سؤال إلى الأغلبية الصامتة: سامعين؟ هل تأتي مع نهاية شهر أكتوبر بداية لفهم ووعي حقيقي بما يحدث؟ تلك اللعبة الجهنمية, “لعبة فترة الإنتقال”.
مازن سخاروف: ديمقراطيات إنفجارية (2) خبايا الإنقلاب الأمريكي: جِفري لـَبَدْ والبرهان يبصم بس
واحد: رجل الشارة الذي أعطى الإشارة
ذكرت في الثانية من سلسلة مقالات “ديمقراطيات إنفجارية”, والمرقمة صفر. ألف (“دقسة” سودانايل وإقحام إسرائيل في انقلاب البرهان), إقتباس (1):
رأيي أن إسرائيل, أيها السادة تعمل تغطية على الأيادي الحقيقية الخفية وراء الإنقلاب. ولا أستطيع سوى ذكر ما يعرفه الجميع, وهو مغادرة المبعوث الأمريكي السودان المنكوب عشية الإنقلاب (المبعوث جيفري فِلتمان وصل الخرطوم الجمعة 22 أكتوبر, وغادرها الأحد 24 أكتوبر كما أوردنا, أي عشية الإنقلاب). يعني بالعربي النجيض, أدى الإشارة وشتت. في تقديري, فلتمان لم يطلع على الإنقلاب (رسميا على الأقل). لكن هذا لا يمنعه من إرسال الرسالة إلى من يهمه الأمر وتفقد اللمسات الأخيرة من وراء حجاب. يمكن أن نقول, أدى دوره في التغطية ثم إنسحب. السي آي إيه تؤدي الجزء القذر, بينما قسم الدولة (وزارة الخارجية*) الذي يمثله فلتمان يتركه لتأدية شخصية الرجل المهذب فوق الشبهات. هذا طبعا لا يمنع الولد المهذب فوق مستوى الشبهات من التنسيق قبيل “ساعة الصفر” مع كل المشبوهين المعتادين في دنيا الإجرام السياسي داخل وخارج السفارة الأمريكية: بما يشمل مديرة “المحطة” في الخرطوم. وتلك حجية أخرى.
أنهِ الإقتباس.
جفري فلتمان, رجل الإنقلاب: “فص ملح وداب”.
لم أعثر على أي مقابلة أو تصريح “حي” بصوت السيد جِفري فلتمان, مبعوث الإدارة الأمريكية للسودان منذ يوم الإنقلاب 25 فبراير 2021. كل ما يحدث هو “جاكات” تطلقها الصحف ووسائل الإعلام المختلفة والمسؤولون الأمريكان كما الأجانب (2) يشقشق بها إنابة عنه على موقع تويتر قسم الشؤون الأفريقية بوزارة الخارجية الأمريكية
Bureau of African Affairs
الفضيحة: لبد أربعة يوم
يوم الإنقلاب, 25 أكتوبر شقشقت عصافير قسم الشؤون الأفريقية المعنيّ مغردة إنابة عن فِلتمان؛ إقتباس (3), ترجمتي:
المبعوث الخاص فِلتْمان: الولايات المتحدة شديدة القلق بشأن تقارير عن إستيلاء عسكري على السلطة الإنتقالية. هذا يخرق إعلان (الوثيقة) الدستوري والتطلعات الديمقراطية للأمة السودانية وأمر غير مقبول على الإطلاق (1 من 2).
هذه التغريدة يوم الإنقلاب سُلق بعدها فلتمان كما قسم الشؤون الأفريقية بألسنة حداد على يد جماهير تويتر, إبتداءً بإحداهن وتسمي نفسها مايا دي. ضمن التعليقات الساخرة, إقتباس ترجمتي: “حدث (الإنقلاب) مباشرة بعد لقاء فلتمان البرهان. يا محاسن الصدف!”
حسب حساب قسم الشؤون الأفريقية على تويتر, سكت لسان فلتمان عن الكلام المباح فلم ينطق مرة أخرى (من وراء حجاب قسم الشؤون الأفريقية الذي يقتبس عنه طبعا) حتى يوم أمس الخميس 29 أكتوبر (أكتب مقالتي هذه يوم الجمعة 30 أكتوبر 2021) كما أناب عنه قسم الشؤون الأفريقية؛ إقتباس (4), ترجمتي:
مرحى لبسالة أولئك المحتجين في السودان تعبيرا عن طموحاتهم الدستورية.
إنتهى الإقتباس. فِلتمان (أو من يغرد إنابة عن الرجل) أرفق صورة لمتظاهر يرفع علمنا عاليا على خلفية أدخنة إطارات سيارات تحترق. طبعا لم تسلم تغريدة يوم 29 من الإستهزاء والسخرية. اللافت للنظر جدا في السلوك المريب لفلتمان “المتخفي” هو أن كل شخص ذي شأن إما تحدث بنفسه أو أصدر صوتا من حسابه الخاص به, بما يشمل: السفارة الأمريكية في الخرطوم, وزير الخارجية الأمريكي بلنكن و نِد برايس المتحدث بإسم وزارة الخارجية الأمريكية والذي يعقد جلسة تنوير كل يوم للصحافيين. برايس طبعا أحد الذين أوردوا إفادات الرجل الخفي أو المخفي فِلتمان.
السيد رجل الإنقلاب الأمريكي:
نتساءل مع الجماهير, “فِلتمان وينو”؟. وينك يا مان, أظهر وبان عليك الأمان.
إثنان: وبرهان الذي بصم.
إن قدرة الأنقلوساكسون على عمل الإنقلابات والمجازر ثم التظاهر بانفعال من يسمع خبرا مثيرا هو أمر متكرر ومعتاد لدرجة الممثل الفاشل. ألفت إنتباه القراء للوثائق الأمريكية المختصة بإنقلاب عبدالله خليل (التسمية الأصح بدل إنقلاب عبود). وأدين بالفضل هنا للمخضرم محمد على صالح الذي جمع الوثائق بعد الإفراج عنها وترجمها ونشرها لفائدة الباحثين في عدة مواقع, منها صحيفة السوداني, ومواقع شبكية تشمل موقع سودانايل (قبل أن يتم تغيير نظام الأرشفة فـ”يطش” السستم ويذهب الكثير من نفيس المقالات غثاء السيل والكاتب للأسف آخر من يعلم). إقتباس:
خطاب وزير الخارجية دالاس
الرابع من نوفمبر 1958
من: وزير الخارجية دالاس
الى: السفير، الخرطوم
“… يجب ان تجتمع سرا مع رئيس الوزراء عبد الله خليل، وتساله عن تقارير في صحف سودانية باننا نخطط لانقلاب عسكري في السودان.
ويجب ان تقولوا له ان مصادرنا الخاصة كشفت وجود تحركات لتنفيذ هذا. وان الشيوعيين وعناصر في المعارضة ينشرون هذه الاخبار. ويحشدون الشعب ليمنع تنفيذ الانقلاب، وليعارض اي حكومة تأتي بعد الانقلاب. ويكررون اننا وراء هذه الخطة.
يجب ان تسألوا خليل عن هذه المواضيع.
يجب ان تقولوا له انه، مهما كان رايه هو، تنتشر اخبار في السودان، وخارج السودان، بانه يخطط لانقلاب عسكري…
وابضا، وصلتنا تقارير من مسئولين بريطانيين وفرنسيين بانهم حصلوا على معلومات بان خليل يخطط لانقلاب عسكري في المستقبل القريب.
يجب ان تقولوا له بانه اذا، حقيقة، يخطط لذلك، لم يعد هذا التخطيط سرا. وها هي صحف الخرطوم تكتب عنه. لهذا، يمكن ان يعرقل كشف الخطة تنفيذها.
يجب ان تقولوا له انه، اذا فشل الانقلاب، سيخسر خسارة كبيرة. وستتضاعف اتهامات الشيوعيين لنا، وباننا وراء الانقلاب الفاشل.
يجب ان تقولوا له اننا نفضل ان يضع خليل جانبا اي خطة لتنفيذ الانقلاب في الوقت الحاضر.
ويجب ان تنقلوا لنا رأيه … “
المصدر (5)
إقتباس ثان:
الثامن من نوفمبر 1958 (قبل الإنقلاب بتسعة أيام, إضافة سخاروف)
رد خليل على دالاس
من: السفير، الخرطوم
الى: وزير الخارجية
“… حسب تعليماتكم، قابلت رئيس الوزراء عبد الله خليل. وتحدث معه عن النقاط التي اشرتم اليها. وهذا ملخص رايه:
اولا: لا يخاف من الشعب السوداني، مؤيديه له، ومعارضين له. لكنه يخاف من النفوذ المصري، وهو نفوذ قوي وخطير.
ثانيا: يتابع مؤامرات المصريون مع قادة حزب الشعب الديمقراطي والحزب الوطني الاتحادي لاسقاط حكومته لتنفيذ مطامع عبد الناصر التوسعية.
ثالثا: يفكر في نصيحة من مؤيديه بطرد وزراء حزب الشعب من وزارته. وادخال اتحاديين يقبلون التعاون مع حزب الامة…
وقال لي خليل انه يرى ان على عبد الرحمن، زعيم حزب الشعب الديمقراطي، ووزير الداخلية في حكومته، واسماعيل الازهري، رئيس الوزراء السابق، والان في المعارضة، يراهما عميلين حقيقيين لمصر …
وقال خليل ان الازهري اتفق مع عبد الناصر على التحالف العسكري معه. وان ناصر يمكن ان يقبل سودانيا ليكون وزيرا للخارجية (اذا انضم السودان الى الجمهورية العربية المتحدة).
وقال خليل ان القوات المسلحة تحت سيطرته. وستنفذ اي امر يصدره لها، اذا دعى الحال (لانقلاب عسكري). لكنه يأمل، ويتوقع، الا يصدر هذه الامر. غير انه يريد ان يكون واعيا، ويتخذ خطوات احتياطية لمنع تحركات مفاجئة من جانب القادة السودانيين المؤيدين لمصر.
(..)
رأينا:
اولا: لا اشك في ان خليل يريد حلا دستوريا للمشكلة الحالية في السودان.
ثانيا: قال لي السفير البريطاني في الخرطوم انه، حسب معلوماته، اتصل قادة في القوات المسلحة مع خليل، وقالوا انهم يريدون القيام بانقلاب عسكري. وان صبرهم قد نفذ. لكن، قال لهم خليل ان ينتظروا حتى يسافر الى، ويعود من، اثيوبيا. والا يتخذوا خطوات غير دستورية …
ثالثا: اذا استعمل خليل القوة لاسقاط حكومته المدنية، ووقع الانقلاب العسكري، ستكون هناك نتائج لا يعرفها احد. لكن، سيكون ذلك افضل من الكارثة المؤكدة التي ستحدث للمصالح الغربية اذا صار على عبد الرحمن، وغيره من حلفاء عبد الناصر، قادة للسودان
إنتهى الإقتباس. المصدر السابق
الذي نحن بصدده أيها السيدات والسادة, أن العميل عبدالله خليل يطلع الرئاسة الأمريكية على تفاصيل الخيارات الجهنمية في “ون تو” للخيانة لم يسبق مثلها في البلاد. لكن مشكلة الخيانة في السودان وفي كل فترات الإنتقال, أن القضاء السوداني وبقية الأجهزة العدلية من شرطة وتحري ونيابة ليس مؤهلا أو من النزاهة بحيث يرتفع إلى مستوى المسؤولية لكي يكشف للجماهير الحقائق أولا عن الإنقلابات, ثم يقضي بالعدل على الذين أجرموا. لكن إذا كان حاميها حراميها, ألا فلعنة الله على الخائنين. الإنقلابات في السودان, بما يشمل إنقلاب عبود لم يسفر التحقيق فيها عن “مفاجئات كبيرة”. ففي التحقيق في إنقلاب عبود, تم استدعاء عبدالله خليل ليدلي بشهادته ولم يُحاسب حسابا عسيرا, بل لقي أسئلة لطيفة مهذبة وخرج الرجل ولم يعلم أهل السودان حقيقة الإنقلاب (6)
إذا تسنى لنا تعلم دروس الخيانة كل ما نحتاجه لكشف طلاسم لغز إنقلاب البرهان هو كشف محضر ما دار بين الرجل الذي أعطى الإشارة, وبرهان الذي بصم – إضافة طبعا لمحضر تحركات واجتماعات السي آي إيه بـ”البصام” وبقية “التيم”. وهذا طبعا يقودنا للحديث عن “محطة” الوكالة المركزية بالخرطوم ورئيستها الميمونة.
وصلة:
تساءلت في الحلقة السابقة مباشرة, أي ثالث الحلقات بعنوان, ديمقراطيات انفجارية (0.ب): السياسة في السودان و”المشكلة الأنقلوساكسونية” (7), إقتباس:
“لماذا دون كل المستعمرات, ومن بين كل الأجناس السوداء والصفراء إختار الإنجليز أن يُتبعونا مباشرة لمخابرات الإمبراطورية, وليس من وراء حجاب مكتب المستعمرات؟ سؤال جدير جدا بالإعتبار. أجيب عليه في مقبل الحلقات”.
إجابة السؤال أن الحكومة البريطانية إستولت على رموز وحضارة أجدادنا, مثل الأهرام وعين حورس وأدوات القياس والعمارة, ناهيك عن العلوم نفسها: الفلسفة, الرياضيات, الفلك وقس على ذلك .وحتى نيلنا وحيواناتنا. ولذلك فهم يعرفوننا جيدا. يعرفون معدن الإنسان السوداني الذي شيطنوا إرثه وزوروا تاريخه فتوزعت حضارته بين قبائل الدنيا. لا توجد عاصمة أوربية إلا وحوت شيئا من آثار السودان: كنوز, توابيت, بُرديات. فكيف يمكن التحرك إلى الأمام والأرشيف “الرسمي” لأرض الأجداد مفبرك؟ و”وليدات الإنجليز” بيننا وفينا؟
—————-
(1) رابط المقالة:
https://sudanile.com/%D8%AF%D9%8A%D9%85%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%B7%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%86%D9%81%D8%AC%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%A9-0-%D8%A3-%D8%AF%D8%AE%D8%A7%D8%AE%D9%8A%D9%86%D9%83-%D8%AF%D9%82%D8%B3%D8%A9/
(2) من الأجانب على سبيل المثال, مبعوث الأمم المتحدة للسودان في مؤتمر صحافي بين الخرطوم وواشنطن.
(3) رابط المصدر بتويتر:
https://twitter.com/AsstSecStateAF/status/1452515422901784577
(4) رابط المصدر بتويتر:
https://twitter.com/AsstSecStateAF/status/1454131066806181892
(5) وثائق امريكية عن سنوات عبود (1 من 20), محمد علي صالح, نشرت بموقع الراكوبة بتاريخ 5 يونيو 2013.
(6) التحقيق في إنقلاب عبود ذكرته روز فيرست في كتابها (بالإنجليزية), ماسورة البندقية:
Barrel of a Gun
(7) رابط المقالة:
https://sudanile.com/%D8%AF%D9%8A%D9%85%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%B7%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%86%D9%81%D8%AC%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%A9-0-%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B3/
إفتتاحية المقالات هنا, ديمقراطيات إنفجارية (1): الخوازيق, الأنقلوساكسون, الإنقلابات ولعبة فترة الإنتقال .. بقلم: مازن سخاروف:
https://sudanile.com/%D8%AF%D9%8A%D9%85%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%B7%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D8%A5%D9%86%D9%81%D8%AC%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%A9-1-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D9%88%D8%A7%D8%B2%D9%8A%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%86%D9%82/
==
مازن سخاروف
jsmtaz2014@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم