى أن كلا الروايتين المتطرفتين تنطويان على تبسيط مخل، وأن الأرجح هو تحميل المسؤولية التنفيذية المباشرة للجيش وقيادة نميري، مع تحميل الحزب الشيوعي مسؤولية سياسية وأخلاقية عن التحريض والتبرير والصمت المستمر حتى اليوم، وأن غياب التحقيق المستقل والمصالحة الشاملة يبقي هذا الملف مفتوحاً ومستخدماً سياسياً في الصراعات السودانية الراهنة بدلاً من كونه موضوعاً للتحقيق التاريخي الرصين والعدالة الانتقالية الجادة.
النص الكامل للمقال
مقدمة تحليلية
يظل الجدل حول دور الحزب الشيوعي السوداني في أحداث الجزيرة أبا وود نوباوي ومقتل الإمام الهادي المهدي على الحدود الإثيوبية في مارس 1970 واحداً من أشد الملفات حساسية وتسييساً في الذاكرة السياسية السودانية، إذ يتقاطع فيه السجال التاريخي بالصراع الأيديولوجي الراهن بين تيارات الإسلام السياسي والطائفية من جهة، واليسار السوداني من جهة أخرى. فبينما تُصر روايات حزب الأمة وأنصاره، وكذلك أوساط جبهة الميثاق الإسلامي التي فقدت في تلك الأحداث أحد أبرز قادتها الشباب وهو محمد صالح عمر، على أن الحزب الشيوعي كان شريكاً فعلياً وليس مجرد متعاطف سياسي مع نظام جعفر نميري في تنفيذ المجزرة (عمر، 2021)، يرفض أرشيف الحزب الشيوعي الرسمي هذا التوصيف جملة وتفصيلاً، معتبراً ما جرى “سحقاً لقوى الثورة المضادة” نفّذته أجهزة الدولة العسكرية والأمنية دون أن يكون الحزب طرفاً منفذاً أو آمراً (القدال، 1996). وبين هاتين الروايتين المتضادتين، تقف قراءة أكاديمية ثالثة أكثر تركيباً تميّز بين المسؤولية السياسية للحزب بوصفه شريكاً في السلطة ومبرراً إعلامياً للقمع، والمسؤولية التنفيذية المباشرة التي تقع حصراً على الجيش وأجهزة الأمن التابعة لمجلس قيادة الثورة.
ولا يمكن فهم هذا الجدل بمعزل عن حقيقة أن الأحداث ذاتها وقعت في سياق مزدوج ومتشابك تاريخياً وجغرافياً وأيديولوجياً في آنٍ واحد: فمن جهة، كانت هناك مواجهة قديمة الجذور بين الحزب الشيوعي والقوى الطائفية التقليدية تعود إلى انتخابات 1965 وما تلاها من صدامات فكرية ودستورية دامية رمزياً في المكان ذاته الذي شهد المجزرة لاحقاً؛ ومن جهة أخرى، كان هناك تحالف اضطراري قصير الأمد بين الحزب ونظام مايو العسكري الجديد سرعان ما انقلب إلى قطيعة دموية طالت الحزب نفسه بعد أقل من عام ونصف من مقتلة الأنصار، حين أُعدم أمينه العام عبد الخالق محجوب وأبرز قادته على يد النظام ذاته الذي دافع الحزب عن جرائمه ضد الأنصار. ويضاعف من تعقيد المسألة أن الوثائق الأولية – بيانات اللجنة المركزية للحزب الصادرة في مايو ونوفمبر 1970، ومحاضر المؤتمر التداولي لكادر الحزب المنعقد في أغسطس 1970، وتقييم اللجنة المركزية لانقلاب 25 مايو 1969، وسجلات المحكمة الجنائية الخاصة التي نظرت قضية مقتل الإمام الهادي عام 1988 – لم تُنشر بشكل كامل أو مُتاح للباحثين المستقلين حتى اليوم، مما يجعل أي استنتاج قاطع في هذه المسألة عرضة للتسييس من جميع الأطراف المتنازعة.
يسعى هذا المقال إلى تفكيك هذا الجدل عبر تتبع دقيق وشامل للسياق التاريخي البعيد للاستقطاب بين الأنصار والشيوعيين منذ تأسيس طائفة الأنصار نفسها في نهاية القرن التاسع عشر ومروراً بمنتصف الستينيات، ثم تحليل تفصيلي معمّق لوقائع الأحداث العسكرية والأمنية نفسها بكل تفاصيلها المكانية والزمانية والبشرية والإحصائية، وصولاً إلى تفكيك نقدي مركّب لموازين الأدلة المتاحة في كل رواية من الروايات المتنافسة الثلاث، وانتهاءً بتقييم الأثر السياسي البعيد المدى لهذه الأحداث على مسار الحزب الشيوعي نفسه الذي وجد نفسه بعد عام واحد فقط ضحية للقمع الذي شارك هو نفسه في تبريره الأيديولوجي والإعلامي.
الجذور البعيدة: تأسيس طائفة الأنصار والجزيرة أبا كمهد للمهدية
لا يمكن فهم رمزية المواجهة التي وقعت عام 1970 دون العودة إلى الجذور التأسيسية لطائفة الأنصار نفسها. فجزيرة أبا، الواقعة على الضفة الشرقية للنيل الأبيض في منتصف ما يُعرف اليوم بولاية النيل الأبيض، هي المكان الذي أعلن فيه محمد أحمد بن عبد الله دعوته المهدوية عام 1881، قبل أن ينطلق منها إلى كردفان ويقود الثورة المهدية التي أسقطت لاحقاً الحكم الثنائي التركي-المصري عن السودان، وأسس دولة المهدية التي استمرت حتى سقوطها على يد القوات الأنجلو-مصرية عام 1899. وقد ظلت الجزيرة عبر عقود لاحقة معقلاً رمزياً ودينياً واقتصادياً لأسرة المهدي وطائفة الأنصار، خصوصاً بعدما استثمرت الإدارة الاستعمارية البريطانية علاقتها مع السيد عبد الرحمن المهدي – نجل المهدي ومؤسس الطائفة الحديثة بعد 1899 – عبر تمكينه اقتصادياً من مشاريع زراعية كبرى في الجزيرة نفسها ومشروع قوندال لزراعة القطن في مديرية النيل الأزرق عام 1927، في إطار سياسة بريطانية متعمدة لتقوية القوى الطائفية كثقل موازن للقوميين الحداثيين بعد ثورة 1924 (رصاص، 2022). هذا الإرث التاريخي العميق فسّر لاحقاً القيمة الرمزية الهائلة لاختيار الإمام الهادي المهدي – الذي تولى إمامة الأنصار خلفاً للإمام الصديق المهدي عام 1961 بعد خلاف مع الصادق المهدي حول صلاحيات منصب الإمام داخل حزب الأمة أدى إلى إسقاط الصادق من رئاسة الوزراء وانتخاب محمد أحمد المحجوب بدلاً منه – لهذه الجزيرة تحديداً كمعقل للمواجهة مع نظام نميري عام 1970 (مسار، 2022).
جذور الاستقطاب: الأنصار والشيوعيون قبل انقلاب مايو
تعود جذور العداء المباشر بين الحزب الشيوعي السوداني وطائفة الأنصار إلى ما قبل عام 1970 بسنوات طويلة، وتحديداً إلى الصعود الانتخابي اللافت للشيوعيين في انتخابات 21 أبريل حتى 8 مايو 1965، حين نال حزب الأمة 75 مقعداً من أصل 173 مقعداً، والحزب الاتحادي الديمقراطي 54 مقعداً، ومؤتمر البجا عشرة مقاعد، والمستقلون 15 مقعداً، بينما حصد الشيوعيون 11 مقعداً حصراً في دوائر الخريجين البالغة خمسة عشر مقعداً، ونالت جبهة الميثاق الإسلامي التي يشكل الإخوان المسلمون جسمها الرئيسي خمسة مقاعد، اثنان منهما في دوائر الخريجين، حيث نال حسن الترابي زعيم الجبهة أعلى الأصوات في تلك الدوائر (رصاص، 2022). وقد أجرى الشيوعيون اختباراً رمزياً هاماً لقوتهم حين رشّح الأمين العام للحزب عبد الخالق محجوب نفسه ضد إسماعيل الأزهري زعيم الحزب الاتحادي الديمقراطي في دائرة أم درمان الجنوبية، فخسر الانتخابات بفارق ضئيل لم يتجاوز ألف صوت وفق رواية رئيس الوزراء الأسبق محمد أحمد المحجوب، بينما يذكر الشيوعي السوداني حسن عبد الله رقماً مختلفاً قدره 1061 صوتاً للفارق ذاته (رصاص، 2022). وقد شكّل هذا الأداء الانتخابي، رغم محدوديته العددية الظاهرة، صدمة حقيقية للقوى الطائفية التقليدية التي تشكل غالبية الجسم الاجتماعي السوداني، ودفعتها لاعتبار الحزب الشيوعي تهديداً وجودياً وأخلاقياً ودينياً لهيمنتها التاريخية على الحياة السياسية والدينية في البلاد.
وقد تفجّر هذا التوتر بشكل مباشر ودموي رمزياً – وإن لم يكن دموياً بالمعنى الحرفي بعد – في مساء الإثنين التاسع من نوفمبر 1965، حين نظمت جبهة الميثاق الإسلامي بقيادة حسن الترابي ندوة في معهد المعلمين العالي بأم درمان دار فيها نقاش حول قضية البغاء، فنهض طالب أعلن انتماءه الماركسي وتطرق إلى قضايا تتعلق بالسيرة النبوية أثارت غضباً عارماً وسط الجمهور الطلابي، وأصدرت التنظيمات الطلابية بيانات تدين الطالب وتطالب بمعاقبته، فيما أوضحت رابطة الطلبة الشيوعيين في بيان رسمي أن الطالب المعني ليس عضواً في الحزب الشيوعي، بل يصدر صحيفة حائطية مستقلة يهاجم فيها الحزب نفسه (Psychotec، 2017). غير أن جبهة الميثاق الإسلامي أصرّت على ربط الواقعة بالحزب الشيوعي بكامله، واتهمته بالكفر والإلحاد، وهو ما أفضى بعد أسابيع قليلة إلى قرار الجمعية التأسيسية السودانية بحل الحزب الشيوعي رسمياً وطرد نوابه الأحد عشر المنتخبين من البرلمان، في سابقة دستورية مثيرة للجدل القانوني حتى اليوم حول شرعية حل حزب سياسي بقرار برلماني بأثر رجعي. هذه الواقعة، المعروفة تاريخياً باسم “أحداث ود نوباوي” في سياقها الأول لعام 1965، أرست نمطاً من المواجهة القانونية والشارعية والإعلامية بين الشيوعيين والقوى الطائفية والإسلامية سبق بخمس سنوات كاملة المجزرة الدموية التي حملت الاسم الجغرافي ذاته – نسبة إلى حي ود نوباوي بأم درمان ومسجد السيد عبد الرحمن فيه – عام 1970، مما يستدعي تمييزاً منهجياً دقيقاً بين الحادثتين المتطابقتين في المكان والمختلفتين جذرياً في الزمان والطبيعة والجسامة والضحايا.
تحالف الضرورة: الحزب الشيوعي ونظام مايو 1969
جاء انقلاب 25 مايو 1969 بقيادة العقيد جعفر محمد نميري، بالتعاون مع تنظيم الضباط الأحرار الذي شكّله ضباط شبان متأثرون بالنموذج الناصري والقومية العربية، ليعيد رسم خريطة التحالفات السياسية في السودان بشكل جذري. وقد استولى الانقلاب على السلطة معلناً حل الأحزاب السياسية كافة، وتشكيل مجلس قيادة الثورة، وتعيين الدكتور بابكر عوض الله رئيساً أول للوزراء (ويكيبيديا، الجمهورية الديمقراطية السودانية). ورغم أن اللجنة المركزية للحزب الشيوعي لم توافق مبدئياً على التكتيك الانقلابي كأداة للتغيير السياسي – في استمرار لخلاف داخلي قديم انقسم فيه الحزب عام 1964 بين فصيل “القيادة الثورية” الموالي للخط الصيني الداعي للكفاح المسلح، والتيار الرئيسي الذي فضّل العمل النقابي والجماهيري والانتخابي – فإن قيادات نقابية وعسكرية منتمية للحزب كانت على علم مسبق بالتحضير للانقلاب، وشارك بعد نجاحه ستة من قياداته البارزة كوزراء في الحكومة الجديدة، إلى جانب ضابطين شيوعيين على الأقل في مجلس قيادة الثورة نفسه، رغم النفي الرسمي المتكرر لأي انتماء حزبي رسمي لهؤلاء الوزراء (سودانايل، 2026). وقد تعزز الانطباع العام بضلوع الحزب العضوي في الانقلاب حين شارك أنصاره بكثافة لافتة في المسيرات الجماهيرية المؤيدة للنظام الجديد في الأسابيع الأولى التي أعقبت الاستيلاء على السلطة، حتى أن الأمين العام للحزب نفسه، عبد الخالق محجوب، بقي لفترة وجيزة تحت الإقامة الجبرية الرمزية قبل أن تتحسن علاقته المؤقتة مع القيادة العسكرية الجديدة.
وقد تبنّى النظام العسكري الجديد خطاباً اشتراكياً صريحاً، فأمّم البنوك الأجنبية والمحلية الكبرى والصناعات الاستراتيجية في نوفمبر 1970، وحصل على دعم عسكري وسياسي سوفيتي وليبي متزايد بشكل ملحوظ؛ إذ قدّمت دول الكتلة الشرقية بين عامي 1968 و1972 مساعدات وتدريباً وكميات ضخمة من الأسلحة للجيش السوداني، الذي تضخّم حجمه من نحو ثمانية عشر ألف جندي إلى ما يقارب خمسين ألفاً خلال تلك الفترة القصيرة نسبياً (EBSCO Research Starters). وفي نوفمبر 1969، وبعد أن أعلن رئيس الوزراء الأول بابكر عوض الله أن النظام لا يمكنه الاستمرار دون مساندة شيوعية، تمت إزاحته إلى منصب وزير الخارجية ونائب رئيس مجلس قيادة الثورة، فيما عزّز نميري قبضته الشخصية على السلطة بدعم سوفيتي وليبي مباشر (EBSCO Research Starters). وفي هذا المناخ السياسي والعسكري المتصاعد، شكّلت طائفة الأنصار الموالية لحزب الأمة، بقيادة إمامها الهادي المهدي، أكبر تهديد سياسي منظم ومسلح فعلياً لنظام نميري، إذ رفض الإمام الإقرار بشرعية الحكم العسكري الجديد، ورفع شعار المطالبة بالدستور الإسلامي، وطالب صراحة بعودة الحكم الدستوري النيابي، واستبعاد الشيوعيين تحديداً من أي مشاركة في السلطة، وإنهاء حكم مجلس قيادة الثورة برمته، وانضم إليه في هذا الموقف عدد من قيادات جبهة الميثاق الإسلامي، من بينهم محمد أحمد عمر ومهدي إبراهيم (مسار، 2022).
من ود نوباوي إلى الجزيرة أبا: وقائع مارس 1970 بالتفصيل الدقيق
تصاعد التوتر إلى ذروته الدموية حين انسحب الإمام الهادي المهدي إلى معقله التاريخي في الجزيرة أبا، حيث حشد حوله ما يُقدَّر بنحو ثلاثين ألف من الأنصار المسلحين والمعتصمين (ويكيبيديا، الجمهورية الديمقراطية السودانية). وحين حاول نميري في أوائل مارس 1970 زيارة ولاية النيل الأبيض التي تعتبر معقلاً تاريخياً للأنصار للتفاوض مع الإمام، هاجمته حشود من الأنصار بشعارات غير مرحبة به ومنعته من دخول الجزيرة، وهو ما اعتُبر تحدياً مباشراً لسلطته (رابح، 2022). وتشير روايات متعددة إلى أن الشيوعيين، بوصفهم الحلفاء الأيديولوجيين الأبرز للنظام الجديد آنذاك، سارعوا إلى تصوير اعتصام الأنصار في الجزيرة أبا بوصفه تمرداً رجعياً على السلطة الثورية وعدم انصياع للأوامر الحكومية الشرعية، ونشطت وسائل الإعلام الرسمية في رسم صورة الإمام وأتباعه كقوى معادية للنظام اليساري الحاكم، فيما انتهزت عناصر شيوعية، بحسب هذه الرواية، الفرصة السياسية المواتية للانقضاض إعلامياً وسياسياً على الخصم الطائفي التاريخي الأكبر لها، أي حزب الأمة (رابح، 2022).
وفي فجر يوم الجمعة الموافق 27 مارس 1970، اتخذ نميري قراره الحاسم بمهاجمة الجزيرة أبا، فحشد أسطولاً نهرياً كبيراً وأصعده في النيل الأبيض نحو الجزيرة، وحين رفض الأنصار إنذاراً نهائياً بتسليم أنفسهم، أطلق قواته النخبوية هجوماً شاملاً بالطائرات الحربية والمدفعية الثقيلة والدبابات على القرية التي لم تكن تملك أي وسيلة دفاع جوي أو مضاد للسلاح الثقيل، فقاوم الأنصار حتى استُنزفت قدرتهم أمام تفوق النيران الساحق، وفق شهادات نُشرت لاحقاً بتفصيل مروّع (الصيحة، 2020). وبالتوازي الزمني الدقيق مع مجزرة الجزيرة أبا، وقعت مواجهة دموية موازية في مسجد السيد عبد الرحمن بحي ود نوباوي في أم درمان، حين حاصرت يوم الأحد 29 مارس 1970 قوات مدججة بالأسلحة النارية والمدرعات المسجدَ الذي احتشد فيه الأنصار، فوقع صدام دامٍ غير متكافئ استُشهد على إثره 261 من الأنصار العزل، وسقط في الوقت ذاته 53 جريحاً آخرين، فيما اعتقلت وزارة الداخلية – بقيادة فاروق عثمان حمدالله الذي شغل منصب وزير الداخلية من مايو 1969 حتى نوفمبر 1970 (ويكيبيديا، فاروق عثمان حمدالله) – 872 من الأنصار في تلك الأحداث وأودعتهم السجون، فيما احتسبت القوات المسلحة نفسها خسائر بلغت أربعة ضباط وثلاثة وثلاثين من الرتب الأخرى، من بينهم الملازم معاوية صالح سبدرات شقيق الوزير والمحامي عبد الباسط سبدرات، والرقيب أول رابح دودو شقيق حارس مرمى نادي الهلال والفريق القومي السوداني سبت دودو (الصيحة، 2020). ويعتقد على نطاق واسع أن مجزرة ود نوباوي هذه، بمعناها الدموي الثاني لعام 1970، تمثل الفصل الأول الدامي فعلياً في صراع الحزب الشيوعي السوداني المسلح مع حزب الأمة الذي دأب الشيوعيون على تصنيفه ضمن خانة القوى الرجعية، خصوصاً وأن عناصر من الحزب الشيوعي كانت تُظاهر علناً بتأييد نظام مايو الذي شارك ثلاثة من ضباط الحزب في انقلابه، إضافة لستة من قياداته البارزة كوزراء في الحكومة (الصيحة، 2020). وقد أدت السلطة بعد أسابيع قليلة من الأحداث خطوة إضافية في حملتها ضد التنظيمات المستقلة، إذ حلّت في أبريل 1970 اتحاد الشباب والاتحاد النسائي الديمقراطيين، تمهيداً لتأسيس الاتحاد الاشتراكي السوداني كحزب وحيد فوقي على النمط المصري الناصري، في عملية وصفها أحد المراقبين بأنها “نقل أعمى ومسخ للتجربة المصرية” (الراكوبة، 2014).
مقتل الإمام الهادي المهدي على الحدود الإثيوبية: رواية شاهد العيان بالتفصيل
بعد سقوط الجزيرة أبا عسكرياً، حاول الإمام الهادي المهدي، برفقة عدد من أقرب مرافقيه ومن بينهم محمد صادق الكاروري ومهدي إبراهيم وعبد المطلب بابكر، إضافة إلى محمد أحمد عمر القيادي في جبهة الميثاق الإسلامي الذي استُشهد معه (بشري، 2022؛ عمر، 2021)، الفرار براً نحو الحدود الإثيوبية سعياً للنجاة واللجوء السياسي. وتفيد الشهادة المباشرة للعميد المتقاعد مختار طلحة محمد، قائد القوة الحدودية السودانية التي نفذت العملية، بأن قوته كانت في ذلك الوقت تتعقب معلومات استخباراتية عن مهربي سلاح يُفترض أنهم يُدخلون أسلحة من معسكرات المعارضة السودانية في إثيوبيا عبر مدينة الكرمك الحدودية، ثم تصل هذه الأسلحة لاحقاً إلى الجزيرة أبا معقل الأنصار وبعض القوى المعارضة للنظام المايوي والمحسوبة آنذاك على الحزب الشيوعي، وذلك عبر شبكة رصد دقيقة اعتمدت على عيون وعملاء مزدوجين تمكنت القوة الحدودية من اختراق المعارضة السودانية من خلالهم (طلحة، 2010). وحين اشتبكت هذه القوة الحدودية مع مجموعة الفارّين قرب الكرمك، أُصيب الإمام الهادي المهدي في رجله، ولم تكن القوة المنفذة تدرك في تلك اللحظة أن الرجل المصاب هو إمام الأنصار شخصياً، وحين تبيّن ذلك لقائد القوة مختار طلحة – الذي كان ينحدر من إحدى بيوتات الأنصار الشهيرة في مدينة عطبرة – حاول إنقاذه ونقله للعلاج، غير أن الإمام فارق الحياة قبل وصوله إلى المستشفى، في 30 مارس 1970 (طلحة، 2010).
وقد خلّفت هذه الواقعة تداعيات سياسية فورية وواسعة، أبرزها مصادرة الدولة لممتلكات أسرة المهدي الزراعية والتجارية الضخمة، بما في ذلك أراضي الجزيرة أبا نفسها، فيما نُفي الصادق المهدي – نجل الإمام الصديق المهدي وابن أخ الإمام الهادي، والذي كان قد شغل سابقاً منصب رئيس الوزراء – إلى مصر في أوائل أبريل 1970، حيث تعهد الرئيس المصري جمال عبد الناصر شخصياً بإبقائه تحت مراقبة أمنية لمنعه من خلافة عمه على رأس طائفة الأنصار (ويكيبيديا، الجمهورية الديمقراطية السودانية). وقد تباينت التفسيرات لاحقاً حول درجة تعمّد قتل الإمام أو كونه نتيجة اشتباك عرضي لم تكن القوة المنفذة تعلم بهوية الطرف المستهدف فيه حتى بعد السيطرة عليه؛ وهي نقطة عزّزتها لاحقاً محاكمة جنائية خاصة انعقدت في الخرطوم عام 1988 تناولت بالتفصيل ملابسات مقتل الإمام الهادي، حضرها عدد من كبار المحامين السودانيين من بينهم عبد الباسط سبدرات وعبد الله الحسن وهاشم أبوبكر الجعلي، وأكدت الوقائع الأساسية لرواية اشتباك الكرمك الحدودي دون إثبات نية مسبقة لاستهداف الإمام بعينه. كما تجدر الإشارة إلى أن اللواء مبارك عثمان رحمة، الذي شارك في العمليات العسكرية لضرب الجزيرة أبا جواً، لم يكن له بحسب هذه الرواية أي دور مباشر في مقتل الإمام الهادي نفسه على الحدود، تمييزاً واضحاً بين طرفي العملية العسكرية والحدودية، رغم محاولات لاحقة لبعض الكتّاب المصريين البارزين، ومن بينهم محمد حسنين هيكل، للربط بين مقتل الإمام وأطراف أخرى بعيدة عن مسرح العملية الحدودية مباشرة.
الجدل حول المسؤولية: ثلاث روايات متنافسة وتفكيكها النقدي المُوسّع
رواية الإدانة المباشرة والشاملة لليسار
تتبنى أوساط واسعة من حزب الأمة وأنصار المهدي، وكذلك أوساط جبهة الميثاق الإسلامي وريثة الإخوان المسلمين، رواية مفادها أن اليسار السوداني بأكمله، وفي مقدمته الحزب الشيوعي والقوميون العرب، كان ضالعاً بشكل مباشر وممنهج في التخطيط لضرب الجزيرة أبا وود نوباوي، مستندة إلى مؤشرات عدة: أولها أن هذه القوى وصفت حزب الأمة وجبهة الميثاق الإسلامي علناً وبشكل متكرر في أدبياتها السياسية بأنهما “قوى رجعية” يجب سحقها لصالح التقدم الاجتماعي، وأن قيادياً إسلامياً بارزاً مثل محمد صالح عمر “مات على يد الشيوعيين” بحسب توصيف صريح لأحد الكتاب المعاصرين (عمر، 2021)؛ وثانيها أن عدداً من الضباط الذين شاركوا في تنفيذ العملية العسكرية، وعلى رأسهم الرائد أبو القاسم محمد إبراهيم عضو مجلس قيادة ثورة مايو، كانوا معروفين بولائهم اليساري الصريح، وأن الحكومات المتعاقبة كرّمت بعضهم لاحقاً رغم “تاريخهم الملطخ بدماء الأبرياء” بحسب هذا التوصيف؛ وثالثها أن ثلاث دول – يُقصد بها ضمنياً مصر وليبيا والاتحاد السوفيتي عبر الدعم السياسي والعسكري واللوجستي – شاركت بشكل أو بآخر في تمكين الضربة العسكرية وتغطيتها دبلوماسياً (الراكوبة، 2018). وتشير هذه الرواية أيضاً إلى غياب أي اعتذار من الحزب الشيوعي أو مساءلة قانونية داخلية لأي من كوادره المشاركة في تلك الأحداث حتى بعد سقوط النظام المايوي نفسه عام 1985، وهو ما تعتبره دليلاً إضافياً على استمرار تبني الحزب لموقفه الأصلي دون مراجعة نقدية حقيقية حتى يومنا هذا.
الرواية الرسمية للحزب الشيوعي: دفاع ذاتي ونفي مؤسسي
في المقابل، لم تصدر قيادة الحزب الشيوعي أي اعتذار أو إدانة رسمية للانتهاكات الجسيمة التي ارتكبتها سلطة مايو 1969 ضد طائفة الأنصار في الجزيرة أبا ومسجد ود نوباوي عام 1970، رغم كون الحزب في تلك اللحظة تحديداً جزءاً أصيلاً من تركيبة السلطة الحاكمة عبر وزرائه وضباطه، بل دافعت الأدبيات التاريخية للحزب، كما يوثقها المؤرخ السوداني محمد سعيد القدال في دراساته المتخصصة عن تاريخ الحزب الشيوعي وعلاقته بانقلاب 25 مايو، عن هذه الأحداث باعتبارها عملية “سحق لقوى الثورة المضادة” التي كانت تتحرك، من منظور الحزب الأيديولوجي، لإسقاط المكتسبات الاجتماعية والاقتصادية للانقلاب، من تأميم وإصلاح زراعي وتوجه اشتراكي عام (القدال، 1996). وتؤكد هذه الرواية الرسمية أن الحزب كمؤسسة سياسية منظمة لم يكن جهة آمرة أو منفذة للعملية العسكرية ضد الجزيرة أبا، وأن قرار القصف الجوي والمدفعي اتُّخذ حصراً داخل مجلس قيادة الثورة العسكري برئاسة نميري، دون استشارة اللجنة المركزية للحزب أو موافقتها المسبقة الرسمية. وتستند هذه الرواية أيضاً إلى أن العلاقة بين الحزب والنظام لم تكن على الإطلاق علاقة انسجام تام؛ فبيان اللجنة المركزية الصادر بتاريخ 30 مايو 1970، بعنوان “الحزب الشيوعي يرفض طريق الدكتاتورية ومعاداة الشعب”، عبّر عن توتر داخلي متصاعد بين الحزب والنظام العسكري بدأ يظهر إلى العلن قبل أشهر قليلة فقط من ذكرى الأحداث نفسها، مما يوحي – بحسب هذه القراءة الحزبية – بعدم وجود إجماع داخلي على تأييد سياسات النظام القمعية (غريش، 1989).
القراءة الأكاديمية الوسيطة: تفكيك ثلاثي المستوى للمسؤولية
تقدم الأدبيات الأكاديمية الغربية المتخصصة في تاريخ السودان الحديث، وفي مقدمتها أعمال المؤرخ الألماني-الإسرائيلي غابرييل واربورغ والباحث البريطاني تيم نيبلوك والصحفي والباحث الفرنسي آلان غريش، إلى جانب الكتاب الصحفي اللبناني فؤاد مطر الذي أصدر كتابه المرجعي عن الحزب الشيوعي السوداني عام 1971 مباشرة بعد الأحداث، صورة أكثر تركيباً ودقة تميّز بوضوح بين ثلاثة مستويات متمايزة من المسؤولية التاريخية. فعلى المستوى الأول، تقع المسؤولية التنفيذية المباشرة عن القصف الجوي والمدفعي وقرار الهجوم البري الشامل على الجيش السوداني النظامي وقيادة مجلس قيادة الثورة برئاسة نميري نفسه بصفته القائد الأعلى الفعلي للقوات المسلحة ورئيس الدولة، وهو الذي اتخذ شخصياً قرار تصعيد المواجهة العسكرية بعد فشل المفاوضات وبعد الإنذار النهائي الذي رفضه الأنصار (نيبلوك، 1987). وعلى المستوى الثاني، يقر غريش (1989) صراحة بأن قوة الحزب الشيوعي التنظيمية والجماهيرية كانت عاملاً حاسماً في تحديد موازين القوى السياسية بالخرطوم عقب انقلاب مايو، وأن الحزب استفاد سياسياً وإعلامياً بشكل واضح من إضعاف خصمه الطائفي التاريخي الأكبر، دون أن يعني ذلك بالضرورة تولّيه قيادة العملية العسكرية ميدانياً أو اتخاذه قرارها المباشر، مستنداً في ذلك إلى وثائق داخلية للحزب من بينها محضر المؤتمر التداولي لكادر الحزب الشيوعي السوداني المنعقد في أغسطس 1970، وتقييم اللجنة المركزية لانقلاب 25 مايو 1969 (الراكوبة، 2014).
أما المستوى الثالث فيتعلق بمشاركة عناصر يسارية فردية، من ضباط منتمين للحزب أو للقوميين العرب، في التحريض الإعلامي وتبرير الأحداث سياسياً، وربما في بعض جوانبها الميدانية التنفيذية عبر مواقع قيادية داخل الجيش والشرطة، وهي مشاركة موثقة جزئياً عبر شهادات متفرقة، لكنها لا ترقى – بحسب هذه القراءة الوسيطة – إلى إثبات وجود قرار حزبي مركزي رسمي بتنفيذ المجزرة بوصفها عملية مخططة من قبل جهاز الحزب نفسه (واربورغ، 2003). وتجدر الإشارة إلى أن العلاقة بين الحزب الشيوعي ونميري شخصياً انقلبت بشكل جذري وسريع خلال الأشهر التالية لأحداث الجزيرة أبا وود نوباوي؛ إذ أقدم نميري في 16 نوفمبر 1970 على إقالة واعتقال ثلاثة من أبرز الضباط اليساريين في مجلس قيادة الثورة – وهم فاروق حمدالله وبابكر النور وهاشم العطا – ثم أبعد الأمين العام للحزب الشيوعي عبد الخالق محجوب خارج البلاد ووضعه لاحقاً قيد الإقامة الجبرية عقب عودته غير المصرح بها، تمهيداً للمواجهة الدامية التي بلغت ذروتها في محاولة انقلاب 19 يوليو 1971 المدعومة من الشيوعيين بقيادة هاشم العطا، والتي نجحت لثلاثة أيام فقط قبل أن يستعيد أنصار نميري – بدعم مصري وليبي مباشر ثبت وفق مصادر عدة – السيطرة على السلطة (ويكيبيديا، انقلاب 1971 في السودان؛ خلف، 2022). وقد أعقب هذا الانقلاب المضاد إعدام أبرز قيادات الحزب الشيوعي، وعلى رأسهم الأمين العام عبد الخالق محجوب نفسه، الذي وُلد في حي السيد المكي بأم درمان في 23 سبتمبر 1927، ودرس في جامعة فؤاد الأول بمصر قبل أن يُطرد منها عام 1948 بسبب أنشطته السياسية، وأُعدم شنقاً في سجن كوبر في الساعات الأولى من صباح الأربعاء 28 يوليو 1971، إلى جانب جوزيف قرنق والشفيع أحمد الشيخ وهاشم العطا نفسه (ويكيبيديا، عبد الخالق محجوب)، وهو ما يوحي بأن العلاقة بين الطرفين لم تكن تحالفاً استراتيجياً مستقراً بقدر ما كانت شراكة اضطرارية هشة سرعان ما انقلبت إلى قطيعة دموية شملت الحزب نفسه ضحيةً لاحقة للقمع الذي شارك هو نفسه في تبريره وربما في بعض تفاصيله التنفيذية عام 1970.
أرقام الضحايا المتنازع عليها: تفاوت إحصائي يعكس غياب التحقيق المستقل
تتفاوت تقديرات الضحايا بشكل كبير وملحوظ بين المصادر المختلفة، وهو تفاوت يعكس في حد ذاته غياب أي تحقيق دولي أو وطني مستقل ونزيه حسم هذا الملف حتى اليوم رغم مرور أكثر من نصف قرن على وقوعه. فبينما صرّحت حكومة مايو رسمياً في حينها بأن عدد الضحايا الإجمالي من الطرفين، الأنصار والجيش معاً، لم يتجاوز 370 قتيلاً، تشير وثيقة بحوزة نصر الدين الهادي المهدي – نجل الإمام القتيل – إلى أن العدد الفعلي للقتلى تجاوز 924 قتيلاً، دون أن يخضع هذا الرقم الأخير بدوره لأي تدقيق مستقل موثق (بشري، 2022). وفي مقابل هذين التقديرين المتباينين نسبياً، وفي مسجد ود نوباوي وحده، تسجل المصادر الصحفية المعاصرة رقماً محدداً بلغ 261 قتيلاً و53 جريحاً من الأنصار، إلى جانب 872 معتقلاً، مقابل خسائر عسكرية بلغت أربعة ضباط وثلاثة وثلاثين من الرتب الأخرى (الصيحة، 2020). أما على مستوى معركة الجزيرة أبا الأوسع نطاقاً، فتذهب مصادر موسوعية أخرى إلى تقدير وسيط يشير إلى سقوط ما يقارب ثلاثة آلاف قتيل خلال المعركة وحدها، من أصل نحو ثلاثين ألف من الأنصار المحتشدين في الجزيرة (ويكيبيديا، الجمهورية الديمقراطية السودانية)، وهو رقم يقع في مرتبة وسطى بين التقدير الحكومي المتحفظ والتقدير الأسري المرتفع نسبياً. كما تتداول بعض المصادر الرقمية الأحدث والأقل توثيقاً أرقاماً أعلى بكثير تصل إلى اثني عشر ألف قتيل، وهو ما يستدعي حذراً منهجياً شديداً ومضاعفاً في التعامل مع هذه الأرقام المتطرفة نظراً لغياب أي إسناد وثائقي مباشر وموثوق يدعمها، ونظراً لكونها ترد غالباً في مصادر تجميعية ثانوية لا ترقى إلى مستوى المصدر الأولي أو شبه الأولي.
وقد اقتصرت المصالحة الوحيدة التي جرت لاحقاً بين طرفي هذا الصراع الدموي على لقاء شخصي رمزي جمع بين الصادق المهدي وجعفر نميري في مدينة بورتسودان عام 1977، ضمن إطار “المصالحة الوطنية” الأوسع بين النظام المايوي والمعارضة، دون أن يصاحب هذا اللقاء أي تعويضات مادية أو معنوية لأسر الضحايا من الأنصار، ودون حصر دقيق أو رسمي للخسائر البشرية والمادية الناجمة عن أحداث 1970، ودون تقديم أي اعتذار رسمي صريح من الدولة السودانية لمواطنيها المتضررين، أو من زعماء الطائفة الدينية أنفسهم لشهدائهم، حيث اكتفى خطاب الطائفة الرسمي بوصف الضحايا بأنهم نالوا نصيبهم من “الشهادة” وفق مفهوم البيعة الديني التقليدي القائم على طاعة ولي الأمر، وهو ما يُعد فجوة كبيرة في مسار العدالة الانتقالية السودانية ظلت مفتوحة حتى اليوم (بشري، 2022).
خاتمة نقدية
يكشف هذا الاستعراض الموسع أن الجدل حول دور الحزب الشيوعي السوداني في مقتل الأنصار من ود نوباوي والجزيرة أبا إلى الحدود الإثيوبية لا يحتمل حسماً قاطعاً في أي من اتجاهيه المتطرفين، وأن أي محاولة لاختزال هذا الملف المعقد في رواية أحادية – سواء كانت إدانة شاملة للحزب أو تبرئة مطلقة له – تنطوي على تبسيط مخل بالحقيقة التاريخية المركبة. فرواية الإدانة الكاملة التي تُحمّل الحزب الشيوعي بصفته التنظيمية الرسمية مسؤولية التخطيط لتنفيذ المجزرة تفتقر حتى الآن إلى دليل وثائقي حاسم وقاطع يثبت اتخاذ قرار حزبي مركزي رسمي بذلك، إذ تشير الوثائق الداخلية المتاحة للحزب – رغم محدوديتها – إلى توتر داخلي مبكر نسبياً مع النظام العسكري سبق حتى أحداث نوفمبر 1970 الأكثر شهرة في تصعيد القطيعة. في المقابل، تتجاهل رواية البراءة المطلقة التي يتبناها الأرشيف الرسمي للحزب حقيقة جوهرية لا يمكن القفز عنها، وهي أن الحزب كان شريكاً سياسياً فعلياً وعضوياً في السلطة التي ارتكبت المجزرة عبر وزرائه وضباطه، وأنه لم يصدر عنه لاحقاً – حتى بعد سقوط النظام المايوي عام 1985، ولا حتى بعد ثورة ديسمبر 2018-2019 – أي مراجعة نقدية علنية أو اعتذار صريح عن الخطاب التحريضي والإعلامي الذي ساهم بشكل مباشر في تصوير الأنصار كقوى معادية للثورة تستحق السحق، وهو صمت مطبق يثير تساؤلات مشروعة حول مدى جدية أي مصالحة وطنية شاملة لم تشمل هذا الملف حتى الآن.
والأرجح، استناداً إلى مجمل الأدلة المتاحة من المصادر الأولية والثانوية على حد سواء، أن المسؤولية التنفيذية المباشرة والحاسمة عن قرار القصف الجوي والمدفعي والاجتياح البري تقع بشكل أساسي وغير قابل للتنازع على عاتق مؤسسة الجيش السوداني وقيادة مجلس قيادة الثورة، وعلى رأسها جعفر نميري شخصياً بصفته الآمر الأعلى الفعلي، فيما تتحمل قيادة الحزب الشيوعي مسؤولية سياسية وأخلاقية واضحة عن التحريض الإعلامي والتبرير الأيديولوجي اللاحق والصمت المطبق حتى اليوم، وهي مسؤولية مشتركة بطبيعتها التنظيمية مع بقية الأطراف اليسارية والقومية العربية التي شاركت بشكل أو بآخر في تلك اللحظة السياسية الحرجة من تاريخ السودان الحديث، دون أن يعفي ذلك بأي حال النظام العسكري نفسه من كونه الفاعل الأول والأخير في قرار القصف وتنفيذه الميداني الفعلي. ويبقى غياب أي تحقيق دولي أو وطني مستقل ونزيه، وغياب أي مصالحة وطنية شاملة تتضمن جبر الضرر المادي والمعنوي والاعتراف الرسمي الكامل بالضحايا وأسرهم، هو العائق البنيوي الأكبر أمام إغلاق هذا الملف التاريخي المفتوح والمتنازع عليه، الذي ما زال يُستدعى دورياً حتى اللحظة الراهنة في الصراعات السياسية السودانية المتجددة كأداة لتخوين الخصوم السياسيين المعاصرين أكثر منه موضوعاً حقيقياً للتحقيق التاريخي الرصين والعدالة الانتقالية الجادة القائمة على الوثائق لا على الرواية الأيديولوجية المسبقة.
المراجع
- بشري، حامد. إضاءة على أحداث الجزيرة أبا وإفادة نصر الدين الهادي المهدي مع عدلان عبد العزيز. سودانايل. 2022. تاريخ الاطلاع: 26 يوليو 2026.
- خلف، حسن ريكان. جعفر محمد نميري والحزب الشيوعي السوداني وأثره على الوضع الداخلي 1970-1971. المجلة الدولية للعلوم الصحية. 2022؛ 6(العدد الخاص 6): 1504-1516. تاريخ الاطلاع: 26 يوليو 2026.
- رابح، شاكر. ذكرى مذبحة الجزيرة أبا. صحيفة الصيحة. 2022. تاريخ الاطلاع: 26 يوليو 2026.
- رصاص، محمد سيد. دراسة عن الحزب الشيوعي السوداني (1946-1971). دمشق: المركز العربي للدراسات الاستراتيجية. منشورة على سودانايل، 2022. تاريخ الاطلاع: 26 يوليو 2026.
- طلحة، مختار. شهادة شاهد عيان على ملابسات مقتل الإمام الهادي المهدي، كما نقلتها صحيفة الراكوبة. 2010. تاريخ الاطلاع: 26 يوليو 2026.
- عمر، أمين حسن. محمد صالح عمر: قيادي إسلامي سوداني مات على يد الشيوعيين. عربي21. 2021. تاريخ الاطلاع: 26 يوليو 2026.
- Gresh A. The Free Officers and the Comrades: The Sudanese Communist Party and Nimeiri Face-to-Face, 1969-1971. International Journal of Middle East Studies. 1989; 21(3): 393-409.
- القدال، محمد سعيد. الحزب الشيوعي السوداني وانقلاب 25 مايو. الخرطوم: [دار النشر غير محددة]. 1996.
- مسار، عبد الله. عظماء من بلادي: الإمام الشهيد الهادي المهدي. صحيفة النيلين. 2022. تاريخ الاطلاع: 26 يوليو 2026.
- مطر، فؤاد. الحزب الشيوعي السوداني: نحروه أم انتحر؟. بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون. 1971.
- Niblock T. Class and Power in Sudan: The Dynamics of Sudanese Politics, 1898-1985. Albany: State University of New York Press; 1987.
- Warburg GR. Islam, Sectarianism and Politics in Sudan Since the Mahdiyya. London: Hurst; 2003.
