Jou_shagag@hotmail.com
في اللحظة التي وصل فيها مقدِّم الورقة العلمية إلى قوله تعالى : (وما خلقتُ الجِنَّ والإنسَ إلاَّ ليعبدون ) ؛ اقتحم الخيمةَ المنصوبةَ في ذلك الصقيع إعصارٌ لولَبيٌّ له عزيفٌ وطمطماتٌ وقعقعاتٌ ، دارَ دورتين كاملتين ثم خرج من حيث دخل كنسْر كاسرٍ يحمل بين مخالبه العمائم ، الشالات ، الطاقيَّات ، اللُّحى ،رابطات العُنق ، الخُمُر ، الطِراح ، القُبَّعات ، المقانع ،الخُصَل التائهة ، الرموش والأظافر الاصطناعية والأوراق العلميَّة ،ثم يمَّم وجهه اللعين عنانَ السمــاء المتجهِّمة !
الصمتُ الرهيب ..الأبصار الزائغة ..الرؤوس الحافية ..الكراسي الكاشفة عن سوقِها ..المناضد العارية النُّحور ..المِنصَّة الحليقة ..مُكبِّرات الصوت المُقْعَدة ..شاشات المُشاهدة الخانسة ! حاملات المُلصَّقات المُطأطئة رؤوسها كعِقْبان هَرِمة ،هدَّها طولُ المسير وأنهكتْها طواحينُ الهواء ،فحطَّتْ على مفارق أشجارٍ جرداء في وادٍ غير ذي زرع !الصحون المُكبِّة على وُجوهها تحت الأرجُل وعلى الأرضية المعفَّرة بمعجون التراب والعرَق والكوكا كولا اللازب !
قبل أن يفيق الوُجوم أو قبل أن يقوم المؤتمرون من مُقَامِهم ذاك ؛ أتى الخيمةَ – من دُبُرٍ- هذه المرَّة إعصارٌ عموديٌّ كرُمحٍ أصمًّ ،انغرسَ في قلبها قبل أن يتفجَّر وبَراً وصوفاً وريشاً وجلوداً ومخالب وقوادم لحيوانات نافقة ، أوراق ذابلة ،تِبْن ، أسمال ، أكياس نايلون و قصاصات ورقيَّة ،انتشرتْ جميعاً في فضاء الخيمة الحالك ! إلاَّ أنه وقبل أن يرتدَّ طرْفُ ذهول المؤتمرين إليهم ؛ فإذا بإعصارين جامحين دائريَّين يطوفان حول الخيمة سبعاً لينفذا إليها – بعد ذلك – ويقتلعانها من أوتادها ويقطعان أسبابها ويعصفان بِنِتَفِ خِرَقها عالياً ، فيختلط الحابل بالنابل ؛ صُراخاً و أنيناً واستغاثات !
بروفيسور (الأمين) يطلُّ من خلف عدسةٍ واحدةٍ بقيت من نظَّارته السميكة رافعاً صوته الفخيم : اخرجوا فوراً ..يدعمه صوت من ذوي القبَّعات التي تخطَّفها الإعصار الأول : اخلوا المكان ،هيَّا ..إجلوا كُلَّ مَن بالداخل ! د. (أماني) تقول ضاحكةً في هستيريا : من أين نخرج يا هؤلاء ، نحن نفترش الأرض ونستظل الغُبار ! غير أنها عادتْ وقالت : من أيِّ بابٍ ننفذ إلى أٌقطار السماء ؟ أو نخرق الأرض ؟ هه ، سُحقاً أين هاتفي ،نظَّارتي ، جزمتي ، خُماري ، رأسي ، رِجلي ، يدي …..! أستاذ (الطيِّب) ظلَّ كالصاري مُثبِّتاً بيديْهِ الطويلتين أحد أعمدة الخيمة أو قُل – إن شئتَ الدقَّة – أعمدة الهواء !وهو يستحثُّ الآخرين – ولا آخرين – أن اخرجوا من هنا سريعاً سريعا ! بروف (هميمة) ظلَّت تنظر من خلال ثنية إبهامها وسبَّابتها بحسرةٍ على تغيير سلوك ذكر (البجع) – لقسوة المُناخ الفجائيَّة- الذي يغازل قمريَّة على البرج الكهربائي ذي الضغط العالي ، مُباهياً بريشه المزركش وألوانه الجذّابة ، يُداعب قمريَّته بكيسه المُتدلِّي أسفل منقاره غير آبهٍ بغيرةِ بنات جنسه ، ولا فروقات الفصائل ولا زمان التكاثر ولا ثورة العاصفة التي لا تُبقي ولا تذَر !
(عمَّار ) ظلَّ يُردِّد شعار المؤتمر دون كللٍ أو ملل وهو جالسٌ تحت كرسيٍّ مقلوبٍ رأساً على عقب : (خُضرة واحاء في كلِّ جدبٍ أرضاء) وهو يعني : ( واحة خضراء في كلِّ أرضٍ جدباء )!! أما هديل الباحثة البيئيَّة الشهيرة بـ (هُدْهُد) فقد أخذت تتقافز على المناضد وهي تمارس طفولةً اضطراريَّة : (أريـكـا عميــاء ..أريـكـا عميــاء) ! و (سوسو) تتبعها لغرض التوثيق جاعلةً يدها مغلولةً إلى عُنقها كمن يودُّ أن يلحس كوعه ،كما أنها لا تنسى إصدار صوتٍ فمويٍّ متناسق يحاكي صوت الكاميرا : (كِرِجْ كِرِجْ ) ! ولكن ذات لقطةٍ مُثيرةٍ عندما تهاوت (هُدهُد) بعد أن سبَّبتْ أذىً جسيماً لأحد الكراسي ؛سقطت على (سوسو) المتقرفصة حِرصاً على رصد السقطة !!ففقدت أنفاسها لحظاتٍ لولا ملاك الرحمة ؛ طائر السِمْبِر أبْ قدّوم الهابط من السماء – كما ستروي سوسو لا حقاً – الذي حطَّ على صدرها ليُجري لها عملية تنفيس سريعة مانحاً إيَّاها قُبلة الحياة ؛ لكانت في عداد الموتى ، أو كما قالت!
وما أن هدأت العاصفة ، وانجلتْ الغُمَّة ، وأسفرتْ الشمس عن سوءات المؤتمرين العُراة الحُفاة إلاَّ من جلابيب التراب وعباءات العواصف ؛ حتى وقف موفَد التلفزيون مُمسكاً سرواله بكلتا يديْهِ ، شاهراً عقيرته : هكذا سيِّداتي سادتي نقلنا لكم فعاليات مؤتمر (تعرية التُربة) من مدينة (الصنقرارة) تحت شعار : واحةٌ خضراء في كُلِّ أرضٍ جَدباء !حتى نلتقيكم في (كتَّاحة) أخرى نترككم في رعاية الله والسلام .
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم