رجل من دلقو وإعادة كتابة التاريخ .. بقلم: عاطف عبدالله


رواية رجل من دلقو للكاتب الحسن محمد سعيد إصدار دار مدارات 2019
في ذكرى ثورة 24 نوفمبر 1924
هناك لحظات فاصلة في تاريخ كل أمة، تلك التي تجرى فيها أحداث جثام، وفي تاريخنا الحديث نجد إحدى تلك اللحظات قد تجسدت في يومي 27 و28 نوفمبر 1924 أو أحداث ثورة 1924 والتي أطلق عليها حرب النهر الثانية التي انطلقت شرارتها من سجن كوبر ببحري.. المعتقلين السياسيين من قيادي جمعية اللواء الأبيض (زنازين طلبة المدرسة الحربية المعتقلين المقيدين بالسلاسل) حطموا أبواب الزنازين، اقتحموا ورشة السجن وحطموا قيدوهم وانطلقوا… هتفوا بحياة الملك فؤاد وبحياة الزعيم سعد زغلول ووحدة وادي النيل ..
في الخارج كانت ترابط الفرقة البريطانية .. تتربص بالحامية المصرية التي أذلها قرار إجلائها من السودان (خلال 24 ساعة) … بسبب مقتل السردار الإنجليزي في القاهرة (السير لي استاك) .. الأحداث تتصاعد، الفرقة البريطانية كانت تحت أسوار السجن، وقريبة منها كانت (الأورطة 11) السودانية مهمتها كانت حراسة الخرطوم بعد جلاء القوات المصرية منها. والتي كانت ترابط على مرمى منهما في الخرطوم بحري (القوات المصرية بقيادة القائمقام أحمد بك رفعت) .. ثلاث قوات اجتمعت على ضفتي النيل الأزرق، إنجليزية وهي الأكبر والأعتى، ومصرية وهي التي تليها قوة وعتاد وسودانية عبارة عن أورطة صغيرة يقودها الملازم عبد الفضيل الماظ. اشتبكت القوتان الكبرى والصغرى فيما صار يعرف تاريخياً بمعركة النهر الثانية أو ثورة 1924فيما اختارت القوى الوسطى موقف الحياد.
لا شك في أن المؤلف الأستاذ الحسن محمد سعيد قد بذل جهداً مقدراً في روايته رجل من دلقو التي يوثق فيها سيرة المناضل السوداني سيد فرح صالح احد أبطال تلك المعركة والذي وصفه الأستاذ ياسر عرمان بأيقونة التاريخ المنسية ..
ذلك التناول لم يكن أمراً سهلاً فحياة الضابط سيد فرح تكاد أن تكون أقرب للأساطير منها للحياة الواقعية فالرجل أحد ثوار حركة ثورة 1924 تلك الملحمة الدامية التي استشهد فيها البطل عبد الفضيل الماظ، وهو الذي شق صحراء العتمور وحيداً من مدينة الشلال في الحدود المصرية وصولاً إلى الأراضي الليبية سيرا على الأقدام، وهو الثائر الأممي الذي واجه الصلف البريطاني في السودان والعنجهية الإيطالية في ليبيا، بعد خوضه معارك عديدة ضد الطليان مع المناضل الليبي عمر المختار وأرتقى بين قواته حتى صار أمين سره وسكرتير الخاص وأصبح أكثر المطلوبين حيا أو ميتا لأكبر قوتين على ظهر البسيطة في ذلك الوقت الانجليز والطليان، وهو قائد سلاح حرس الحدود المصري بعد صدر عفو عام بعد معاهدة 1936 ومأمور الواحات الغربية ثم محافظاً لمرسي مطروح ويعتبر مؤسس نهضتها الحديثة.
“رجل من دلقو” في حقيقته سيرة ذاتية في قالب روائي حافل بالإثارة والتشويق ذلك من خلال تناوله الدقيق لمغامرات البطل السوداني سيد فرح منذ طفولته بالمنطقة الشمالية وعلاقة اللورد كتشنر بجده صالح عمدة دلقو حيث طلب كتشنر من العمدة صالح ان يرسل احد ابناءه لتلقي التعليم الرسمي بكلية غردون ولما لم يكن للجد أي ابن في مرحلة الدراسة رشح حفيده سيد الذي انتقل للخرطوم ودرس الابتدائية بكلية غردون ومن ثم المدرسة الحربية وتخرج ضابط ملازم أول وانضم للأورطة 11 بعدها بدأت الحياة تحلق به في مغامرات وأهوال أغرب من الخيال واجهها بشجاعة فرسان القرون الوسطى وأبطال الأساطير الإغريقية.
رواية (رجل من دلقو) والتي نطلق عليها مصطلح “رواية” جزافاً أو حسب طلب المؤلف والناشر إلا أنها ليست راوية بالمعنى الحرفي حيث أن الرواية كجنس أدبي يبنى على الخيال مهما كان مندغما مع الواقع، ويمكن للرواية أن تستلهم التاريخ فيما صار يطلق عليه مصطلح “المخيلة التاريخية” كما فعل عبد العزيز بركة ساكن في روايته (سماهاني)، إلا أن “رجل من دلقو” عبارة عن سيرة ذاتية يمكن ببساطة التعامل معها كوثيقة تاريخية سردت في قالب درامي السيرة الحياتية لشخصية لها مكانة مرموقة في تاريخ السودان الحديث هو سيد فرح صالح، والرواية سمت الأشياء بأسمائها وليس للخيال موضع فيها، تم بنائها وفقاً لحقائق ومواقف تاريخية موثق لها ومعلومة، وما يهمنا هنا تناولها لموقف القوات المصرية التي كانت ترابط على مرمى حجر من مجزرة حرب النهر الثانية التي استمرت على مدى يومين ولم يفتح الله عليها بمد يد العون لقوة صغيرة انتفضت غضباً من قرار الإنجليز بمغادرتها السودان خلال 24 ساعة، لا أدري لماذا حرص الكاتب على حفظ ماء وجه تلك القوات رغم تخاذلها عن نجدة من هبو للثأر لكرامتها ورد الاعتبار لها، قد يقول البعض أنه ليس هناك ما يؤكد انه قد تم اتفاق بين الطرفين على خوض تلك المعركة، إلا أن هناك ما يؤكد عكس ذلك.
الإشكال التاريخي في هذه المعركة لو لم يكن هناك أتفاق مسبق وتنسيق بين الفرقتين السودانية والمصرية فذلك يعني أن الأورطة السودانية أدخلت نفسها في مهمة انتحارية، حيث لا يعقل طائفة من بعض ضباط وجنود مدرسة ضرب النار بقيادة الضباط عبد الفضيل الماظ وحسن فضل المولي وثابت عبد الرحيم وسليمان محمد وعلي البنا ولحق بهم بطل هذه السيرة الملازم أول سيد فرح مع الفرقة 11 للاشتباك مع القوات الإنجليزية المرابطة كاملة التجهيز والعد والعدة فهي الرمي في التهلكة إذن.
بعد أن حمي وطيس المعركة عبر صاحب السيرة سيد فرح النيل سباحةً وهو جريح ليستفسر عن عدم تدخل الحامية المصرية رد عليه القائم مقام (أحمد بك رفعت) جاء في متن الرواية ص 52 ( .. لم نتفق معكم على ذلك الوضع!! لا يوجد التزام منا بالتدخل .. كما أن (الجبخانة) لدينا غير كافية حتى وإن رغبنا بالتدخل !! .. مع الآسف جاءنا الأمر بالرحيل من وزير الحربية من القاهرة، نحن لا نملك غير الأسف لما حدث لكم، وهو أمر بالغ الأسي وبالغ الحرج لنا) .. وفي مقطع آخر ص 64 يقول القائم مقام لسيد فرح (.. أنتم لوحدكم قررتم المواجهة .. ولم تشركونا معكم، ولم تأخذوا وجهة نظرنا، ولم يكن هناك اتفاق بالتدخل والمشاركة .. )
لم تكتفي الرواية في تقديم التبريرات لعدم مشاركة الحامية المصرية بل تمادى الكاتب أكثر من ذلك حيث أورد في أكثر من مقطع ما يوحي بأن ما قام به الثوار خطوة حمقاء لا أكثر ولا أقل:
حيث ذكر على لسان الملازم (رجب) وهو يخاطب سيد فرح : (.. ألا تظنون الآن أنها كانت مغامرة غير محسوبة؟! ألا ترى معي أنها كانت قفزة في المجهول؟! هل تصورتم أن هذا التمرد سيجبر الإنجليز على تغيير مواقفهم وسياساتهم؟! ) “انتهى النقل”.
وحتى يرسخ المؤلف فكرته في تزييف الحقائق ذكر في ص 93 وعلى لسان البطل سيد فرح: ( .. كنت وزملائي في الفرقة الحادية عشرة قد رفضنا الانصياع للإنجليز، وانضم إلينا بعض الرفاق من الضباط .. وكنا بصدد الانضمام للجيش المصري والذهاب معه إلى مصر بحكم أننا نتبع لمصر وفق قسم الولاء لملك مصر .. رفض الانجليز ذلك وتمت المواجهة العسكرية الدامية …) أي ان الاشتباك حدث صدفة أو في أسوأ الاحوال فرض عليهم وهو ما ينكره التاريخ.
الدكتور فيصل عبد الرحمن علي طه عرف أكثر ما عرف عنه الدقة والتزام المنهج العلمي الصارم في تقصي الحقائق، ذكر في سفره “الحركة السياسية السودانية” ما يستوجب التوقف عنده. رفضت حكومة سعد زغلول تنفيذ بعض مطالب الإنذار البريطاني واستقالت في 24 نوفمبر 1924 وخلفتها حكومة جديدة برئاسة أحمد زيور الذي قبل تنفيذ المطالب البريطانية تحت شعار “إنقاذ ما يمكن إنقاذه ” . وفي السودان عين هدلستون نائباً للسردار ونائباً للحاكم العام وكلف بمهمة إجلاء القوات المصرية عن السودان . انصاعت الكتيبة الرابعة وبعض المصالح المصرية كالأشغال والمهمات لأمر الإخلاء الذي أصدره هدلستون في 24 نوفمبر 1924. ولكن قوات المدفعية المرابطة في الخرطوم بحري والتي كان يقودها أحمد رفعت رفضت الامتثال لأمر الإخلاء، واشترطت صدوره من الملك فؤاد كما وضعت شروطاً أخرى تتعلق بحفظ كرامة القوات المصرية عند انسحابها. وقد ضمنت كل هذه الشروط في برقية بعث بها أحمد رفعت إلى الملك فؤاد في 25 نوفمبر 1924. وفي نفس التاريخ أي 25 نوفمبر 1924 عقد بالخرطوم بحري مجلس حربي ضم ضباطاً مصريين وسودانيين وقد قرر رئيس وأعضاء المجلس الحربي رفض أمر الإخلاء، والثبات إلى النهاية حتى يسلموا أرواحهم في أماكنهم. كما قرروا توحيد قيادة القوات المجتمعة في الخرطوم بحري، وأن يعهدوا بقيادتها لأحمد رفعت
اشعل قرار المجلس الحربي الحماس في نفوس الضباط والجنود السودانيين فتحركت في عصر يوم الخميس 27 نوفمبر 192 طائفة من ضباط وجنود مدرسة ضرب النار بقيادة الضباط عبد الفضيل الماظ وحسن فضل المولي وثابت عبد الرحيم وسليمان محمد وعلي البنا قاصدين الخرطوم بحري للانضمام لقوات أحمد رفعت. ولحق بهم في الطريق الضابط سيد فرح ومعه فصيلة من الكتيبة الحادية عشرة. ولكن في شارع النيل وعلى مقربة من المستشفى العسكري ( مقر وزارة الصحة الحالي ) اعترضتهم كتيبة إنجليزية في محاولة لمنعهم من اجتياز كوبري النيل الأزرق . والتحم الفريقان في معركة حامية التزمت إبانها قوات أحمد رفعت الحياد التام. وانتهت المعركة في نهار الجمعة 28 نوفمبر 1924 باستشهاد عبد الفضيل الماظ، واعتقال رفاقه الذين حكم عليهم بالإعدام، ونفذ فيهم جميعاً باستثناء علي البنا الذي خفض الحكم بالنسبة له للسجن، وهروب سيد مع الحامية المصرية.
كان يمكن لكاتب الرواية أن يسرد هذه الوقائع في حيادية لأنه تطرق لحدث تاريخي وحتى لو لم تؤخذ شهادته كوثيقة تاريخية لأنه انتحى منحى الرواية إلا أنها رواية تساهم في تغبش الوعي العام بالترويج لمعلومات خاطئة أو على الأقل مختلف عليها كان يمكن أن يتبع أضعف الإيمان ويسكت عنها لكن لا يصح بأي حال تزيفها لأجل تجميل موقف لجماعة أقل مل يمكن أن توصف به “متخاذلة”.
عاطف عبدالله
نوفمبر 2021
Atifgassim@gmail.com

///////////////////////


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!