حسام عثمان محجوب
نشر الأستاذ محمد عمر محمد الخير مقالاً بعنوان “ليس دفاعاً عن د. مرتضى الغالي، ولكن”، وما دفعني لكتابة هذا التعقيب أن كريمة الدكتور مرتضى قد نشرت مقال السيد محمد عمر في صفحتي في الفيسبوك وقد وعدتها بالرد عليه. أرجو بهذا التعقيب أن أغلق هذه الصفحة التي استطالت أكثر مما ينبغي.
استنكر السيد محمد عمر قيامي بنقد د. مرتضى، واتهمني بالتطاول عليه والشخصنة، ولي عنق الحقيقة، وادعاء النباغة في اللغة الإنجليزية، ومحاولة الانتصار للجيش وكامل إدريس، وإدارة معركة سياسية أو خلاف مع د. مرتضى.
بداهةً، ليس هناك شخص فوق النقد، ولا يتنافى النقد مع الاحترام أو يقتضي إحساس الناقد بالتفوق على المنتقد، ومن الطبيعي في الدوائر العلمية والمهنية أن يراجع ويصحح وينتقد التلاميذ أساتذتهم، فالنقد والنقاش من أسس تطور العلوم والمهن وكافة الأنشطة البشرية.
تحاشى الأستاذ محمد عمر التطرق لأخطاء د. مرتضى الفادحة في رده علي، حين زعم عنواناً لمقالي “كذب مرتضى الغالي وسردياته المُختلقة عن الجيش والبرهان وكامل ادريس” لا علاقة له بالعنوان الذي وضعته – قاصداً – للمقال “هذا المقال ليس عن كامل إدريس”، وحين ادعى في موضعين – أحدهما عنوان رده “دفاع عن حكومة الانقلاب من منصة (سودان بكرة)!..” – أنني نشرت المقال في منصة سودان بكرة، وهو ما لم يحدث، حيث أني نشرته في صفحتي في الفيسبوك ولم أقم حتى بإرساله لمنصتي سودانايل ومداميك اللتين أقوم عادةً بنشر مقالاتي العربية فيهما، ثم حين زعم أنني اتهمته بالكذب والاختلاق وطالبته بالاعتذار وهو ما لم يحدث، فلم أستعمل أياً من هذه الكلمات أو مشتقاتها أو مرادفاتها في مقالي.
أما الخطأ الأفدح الذي وقع فيه د. مرتضى وكرره السيد محمد عمر فهو اتهامهما لي بلي عنق الحقيقة والدفاع عن الجيش وكامل إدريس. وهو ما لم يحدث كما أعلنت في عنوان المقال الأصلي، وفي تعقيبي على رد د. مرتضى. ولكن، إغلاقاً لباب هذا الجدل الانصرافي، أوضح أني أتفق مع د. مرتضى في الأساسيات التي ذكرها وادعى أنني أختلف معه فيها، مع بعض الملاحظات الإضافية.
أنا مثل د. مرتضى لا أعترف بكامل إدريس رئيساً للوزراء لأنه (تعيين انقلاب)، ولا أعترف بالبرهان رأس دولة أو رئيس مجلس سيادة، وأؤمن بأن انقلابه كان ضد الثورة، وأنه مسؤول بصفة مباشرة وبمعاونة الدعم السريع عن مذبحة فض الاعتصام، وأنه مسؤول عن إشعال الحرب بمعاونة الكيزان لإجهاض الثورة.
إضافةً لذلك، فإنني كنت وما زلت رافضاً لانقلاب 25 أكتوبر الذي شرعنه د. عبدالله حمدوك في اتفاق 17 نوفمبر وعاد بموجبه رئيساً للوزراء، ورافضاً لانقلاب د. عبدالله حمدوك وقادة قوى الحرية والتغيير على الوثيقة الدستورية والتزاماتها ومواقيتها ونهج التوافق الذي أتى بهم ممثلين لجماهير ثورة ديسمبر. كما أنني لا أعترف بالبرهان رأساً للدولة مثلما لم أعترف بالبشير ولا أعترف بمعظم رؤوس دول جوارنا ومنطقتنا الذين وصلوا للسلطة بانقلابات أو بانتخابات مزورة، وأعتبرهم حكومات “أمر واقع”. وأنا أرى البرهان وحميدتي وعبدالرحيم دقلو وبقية أعضاء المجلس العسكري مسؤولين بصفة مباشرة عن مذبحة فض الاعتصام، كما أني أرى أن حميدتي وعبدالرحيم دقلو وكيزان الدعم السريع ودولة الإمارات يشاركون البرهان وكيزانه المسؤولية عن إشعال الحرب لإجهاض الثورة وللهيمنة على السودان.
غير أن مواقفي الشخصية من حكومة “الأمر الواقع” القائمة اليوم لا تعميني عن الإقرار بأن الأمم المتحدة ودولاً كثيرةً ومنظمات دوليةً عديدةً تعترف بها ممثلةً للسودان، وبالبرهان رأساً للدولة، وبكامل رئيساً للوزراء. يمكن هنا العودة لجلسة مجلس الأمن المخصصة لمناقشة الحرب في السودان في 19 فبراير الماضي، حيث تحدث ممثلو عشرين دولة من بينهم أعضاء المجلس الخمسة عشر وممثلو السودان والإمارات وتركيا والسعودية ومصر. رحب منهم بمبادرة كامل إدريس أو أكد على أهمية التنسيق مع الحكومة السودانية ممثلو سبع دول هي الصومال والكونغو الديمقراطية وليبيريا والصين وروسيا وباكستان وتركيا، بينما رحبت بتعاون الحكومة السودانية في الشأن الإنساني أو بمشاركة مندوب السودان في الاجتماع ثلاث دول هي كولومبيا والسعودية ومصر، ورفضت ثلاث دول إقامة أي حكومة موازية أو أكدت على سيادة السودان ووحدة أراضيه وهي اليونان والبحرين ولاتفيا. بينما لم تتضمن مواقف الدول الست الأخرى أياً من درجات التعاطي الإيجابي مع حكومة الأمر الواقع، وهي بريطانيا وفرنسا وأمريكا والدنمارك وبنما إضافةً للإمارات طبعاً.
وإذ أذكر هذه التفاصيل فإني أود أن أحول النقاش مع السيد محمد عمر من طريقة أركان النقاش الطفولية لتناول خلل لازم كثيراً من قوانا السياسية المدنية ومثقفينا وكتابنا طوال غالب عهد نظام الإنقاذ وتواصل – بنتائج كارثية – في مرحلة ثورة ديسمبر وما بعدها حتى الحرب المأساوية. وهو الاستهانة والاستخفاف بالخصوم وتضخيم الذات والغرور، مع جهل مريع بطرائق عمل العلاقات الدولية. كان هذا من مقاتل الفترة الانتقالية، فقد تواترت شهادات من “قادة” قوى الحرية والتغيير يحتفون فيها بانتصارهم على نظام المؤتمر الوطني وفلول الكيزان، ويعربون عن استخفافهم بشركائهم العسكر مستهينين بهم وبقدراتهم، وواثقين في أنهم كمدنيين سينجحون في قلب موازين القوى لمصلحتهم ضد العسكر. ولا أشك أن أولئك القادة كانوا وما زالوا ينظرون لعهد نظام البشير والعداوات التي خلقها مع العالم ويظنون أنهم بكفاءتهم وقدراتهم وعلاقاتهم قد أعادوا السودان لـ “حضن المجتمع الدولي”. وهاهم يراهنون على نفس القناعات في مواجهة كارثة الحرب. فالمجتمع الدولي بالنسبة لأولئك القادة هو أمريكا وبعض دول أوروبا الغربية، وبعض دول الخليج (مع أهمية ذكر أن كثيرين منهم لم يكونوا أبداً قادرين على استيعاب أن دول الخليج ليست كتلةً واحدةً، وأن مواقفها قد تتعارض وتتحول، وأن قدراتها اليوم شديدة الاختلاف عن تصوراتهم النمطية لها منذ السبعينات والثمانينات). ولكن الواقع الذي يجب أن نعترف به، أن نظام البشير قد أجاد استعمال أدوات العلاقات الدولية لتحقيق هدفه الأول وهو البقاء في السلطة، وقد نجح في ذلك لثلاثة عقود متخطياً مصاعب استراتيجيةً جمةً، ومتنقلاً بين المعسكرات بانتهازية عالية، ومتقناً استخدام الخطابات والوسائل المتعددة التي تلائم قطاعات المستهدفين المختلفة من الإعلام والتخابر والتآمر والفساد والعلاقات الخاصة والدبلوماسية الرسمية والشعبية وغيرها.
والحال هذه، يجب فهم أن رئيس الوزراء كامل إدريس ليس مهماً في ذاته ولا في قدراته ولا سلوكه مضحكاً أو مخزياً أو مشرفاً. فكما قالت مديرة جلسة الحوار الإعلامية البريطانية في تقديم د. كامل إدريس “… صحيح أنه ليس كل دول العالم تعترف بالسيد إدريس كرئيس للوزراء، لكنه شخصية مهمة جداً في أي عملية سلام محتملة”، ومن يرى العالم أكبر من مسعد بولس وأمريكا وبريطانيا وفرنسا فلا شك قد ينتبه إلى أن وجود شخص ما في هذا المنصب مهم لتتمكن دول أخرى مثل روسيا أو الصين أو السعودية أو مصر أو تركيا أو دول أفريقية عديدة من الدفع بأن هناك خطة سلام تفضي لتحول مدني ديمقراطي يجب النظر لها والتعامل معها، بدلاً من وضع كل البيض في سلة أمريكا والإمارات.
ورغم أن المصداقية في العمل العام وفي الإعلام ضرورية في ذاتها، إلا أن تجربة السنوات الماضية القاسية تنبؤنا أيضاً أن أي مصالح متوقعة من الترويج لروايات أو معلومات أو أخبار مغلوطة أو غير دقيقة تتقاصر عن الخسائر التي تحل بالمروجين لها. وكما ثبت بالبرهان القاسي للأسف أن الكيزان والعسكر متفوقون كثيراً على بقية القوى السياسية والمدنية السودانية – بغض النظر عن شرورهم أو فسادهم أو الخلاف الكبير المبرر معهم – فإن الكيزان والعسكر يستفيدون من مثل هذه الأخطاء في ضرب مصداقية القوى السياسية والمدنية جميعها. وقد استغل الكيزان الأداء الإعلامي الضعيف وغير المهني للقوى والرموز السياسية والمدنية المختلفة منذ بدء الفترة الانتقالية في الهجمة المضادة المنظمة التي شنوها عليهم وأفلحت في انفضاض جماهير غفيرة عن تلك القوى، ولا يغالط في هذا المآل إلا مخادع أو مخدوع.
ولذلك فأرجو ممن انتقد مقالي السابقين انحيازاً للدكتور مرتضى أو ضدي أن يجيب عن الأسئلة التالية. هل انتهت مواضع نقد كامل إدريس والبرهان وحكومة الأمر الواقع والجيش حتى صار من الوطنية والمهنية والديمقراطية اختلاق أكاذيب أو أشياء غير دقيقة والترويج لها أو الدفاع عنها؟ ألم تمر بنا مواقف رأينا فيها أشخاصاً كنا نؤيدهم أو نعارضهم ونرتضي في سبيل ذلك بالوقوف وراء روايات كاذبة أو غير دقيقة لتأييد وجهات نظرنا، ثم رأيناهم يغيرون مواقفهم لنمتحن أنفسنا والتزامنا بمواقفنا وقيمنا؟ ألم نتعلم بالتجارب القاسية أن نضع لأنفسنا خطوطاً حمراءً نابعةً من قيمنا تحدد تعاملنا مع أي شيء مستلهمين قول الإمام علي كرم الله وجهه لا تَعرف الحق بالرجال، اعرف الحق تعرف أهله؟ ما هي الفائدة أو القيمة التي يجنيها القراء من وصف شخص ككامل إدريس بـ “العوقة” يا أستاذ محمد عمر؟
ودون الانجرار وراء اللهجة المتهكمة في كتابة السيد محمد عمر عن اللغة الإنجليزية والترجمة، فإني أوضح الآتي رداً على النقاط الأربعة التي ذكرها د. مرتضى ثم أعادها محمد عمر، وأقتطع أحياناً من مقالي الأصلي:
أولاً؛ أعترف أنه غاب عني قول محاورة د. كامل إدريس عنه إنه يثرثر كثيراً، فقد اعتمدت على نص المقابلة المولد آلياً في اليوتيوب، ولم يرد هذا الجزء في النص كما في الصورة المرفقة، فقد قالت له في ختام الجلسة “السيد إدريس، أنت تعلم مدى سرعة مرور الوقت لأنك تحدثت كثيراً، ونحن ممتنون لك”، ورد عليها كامل “أعتذر عن الثرثرة، لكن تذكري أنني أدافع عن شعبي”، فعقبت ساخرةً “اعتذر عن الثرثرة، إنه ثرثار جداً”. وأنا أعتذر عن هذا الخطأ، وإن كان واضحاً من السياق أنها رددت ما قاله هو عن نفسه، ولم يظهر أنها اعتبرت أن كلامه “خارم بارم” كما كتب د. مرتضى، ولم تقل له لا تطلب مني وقتاً إضافياً كما ذكر د. مرتضى أيضاً، فقد كررت تعبيرها عن الامتنان لكامل إدريس 4 مرات خلال حوارها معه.
ثانياً، سمى د. مرتضى مقاله الأول “كامل إدريس في ميونخ: ارتكبنا جرائم ضد الإنسانية لسبب..!”، وذكر بالنص “اعترف أمام العالم (بعضمة لسانه وفكّه الأسفل) بارتكاب نظامه وحكومته جرائم ضد الإنسانية”، وربما يمكن أن يستنتج البعض أن كامل إدريس قد برر اتكاب جرائم ضد الإنسانية، ولكنه بالتأكيد لم يعترف “بعضمة لسانه وفكه الأسفل”. والأقواس وضعها د. مرتضى ودلالة الكلام بين الأقواس التأكيد على أن كامل قد اعترف فعلاً بذلك، وهو ما لم يحدث.
ثالثاً؛ كتب د. مرتضى أن محاوري كامل إدريس في اللقاء الصحفي “وضعوه في مكانه اللائق به حيث كانوا يشيرون إليه بأنه (ممثل الجيش ومندوب البرهان)..!”، وكتب أن مديرة الجلسة تساءلت قائلة: “أنتم تتحدثون عن التفاوض والحوار والهدنة .. ومندوب البرهان كامل إدريس يقول إنه لا يوجد شيء اسمه الدعم السريع”. وأنا هنا انتقدت وضع د. مرتضى لمندوب البرهان بين قوسين وكأن محاوريه وصفوه بذلك، وفي الحقيقة فإن مديرة الجلسة لم تذكر أبداً اسم البرهان، ولم تقل أنه مندوب الجيش، بل قدمت كامل إدريس بقولها: “السيد إدريس عُين العام الماضي من قبل مجلس السيادة الانتقالي التابع للقوات المسلحة السودانية في منصب رئيس الوزراء. صحيح أنه ليس كل دول العالم تعترف بالسيد إدريس كرئيس للوزراء، لكنه شخصية مهمة جداً في أي عملية سلام محتملة”، وهي هنا يا أستاذ محمد عمر لم تقل أن الحكومة غير شرعية في نظر الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة كما ادعيت أنت. وفي الجزء الثاني من الجلسة أيضاً لم تصفه بمندوب البرهان، بل قالت ” لقد كنت أتحدث للتو مع السيد كامل إدريس الذي، كما تعلمون، كان هنا ممثلاً للقوات المسلحة السودانية، أحد أطراف النزاع”.
رابعاً؛ أنا لم أحاول تزييف المكانة التي وجدها كامل إدريس في المؤتمر، بل إن د. مرتضى في مقاليه كرر مراراً (أكثر من سبع مرات) أن كامل إدريس ذهب للمؤتمر بدون دعوة رسمية ، وأنهم لم يسمحوا له بالجلوس على المنصة الرئيسية للمؤتمر، وأنه شارك فقط في واحدة من الجلسات الإعلامية التي عادةً ما تعقد على هامش المؤتمر للتحية والمجاملة، وأنها كانت جلسةً حواريةً جانبيةً على هامش من هوامش اللقاء الرسمي بعيداً عن المنصة الرئيسية، ثم أصر على ذلك في تعقيبه علي. ودون التداخل مع الكلام “الخارم بارم” الذي ذكرته يا أستاذ محمد عمر تعليقاً على هذه النقطة، فإني أكرر ما ذكرته في المقال الأول، كامل إدريس اشترك في جلسة رسمية، في المنصة الرسمية للمؤتمر كما ذكرت ذلك مديرة الحوار، وكما ورد في أجندة المؤتمر، التي وصفته برئيس وزراء السودان، ومنح من الزمن ربع ساعة، هي ضعف ما منح للمتحدثين الآخرين في الجزء الثاني من الحوار، والربع ساعة تقارب الزمن الممنوح لكل متحدث في الجلسات الرئيسية الأخرى في المؤتمر التي اشترك فيها عدة متحدثين، باستثناءات محدودة مثل جلسة الرئيس الفرنسي ووزير الخارجية الأمريكي وبعض ممثلي الدول الكبرى الأخرى الذين منحوا نصف ساعة لكل منهم.
في الشأن الشخصي الذي لا يجب أن يشغل أحداً
عندما قررت أن أعلق على مقالي د. مرتضى حاولت الابتعاد عن أي جوانب شخصية، وقد ذكرت رداً على عدد من التعليقات التي وردتني في الفيسوك أني أعرفه شخصياً وأقدره وأحترمه جداً منذ ما يقرب ربع القرن، وأن كتابة المقال كانت شيئاً ثقيلاً على نفسي حتى أسميته في البداية “مقال ثقيل على النفس”. وقد فكرت ملياً في كيفية إخراج المقال بطريقة تركز على الجوانب المهنية، وتبتعد تماماً عن أي شيء شخصي، وتحاول بقدر المستطاع الابتعاد عن الانتقاد المباشر وتوجيه الحديث للدكتور تقديراً لمكانته وحفظاً لاحترامه. ولذلك فقد بثثت في ثنايا المقال “مراقات” وأعذاراً للدكتور يمكن أن تبرر ما اعترى مقاليه من قصور مهني. ولم يكن غائباً عني أن الأسلوب الذي اخترته – رغم الحرص – قد يغضب البعض، وعلى رأسهم د. مرتضى نفسه، ولكني أزعم أني انتصرت للمهنية على نفسي، وأنا لست نادماً على الكتابة، وإن كنت أتقدم بالاعتذار للدكتور مرتضى وأسرته ومحبيه عن الضيق الذي أصابهم، ثم أرجو أن ينفذوا من دخان الغضب إلى عظم المقال ويحاكموه دون حمولات اللغة المستعملة أو إسقاطات المواقف السياسية.
فيما يلي المقالات متسلسلة من آخر مقال (لمحمد عمر) وحتى أول مقال (لدكتور مرتضى)، لتسهيل الرجوع والاطلاع عليها.
ليس دفاعاً عن د. مرتضى الغالي ولكن
محمد عمر محمد الخير – نشر في 14 مارس
إن من يدير معاركه السياسية ويناقش اختلافاته بالشخصنة متطاولاً ومدعياً الأستاذية ورجاحة العقل على أساتذة كالدكتور مرتضى الغالي، ليس لأمر غير الاختلاف السياسي واختلاف وجهات النظر والمواقف لهو تلميذ فاشل وسيظل كذلك حتى يدرك ذلك ويقومه، فقد يكون السيد/ حسام محجوب عثمان مهندس بارع أو مقدم برامج توثيقية وحوارية جيد ومعتبر أو شخص لديه طاقات مقدرة يوجهها توجيه نبيل مساهماً في توعية شعبه ورفد مسيرته النضالية والإنسانية، ولكن بلا شك ليس في مقام يؤهله ليمارس الاستخفاف والأستاذية على خبير إعلامي وأستاذ جامعي وباحث أكاديمي وكاتب صحفي مرموق كالدكتور مرتضى الغالي المعروف والمشهود له بمواقفه الوطنية وإسهاماته الأدبية والتنويرية، والذي لطالما بث الوعي والأمل عبر عموده “مسألة” في صحيفة الأيام الغراء، فقد كتب السيد/ حسام مقالاً ينتقد فيه د. مرتضى ويضعه في خانة التلميذ ويحاسبه على ما يكتب من رأي سياسي ووجهة نظر، لاوياً عنق الحقيقة بادعائه اليقظة والنباغة في اللغة الإنجليزية وحواراتها في زمن أضحت هذه المهارة ليست بذات خطورة فبإمكان أقل الناس حظاً في معرفة أي لغة أن يستخدم الإنترنت ومنصات الذكاء الاصطناعي بل وحتى محركات الترجمة ليحصل على نتائج تفوق المتحدثين باللغة الأم.
حاول السيد/ حسام الانتصار لجيش غير وطني يقوده قتلة ومجرمين ويأتون بمثل “العوقة” د. كميل إدريس ليكون مطية وواجهة رخيصة لا يمكن أن تقنع أتفه الدول بأنه رئيس وزراء حقيقي أو حتى مزيف. سأتناول بحرفية شديدة وبلا أدنى تصرف في الأسطر القادمة بعض مما أثاره السيد/ حسام وحاول من خلاله أن يجير الحقائق الواضحة لصالح من يعتقد أنه يمثل بقايا اللادولة السودانية.
في البدء لنعود لسلوك وتصرفات رئيس الوزراء المزعوم د. كميل إدريس والذي يبرع في التهريج و”اللفافة” – كما تقول تعابيرنا الدارجة – فقد ظهر في الجلسة التي نظمت على هامش مؤتمر ميونخ وهو في غاية الصبيانية والهذر، بتصرفات وكأنه في سيرك أو مسابقة طفولية هادفاً لإثارة الجمهور وتسليته وإرضاء غرور الأطفال، فبينما مديرة الجلسة أو الحور تتداخل لمناقشته وتيسير الحوار، كان هو متسرعاً، مصدراً للغة جسد استخفافيه غير لائقة بمحفل دولي ضائقاً ذرعاً باستفساراتها ونقاشاتها راغباً في مواصلة الحديث بشكل مثير للاشمئزاز والسخرية.
ولننتقل لاستبيان تفاصيل ما أدلى به هذا “العوقة” رئيس وزراء حكومة الكيزان وبرهانهم، وما دام السيد/ حسام محجوب استعرض علينا مقدراته الخارقة في اللغة الإنجليزية مستقياً لترجمة خاصة به، لنعود للنص الإنجليزي لحوار د. كميل إدريس وسأنقله باللغة التي يجيدها السيد/ حسام دون أي تصرف نقلاً عن فيديو الحوار، أوضحت مديرة الجلسة لكميل منذ البداية أن معه 15 دقيقة ليعود بعد ذلك في نهاية الحوار محتجاً ومستنكراً بأسلوب لا يليق بمسؤول يشارك في محفل دولي، فإلى مضابط الحوار (١):
أولاً: إدعى السيد/ حسام أن المحاورة لم تصف كميل بأنه ثرثار
The Moderator: Mr. Idris you know how quickly time has gone, because you spoke so much! And we are grateful
Kamil: Sorry to be talkative, but remember I’m defending my people.
But we are grateful, we are very grateful to be here
لترد المحاورة بطريقة استدراكية وتأكيدية بـ:
The Moderator: Sorry to be talkative, he is very talkative!
فماذا هي ترجمة السيد/ حسام لما دار؟!، هل ما زال مصراً أن المحاورة لم تقل لكميل أنه ثرثار؟ وفي تقديري هي في الأساس من علقت ووصفته بأنه ثرثار وهذه حقيقة يمكن لأي طالب في أخر المرحلة المتوسطة أن يترجمها ويستخلصها!
ثانيا: إدعى السيد حسام أن كميل لم يقل أو يؤمن على أن الجيش مرتكب لجرائم حرب وأنه لم يذكر اسم الجيش وأن من ذكرت الجيش وتورطه في ارتكاب جرائم حرب هي المحاورة وهذا صحيح مائة بالمائة، ولكن العوقة د. كميل أكد ضمنياً وليس لفظياً صحة ذلك بعدم رده على ما اثارته المحاورة بل وبتبريره لممارسات الجيش مدعياً بانه أي الجيش يدافع عن شعبه والحقيقة التي يعلمها الجميع وأقر بها أحد رموز الإسلاميين وهو د. حسن مكي (٢)، بأن هذا الجيش بحماية مواطنيه بل طلب منهم الحماية في عكس للآية ولطبيعة الامور… وظل “معرداً” فاراً من كل المواقع التي أحس أنه غير قادر على السيطرة عليها او هزم فيها للدرجة التي جعلته أفراده يلجؤون سياسياً لدول جارة!، لم يقوم على الإطلاق هذا الجيش لحماية أي مواطن بل على العكس استثمر في أمن المواطن معرضاُ له لأثار الحرب ومستدرجاً الدعم السريع موظفاً طبيعته القائمة على حرب الانتهاكات للاستفادة من ذلك إعلامياً وسياسياً في معركته مستخدماً للمواطن كأداة في من أدوات الحرب بلا اكتراث وبلا شرف، وأكبر دليل لذلك هو استغلال مواطني الفاشر بالتحديد ومناطق أخرى على العموم لتشتيت الدعم السريع ومناورته.
ثالثاً: أيضاً إدعى السيد حسام بأن كميل لم يُعرف أو يقدم باعتباره ممثلاً للبرهان وهذا كتفسير الماء بالماء ومحاولة التأكيد انه ليس بماء، ففي النهاية المحاورة قدمته باعتباره ممثلاً للجيش ورئيس للوزراء حكومته الغير شرعية في نظر الإتحاد الأفريقي والأمم المتحدة وليس من وجهة النظر المجتمع الدولي وذلك واضح في صيغة ومعنى حديثها، ولننقله بلا تصرف عسى ولعل تسعفنا براعة المترجم الضليع للإنجليزية السيد/ حسام! ويفهمنا عكس ما ورد:
Mr. Idris was appointed last year by the traditional sovereignty council of the Sudanese armed forces as the Prime Minister. Now, not all the countries in the world recognized Mr. Idris as prime minister, but he is a very important person in any peace process that will be. (3)
وهنا أكرر الدعوة للاستعانة بالقدرات الاستثنائية للمترجم العظيم السيد/ حسام، منتظراً دعمه وتوضيحه لأمثالنا والدكتور القدير مرتضى الغالي ممن لا يفهمون إنجليزيته المدعاة !!؟، وإن كان ما ورد على لسان المحاورة في تقديمها المختصر ل “كميل” والذي أودته دون تصرف عالية هو نفس ما ذهب إليه الدكتور القدير مرتضى الغالي أم لا؟
رابعاً: حاول السيد/ حسام الادعاء بأن كميل لم يوضع في مكانه غير لائقه والصحيح هو أنه من وضع نفسه في مكانة غير لائقة لعدة أسباب ووقائع هي :
1- ظهر وتحدث بشكل وبأسلوب لا يرتقي لمستوى شخص ناضج، دعك من كونه يدعي أنه رئيس وزراء شرعي. ومنذ الثواني الأولى كان متسرعاً ومرتبكاً فقد تعثر وهو يصعد المنصة ولعل هذه من صفات “الشليق”.
2- تسرعه في الرد قبل أن تكمل المحاورة حديثها أو سؤالها بل والإصرار على الحديث أثناء حديثها مقاطعاً لها بطريقة طفولية، إضافة “للشلاقه” في الرد على الأسئلة قبل حتى إكمال المتحدث لسؤاله، وحاول أيضاً الدخول في مشادة كلامية مع طارح السؤال الأول بطريقة لا تليق البتة.
3- قبوله بأن تتاح له ١٥ دقيقة وهو المدعي للتمثيل الشرعي للدولة السودانية في الوقت الذي منح
المشاركون في جلسة النقاش والبالغ عددهم 5 متحدثين 9 دقائق، في شأن المفترض أنه متعلق بواقع ومستقبل الدولة التي يدعي تمثيلها هذا “العوقة” زوراً وبهتاناً، مما أظهره كمتطفل وليس متحدثاً رئيسياً أو مهماً، وفي الحقيقة أنه لا قيمة لمشاركته لأنه لم ولن يطرح جديداً وليس لديه الإمكانية في الأصل لطرح أي وجهة نظر أو حل غير ما يردده من “هطرقات” جيش الكيزان .
فبالله عليكم هل يمكن لهذا المستوى أن يحوز على احترام أو على أقل تقدير اعتبار المجتمع الدولي أو المحفل الدولي الذي خاطبه؟، بل أنه لن يحظى بأدنى درجات الاحترام من السودانيين أصحاب الوعي والفكر المتقدم والفطرة السليمة باستثناء أصحاب التروما الذين أصابتهم هذه الحرب في عقولهم مما أدى بهم لعطب أصاب أخلاقهم، وعلى قول أمير الشعراء شوقي:
وإذا أصيب القوم في أخلاقهم فأقم عليهم مأتماً وعويلا
أن كميل إدريس بمشاركته هذه يليق ويمثل “السجمان” البرهان وجيش كيزانه ولا يمثل السودانيين على الإطلاق.
أما ما تبقى من ترهات “بليوسية” مما أورده السيد/ حسام في مقاله الاستهزائي فمن الأفضل والأوفر تجاهلها، لأنها مغالطات ظل المتوهمين يطلقونها وهي ذات مغالطات معركة طواحين الهواء والتي ظللنا نشارك فيها طوال ال 3 سنوات الماضية من عمر هذه الحرب “العبيطة” دون جدوى وبلا أدنى أمل للوصول لمنصة حوار ونقاش جاد وناضج مع معسكر داعمي حرب كرامة كيزان العهر من البلابسة المعاتيه.
أخيرا:
إن ما يمثله موقف ووجهة نظر وأسلوب السيد/ حسام لهو نفس نموذج عقلية البلبوس ونفس طريقة التفكير الرغائبية التي تتصور ما ليس هو جزء من الواقع بل وتصنع منه واقع متخيل افتراضي تماماً، كادعاء أن المسخ المصور بأنه جيش الوطن والمؤسسة الحامية وصمام وجود “الخرابة” السودانية والبطيخ وغيرها من “هطرقات” الحالة “البلبوسية” المرضية التي تلبست الكثيرين ممن كنا نظن أن فكرهم ورؤاهم أعمق وأقوى.
بعد الخاتمة:
أرجو ألا يأخذ الأخ حسام في خاطره من مقالي الموضوعي هذا وألا يعتبره إستهداف شخصي فهو بالتأكيد ليس كذلك، خاصة أنه صديق إسفيري محترم ومقدر وفاعل إعلامي نقدر ما يقدمه ونشكره عليه، على كل أنتظر تعقيب منه لعلي أكون مخطئاً أو متجنياً، وفي كل الأحوال إذا أردنا النهوض ببلادنا فيجب علينا أن نقول للأعور أنت أعور، فقد ولى بلا رجعة زمان المجاملات في الشأن العام مهما كان الشخص أو درجة العلاقة به.
مراجع ومصادر:
(1) ، (3) رابط فيديو جلسة نقاش ميونخ للأمن
للأمانة المهنية – تعقيب على رد د. مرتضى الغالي
حسام عثمان محجوب – نشر في 12 مارس
كتب الأخ الكريم الدكتور مرتضى الغالي رداً غاضباً على مقالي عنونه بـ “دفاع عن حكومة الانقلاب من منصة (سودان بكرة)!..”، وسأحاول في هذا التعقيب المقتضب عدم الانجرار وراء الشخصنة البادية في مقال د. مرتضى، رغم حرصي الشديد في مقالي الأول على البعد عن الشخصنة احتراماً له.
زعم الدكتور أني كتبت مقالاً بعنوان “كذب مرتضى الغالي وسردياته المُختلقة عن الجيش والبرهان وكامل ادريس”. والحقيقة أن عنوان مقالي كان “هذا المقال ليس عن كامل إدريس”، وقد أرسلت له المقال عبر الواتساب متضمناً هذا العنوان. وقد قصدت من العنوان أن يكون واضحاً أني لم أِرد أن أناقش رأيي في كامل إدريس أو حكومته أو البرهان أو الكيزان أو الجيش أو صمود أو الدعم السريع أو الانقلاب أو الحرب أو أي شيء آخر، بل كان غرضي الوحيد مناقشة الأمانة والمهنية في الكتابة الصحفية. وبقدر ما كان في مقالي نقد لقصور مهني ظاهر في مقالي الدكتور مرتضى الغالي المعنيين، فقد كان فيه أيضاً نقد لصحيفة الميدان وتوضيح لبعض السياقات التي تمنيت ألا تغيب عن هيئة تحريرها.
ولذلك فإن الأجزاء التي يتحدث فيها د. مرتضى عن دفاعي عن حكومة الانقلاب أو غضبي واختلاقي وتحاملي وكذبي في سبيل ذلك، لا أساس لها في مقالي، بل هي محض أوهام. كما لم أتناول في مقالي أي مواقف حول “البديهيات” أو “الأساسيات” التي ذكرها د. مرتضى واتهمني بالاختلاف معها، ولم يرد فيه تخوين لأحد، أو اتهام للدكتور مرتضى أو لرافضي الحرب بموالاة الدعم السريع كما زعم في محاولة منه لشيطنة النقد المهني وتحويله إلى صراع سياسي.
إلا أنني أقر أنني في المقال ذكرت دور الإمارات في الحرب، ولكني تناولته في الجزء الموجه لصحيفة الميدان. وقد حرصت منذ أن بدأت في كشف مشاركة الإمارات في هذه الحرب على ألا أحرج أياً من السودانيين المقيمين فيها، ولذلك فقد اجتهدت كثيراً في المقال في توضيح أن صمت بعضهم لا يعني بالضرورة تماهيهم مع آلتها الإعلامية المجرمة. ولكن ما دام د. مرتضى قد تطوع وذكر هذا الأمر فأكتفي بالقول له إن اتهام الإمارات ليس “كلاماً كيزانياً” ولا هروباً من الفظائع التي ترتكبها أطراف سودانية، ولا شك لدي أنه يعلم ذلك تماماً.
أما زعم د. مرتضى المتكرر بأنني كتبت مقالي تحت منصة “سودان بكرة”، فهو خطأ مهني فادح، فالمقال نُشر في صفحتي الخاصة على الفيسبوك، ولم يُنشر على أي من منصات القناة، ولا أستطيع تخيل صعوبة التأكد من هذه المعلومة قبل إيرادها.
وقد زعم الأخ مرتضى أنني اتهمته بالكذب والاختلاق، وهو ما لم يحدث، فلم أستعمل أياً من الكلمتين أو مرادفاتهما، بل ذهبت مسافات بعيدة لأبحث عن أعذار تبرر الأخطاء المهنية المرصودة. كما لم أطلب منه الاعتذار أو التصحيح كما ادعى.
ويبدو من النقاط الأربع التي ظن د. مرتضى أنه فندها، إصراره على الأخطاء التي فصلتها سابقاً في مقالي الأول الذي يمكن للراغبين الاطلاع عليه في ما بعد هذا التعقيب. ويمكن اختصار الرد عليها بأن الدكتور في مقاليه الأصليين قام بوضع عبارات بين علامات تنصيص (مثل “مندوب البرهان”، و “إنه يثرثر كثيراً”)، وأثبت بالدليل القاطع أنها أقوال لم يقلها من زعم أنهم قالوها. كما ادعى حدوث اعتراف “بعضمة لسانه وفكه الأسفل” وأثبت أن هذا لم يحدث. أما إصراره على أن كامل إدريس لم يتحدث في “المنصة الرئيسية” بل جلسة إعلامية هامشية، واتهامي بأني قدرت صفة “رئيس وزراء السودان” لكامل إدريس، فهو إصرار على إنكار أجندة المؤتمر الرسمية المنشورة للعالم والتي أرفقت صورتيها، وعلى إنكار حديث مديرة الجلسة.
كان يمكن لأستاذ الإعلام المخضرم الأخ د. مرتضى أن ينتصر للمهنية وللحقيقة ولتواضع العلماء ويعلي من أدب النقاش في ظروف الخلاف السياسي (حقيقياً كان أو متوهماً)، ولكنه رداً متهافتاً يصر على الخطأ الذي يقترب من تعمد التضليل. العوض على الله.
دفاع عن حكومة الانقلاب من منصة (سودان بكرة)..!
د. مرتضى الغالي – نشر في 10 مارس
كتب الأخ الكريم “حسام عثمان محجوب” مؤسس قناة “سودان بكرة” والقائم على إدارتها مقالاً بعنوان (كذب مرتضى الغالي وسردياته المُختلقة عن الجيش والبرهان وكامل ادريس) يدافع في دفاعاً محموماً عن كامل إدريس وعن البرهان وجيشه وسلطته الانقلابية..!
وقال انني أردد أغاليط بعض اللايفاتية وأشباه الكُتاب وانصار صمود والدعم السريع..! ولشد ما ارتكب الأخ حسام كذباً صريحاً في هوجة دفاعه عن (خطرفات كامل ادريس) في مؤتمر ميونخ بألمانيا .. ولشد ما كان مُختلقاً ومتحاملاً وكاذباً في اتهامي بترديد أغاليط اللايفات.. ولشد ما كان غاضباً لأننا كشفنا هزال موقف كامل إدريس في ذلك المؤتمر…ولأننا نزعنا عنه أي شرعية تجعله يمثل السودان في ميونخ أو في (مونت كارلو)..!
هل يحتاج أحد في الدنيا للاختلاق لتوضيح جرائم البرهان وعساكره وانقلابه في حق الشعب أو (جلائط كامل ادريس} في حق الوطن..!
وحتى أريح الأخ الكريم حسام عثمان أوضح له بعض البديهيات التي أؤمن بها حتى يمتلك ذخيرة إضافية للهجوم والدفاع.. وحتى يكون على علم بأني اختلف معه في الأساسيات:
أنا يا رجل لا اعترف بكامل إدريس رئيساً للوزراء لأنه (تعيين انقلاب)..ولا أحترمه لأنه “طالب مناصب” كان يزعم إنه مع الثورة..ثم أسرع حافياً عندما تم استدعاؤه بعد الانقلاب..فحمل ذات حقيبته التي تسوّل بها المناصب من ثورة ديسمبر..وجلس مع الذين انقلبوا على الثورة..!
وأنا يا رجل لا أعترف بأن البرهان رأس دولة أو رئيس مجلس سيادة..فهو قائد انقلاب لا صفة شرعية له وحتى الاتحاد البلافريقي لا يعترف بسلطته.. واذا اردت ىان تدلي بحجة تناقض ذلك.. فنحن على استعداد لنسمع..!
وأنا يا رجل أؤمن بأن انقلاب البرهان كان ضد الثورة وأن البرهان مسؤول بصفة مباشرة عن مذبحة ميدان الاعتصام وبمعاونة الدعم السريع وعن اشعال الحرب بمعونة الكيزان ومواصلتها لاجهاض الثورة ..!
بعد ذلك نأتي لاتهام الأخ حسام عثمان لنا بالاختلاق..وقد ساق هذا الاتهام الكاذب باستاذية فتح لنا فيها فصلاً في علوم الاعلام مطالباً بالاعتذار والتصحيح..! نحن يا أخي لا نعتذر عن قولة الحق..!
لقد ارتكزالأخ حسام على أربعة اتهامات لنا بالاختلاق والتجنّي على كامل ادريس..!
الأولى يقول إننا كذبنا عندما قلنا إن كامل ادريس تم وصفه في أروقة المؤتمر بأنه (مندوب البرهان)..ثم يقول حسام في مقاله بخط يده ان مديرة الحوار قالت (كنت اتحدث للتو مع السيد كامل ادريس الذي كما تعلمون كان هنا ممثلاً للقوات المسلحة السودانية)..!!
الثانية قال إننا كذبنا عندما قلنا ان مديرة الحوار وصفت كامل ادريس بالثرثرة…وقال حسام إنها قالت له فقط :أنت تتحدث كثيراً..!!
وعلاوة على ذلك يقول حسام إن كامل ادريس رد عليها قائلاً: (أعتذر عن الثرثرة لكن تذكّري أنني أدافع عن شعبي)..!
إذاً كامل إدريس نفسه اعترف بالثرثرة..ولكن من يقنع الأخ حسام عثمان..!!
الثالثة يدافع الأخ حسام عثمان عن كامل ادريس ويقول انه كان في منصة الحوار الرئيسية.والعالم كل يعرف غير ذلك..! وحسام نفسه يقول ان ان المؤتمر انقسم الى حلقتين الأولى حوار منفرد مع كامل ادريس بصفته حسب تقدير الأخ حسام (رئيس وزراء جمهورية السودان) والثاية حلقة نقاشية ضمت وزيرة التعاون الالماني ووزيرة الخارجية البريطانية والمبعوث الامريكي مسعد بولس والشاب محمد فتح الرحمن ..!
هذا هو ما قلناه عن مشاركة كامل ادريس..فقد كان خارج دائرة ومنصة النقاش والتداول الرئيسي. ولم يظهر إلا باستضافته في لقاء اعلامي..!
الرابعة قال الأخ حسام ان كامل ادريس لم يعترف بارتكاب الجيش جرائم حرب..ونحن نقول للأخ حسام لقد قالت المحاورة لكامل ادريس: إن قواتك متهمة أيضاً بارتكاب انتهاكات خطيرة وقصف عشوائي وجرائم حرب وجرائم ضد الانسانية..فرد كامل إدريس بقوله: (ما كان يفعله الحيش السوداني كان دفاعاً عن النفس)..! أليس هذا اعتراف بالجرائم..مع محاولة لتبريرها..!
إذا كانت اجابته غبية..فمن يشفع له..؟! لقد أظهر بحديثه هذا أنه من أنصار مواصلة الحرب بجرائمها وانتهاكاتها و(سجم رمادها)..!
كتب الأخ حسام عثمان في مقاله ان كامل ادريس قال: الجيش يعمل بموجب الدستور وهو ملزم بالدفاع عن السودان والشعب السوداني..! يا ترى هل هذه أيضاً هي قناعة الأخ حسام..؟!
نقول للأخ الكريم حسام نحن استمعنا للقاء كاملاً بلغته الانجليزية ولا معنى لكلامك حول الترجمة الفورية أو المتمهلة..!
ونقول له نحن نكتب ما نكتب من منصة الصحافة ولا ننتسب لأي كيان سياسي ولكننا نحترم صمود وموقفها من طرفي الحرب وادانة الانتهاكات التي تصدر من أي من الطرفين..وذلك ما لا يقوى عليه كثيرون..وابضا موقفها المبدئي بضرورة الاسراع بايقاف هذه الحرب اللعينة الفاجرة..!
ثم ان اتهام الاخ حسام عثمان لنا ولرافضي الحرب بموالاة الدعم السريع لا يخرج عن كونه (سردية كيزانية بائسة) لا نلقي لها بالاً…فموقفنا هو موقف الثورة (الجيش للثكنات والجنجويد ينحل) وكذلك كل المليشيات التي صنعها جيش البرهان أو تحالف معها: مشتركة وحركات وكتائب ظل وأولاد قمري..وبراءون وكياكل (نسبة إلى كيكل سفاح الجزيرة الدعامي الكيزاني المتحوّر)..!
وكذلك الاتهامات ىالتخوين وبتحريض الامارات ضد الوطن..هذا كلام كيزاني بامتياز وهروب من الفظائع التي ترتكبها اطراف سودانية.. نحن نصوّب النظر على ما يفعل السودانيون بوطنهم فهم الذين يقتلون الشعب ويدعون لمواصلة الحرب..!
واذا ابتهج الاخ الكريم حسام بالتعليقات المؤيدة لدفاعه عن كامل ادريس من صديقه “معتصم أقرع” وبعض الكيزان فإن ذلك مما يؤكد سلامة موقفنا ومثل هذه التعليقات لا تحرّك شعرة من يافوخنا..!!
دفاع حسام عثمان عن رئيس حكومة الانقلاب وعسكر البرهان لم يصدر بهذا الحماس حتى من الكيزان واعلامهم الرخيص..!
الدفاع عن كامل ادريس جهدٌ ضائع..مثل النفخ في (قربة مقدودة)..! والغريب أن الأخر حسام كتب ذلك تحت منصة (سودان بكرة)..!
هل الدفاع عن رئيس حكومة انقلابية هدفها الأعلى اجهاض ثورة اديسمبر هو ما نتطلعّ إليه من زاد في مشوارنا إلى (سودان بكرة)…؟!!
العوض على الله…الله لا كسّب الكيزان…!!
هذا المقال ليس عن كامل إدريس
حسام عثمان محجوب – نشر في 24 فبراير
اطلعتُ على مقال لأستاذ الإعلام والكاتب المثقف الوطني المرموق الدكتور مرتضى الغالي بعنوان “كامل إدريس في ميونخ: ارتكبنا جرائم ضد الإنسانية لسبب..!” وقد احتوت افتتاحية المقال على ما ظننتُ أنه تكرار لأغاليط رددها بعض “اللايفاتية” وأشباه الكتاب، ونشرها – كما جرت العادة – أنصار “صمود” والدعم السريع في الواتساب والفيسبوك.
ثم قرأتُ المقال مرةً أخرى منشوراً في صحيفة “الميدان” (عدد الثلاثاء 17 فبراير)، مما دفعني للرجوع لتسجيل الجلسة المخصصة للسودان في مؤتمر ميونيخ (في الرابط في نهاية المقال)، وخطر ببالي أنه لو كان كاتب المقال أحد تلامذة د. مرتضى، لربما أمسك أستاذ الإعلام بقلمه كاتباً لتلميذه شيئاً من قبيل:
عزيزي التلميذ، كامل إدريس لم يعترف “بعضمة لسانه وفكه الأسفل” بارتكاب الجيش لجرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية. ربما كان سبب هذا الزعم المنتشر أن البعض استمع للقاء بالترجمة الفورية العربية التي أعدتها قنوات فضائية. في ذلك المقطع سأل المدير التنفيذي لمنظمة “هيومن رايتس ووتش”: “نحن ندرك تماماً أن قوات الدعم السريع ارتكبت جرائم مروعة، خاصة عندما سيطرت على الفاشر، ونعتقد أن هناك أيضاً أدلة وافرة على دعم الإمارات لقوات الدعم السريع. لكن قواتك أيضاً اتُهمت بارتكاب انتهاكات خطيرة، بما في ذلك القصف العشوائي. إذن، ما الذي تفعله لضبط هذا…؟”.
بدأ د. كامل إدريس جوابه قائلاً: “دعني أوضح، هذه ليست مجرد جرائم بسيطة…” وحينها قاطعته مُيَسِّرة الجلسة بقولها: “هذه جرائم حرب”. في الترجمة الفورية العربية لم يتضح أن قائل هذه الجملة هي الإعلامية البريطانية ليندسي هيلسم وليس كامل إدريس. واصل كامل مبيناً فظاعة جرائم الدعم السريع، ثم ذكر أن الجيش كان يقوم بواجب الدفاع عن السودان، دون أن يعترف بارتكاب أي جرائم. وكانت بقية إجابته: “… جرائم ضد الإنسانية. فظائع تفوق الوصف، على النحو الذي توثقه تقارير متعددة. إذن، ما كان يفعله الجيش السوداني كان دفاعاً عن النفس بامتياز. هذا جيش يعمل بموجب الدستور. هو ملزم بالدفاع عن السودان والشعب السوداني. إذن، ليست هذه حرباً تقليدية حيث يأتي مقاتلون لمهاجمتك. هؤلاء كانوا حراس المؤسسات الوطنية. لقد هاجموا هذه المؤسسات. دمروا البنية التحتية. قتلوا الناس، شردوا المواطنين، اغتصبوا النساء، قتلوا الآباء أمام أعين أطفالهم. هذه جرائم تفوق الوصف. وأود أن أرقى بمصطلح “جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية”. هذا تعريف لنوع جديد من الجرائم. ولو كنت أتفاوض مع المحكمة الجنائية الدولية، لرفعت مستوى هذه الجرائم إلى مستوى مختلف تماماً، لم تصفه البشرية بعد”.
ذكرتَ أيها التلميذ العزيز أنه يبدو أن كامل إدريس قد ذهب لألمانيا بدون دعوة رسمية لمؤتمر ميونخ، ودللت على ذلك بأنهم لم يسمحوا له بالجلوس على المنصة الرئيسية للمؤتمر، وأنه شارك فقط في واحدة من الجلسات الإعلامية التي عادةً ما تعقد على هامش المؤتمر للتحية والمجاملة، وأنها كانت جلسة حوارية جانبية على هامش من هوامش اللقاء الرسمي بعيداً عن المنصة الرئيسية، وقد كررتَ ذلك في مقالك الثاني عن المؤتمر بعنوان “مؤتمر ميونخ: العالم يرتعد والبلابسة يتشاكسون حول عطاء جسر الحلفايا وإيجارات منازل الوزراء..!” الذي نشرته الميدان في عدد الأحد 22 فبراير، حين كتبتَ أنه “في ذات الجلسة الرئيسية سمحوا لشاب سوداني عشريني بالحضور .. ولم يسمحوا لكامل إدريس بالحضور حيث لم يكن بين المدعوين الرسميين..!”. ولكنك لو استمعتَ لتسجيل اللقاء أو قرأتَ نصه لوجدت مُيَسِّرة الجلسة تدعوه للحضورللمنصة بقولها: “أنا ممتنة جداً لمؤتمر ميونيخ للأمن لإدراج هذه القضية على المنصة الرئيسية، لأن هذه الحرب تهم حقاً”، وقد ختمت الجزء الثاني من هذه الجلسة (الذي استضافت فيه الوزيرتين الألمانية والبريطانية والمبعوث الأمريكي والشاب السوداني) بتوجيه نفس الشكر.
ولو بحثتَ عن أجندة المؤتمر الرسمية لوجدت (كما في الصورتين المرفقتين) جلسةً يوم السبت 14 فبراير بعنوان “ثلاثة أعوام من الدمار: إنهاء الحرب في السودان” من جزئين؛ الأول حوار منفرد مع كامل إدريس (بصفته رئيس الوزراء، جمهورية السودان) على المنصة الرئيسية بين الساعة 11.30 – 11.45 ص، والثاني حلقة نقاشية ضمت وزيرة التعاون الألماني ريم رادوفان، ووزيرة الخارجية البريطانية يفيت كوبر، والمبعوث الأمريكي مسعد بولس، والشاب السوداني محمد فتح الرحمن، على نفس المنصة الرئيسية بين الساعة 11.45 ص – 12.15 ظ. وكانت مُيَسِّرة الجلسة بجزئيها ليندسي هيلسم المراسلة بالقناة الرابعة.
كما كتبتَ في المقال الثاني أن محاوري كامل إدريس في اللقاء الصحفي “وضعوه في مكانه اللائق به حيث كانوا يشيرون إليه بأنه (ممثل الجيش ومندوب البرهان)..!” ، وكتبت أن مديرة الجلسة تساءلت قائلة: “أنتم تتحدثون عن التفاوض والحوار والهدنة .. ومندوب البرهان كامل إدريس يقول إنه لا يوجد شيء اسمه الدعم السريع”. وفي الحقيقة فإن مديرة الجلسة قدمت كامل إدريس بقولها: “السيد إدريس عُين العام الماضي من قبل مجلس السيادة الانتقالي التابع للقوات المسلحة السودانية في منصب رئيس الوزراء. صحيح أنه ليس كل دول العالم تعترف بالسيد إدريس كرئيس للوزراء، لكنه شخصية مهمة جداً في أي عملية سلام محتملة”، كما إنها لم تصفه في الجزء الثاني بمندوب البرهان، بل قالت ” لقد كنت أتحدث للتو مع السيد كامل إدريس الذي، كما تعلمون، كان هنا ممثلاً للقوات المسلحة السودانية، أحد أطراف النزاع”، وفي الواقع فهي لم تقم بذكر اسم البرهان أبداً طوال جزئي الجلسة. كما يمكنك أيضاً ملاحظة أن الوقت المخصص لكامل إدريس في الجزء الأول كان 15 دقيقة بينما كان وقت الجزء الثاني 30 دقيقة توزعت على أربعة مشاركين، بما يعادل 7 دقائق ونصف لكل متحدث، أي نصف الوقت المخصص لكامل إدريس.
وكتبت يا تلميذي العزيز أن الإعلامية التي كانت تحاور كامل إدريس قاطعته “قائلة: (إنه يثرثر كثيراً) بما يعني انه يقول كلاماً (خارم بارم)..!”، وهنا أيضاً قد خانك الاستماع للترجمة، فإن الإعلامية وجهت له الكلام في الختام قائلة: ” السيد إدريس، أنت تعلم مدى سرعة مرور الوقت لأنك تحدثت كثيراً، ونحن ممتنون لك”، ورد عليها كامل “أعتذر عن الثرثرة، لكن تذكري أنني أدافع عن شعبي”. وفي الواقع فإن مُيَسِّرة الجلسة قد كررت تعبيرها عن الامتنان لكامل إدريس 4 مرات خلال حوارها معه.
وأخيراً، فقد كتبتَ عن الوفد المرافق لكامل إدريس: “لقد أشار إليهم كامل إدريس فعلاً بأصبعه عندما لم يتقدّم أي صحفي أجنبي إليه بسؤال..ولكن مُقدمة الجلسة قمعت يده وقالت: غير مسموح للسودانيين بتوجيه سؤال لرئيس حكومتهم..في وسعهم أن يسألوه في بورتسودان وليس هنا..!!”، والحقيقة أن كل ما قالته مقدمة الجلسة هو: “هل هناك سؤال آخر للسيد كامل إدريس، ليس من وفده، بل من شخص آخر؟”، وهو إجراء تنظيمي معتاد في المؤتمرات الدولية لمنع الأسئلة “المصنوعة” من داخل الوفود.
(انتهت الرسالة المتخيلة)
ثم خطر في بالي أيضاً أن أستاذ الإعلام د. مرتضى بعد فراغه من تصحيح تلميذه، كتب رسالة قصيرة لهيئة تحرير صحيفة “الميدان” العريقة، قال فيها إنه من واجبهم المهني والأخلاقي مراجعة المقالات التي تنشر فيها، ومن حقهم مراجعة الكتاب الذين يقومون بنشر مقالاتهم في الصحيفة إذا كانت هناك أخطاء، أو عدم نشرها إن كانت الأخطاء أفدح من أن تترك ولم يتعاون الكاتب مع الصحيفة في تصحيحها. كما أن أهم من ذلك أن على الصحيفة أن تضاعف يقظتها في هذه الأوقات العصيبة التي يمر بها الوطن، وتضع في حسبانها أن أماكن إقامة بعض الكتاب قد تضع كثيراً من القيود على ما يكتبونه أو ما لا يكتبونه، وكثير من هذه الظروف مقدرة ولا تقدح في شخوص الكتاب ولكن ذلك لا يعني البصم بالعشرة على كل ما يكتبونه مهما كان تاريخهم ومهنيتهم ووطنيتهم.
فمن المعروف مثلاً أن دولة الإمارات اليوم هي طرف أساسي في هذه الحرب، ومع تقدير احتضان الإمارات لمئات الآلاف من السودانيين طوال العقود السابقة وما وفرته لهم ولملايين السودانيين من سبل الحياة الكريمة، إلا أن مشاركة الإمارات الفاعلة في الحرب قد حدت كثيراً من الحريات النسبية التي كان يتمتع بها السودانيون المقيمون فيها من متابعة الشأن العام في بلادهم، فقد صار الشأن العام السوداني شأناً إماراتياً لا تتسامح معه أجهزتها الأمنية والسياسية. ولا لوم على السودانيين المقيمين فيها فكثيرون منهم لا يرغبون أو لا يملكون أدوات الانشغال بالشأن العام، وكثيرون واقعون تحت ضغط الآلة الإعلامية الإماراتية الجبارة، وهناك من يحاولون تلمس الهوامش المسموح التحرك فيها والعمل داخلها، وهناك قلة ارتضت أن تكون جزءاً من هجمة الإمارات على شعبنا رغبةً أو رهبةً. وفي كل الأحوال على هيئة تحرير الميدان، كما على غيرها من وسائل الإعلام، معرفة هذه الظروف وتقديرها ليس في الإمارات وحسب، بل في كثير من الدول الأخرى ذات الأوضاع الشبيهة.
مؤتمر ميونخ: العالم يرتعد والبلابسة يتشاكسون حول عطاء جسر الحلفايا وإيجارات منازل الوزراء..!
د. مرتضى الغالي – نشر في 22 فبراير
مؤتمر ميونخ العالمي للأمن هو مؤتمر تداولي دوري يعقد كل عام ويحظي باهتمام كبير، وتوضع في أجندته قضايا (من الوزن الثقيل) مثل الحرب الأوكرانية-الروسية وقضايا الأمن الأوربي والمهددات العالمية..بالرغم من أنه ليس بمؤتمر حكومي بل منصة مستقلة للتداول حول شؤون الأمن العالمي والسياسات الأمنية.
ودائما ما يحظي بحضور قوي لصنّاع القرار والمسؤولين وقادة الدول والحكومات والمنظمات العالمية..خاصة في مجال السياسة الخارجية والدفاع والأمن وغالباً ما تتضمّن أجندته في كل دورة (النزاعات المسلّحة المُسببة لزعزعة الاستقرار والأمن الإقليمي والعالمي..!)
الدورة الحالية للمؤتمر 15-13» فبراير « شهدت تركيزاً كبيراً على الحرب في السودان..وخرجت منها معلومات غاية في الأهمية، خاصة ما أدلت به وزيرة الخارجية البريطانية »ايفيت كوبر « ومبعوث الإدارة الأمريكية »مسعد بولس « بما يُفهم منه الكثير من المُستجدات التي طرأت حول المبادرة الرباعية، والاتجاه الأمريكي لإشراك الأمم المتحدة و(أطراف أخرى)
بجانب دول الرباعية ..خاصة الدول (ذات الصلة بطرفي الصراع)..والأولويات المتعلقة بترتيبات الهدنة وفصل القوات وتوفير (الآلية الخاصة للرصد) وتمركزها على الأرض.. والغطاء القانوني الأممي الذي يستوجب صدور (قرار بالهدنة وإيقاف الحرب من الأمم المتحدة)..!
وكان إقرار كل المتحدثين بأن الحل في نهاية الأمر يجب أن يكون (سودانياً خالصاً) بعد وقف الحرب فهم أدري بشؤون بلدهم..مع التأكيد على ضرورة التوصّل إلى حكومة مدنية..لا تشارك فيها أطراف الصراع..!
ما صدر من وزيرة الخارجية البريطانية ومسعد بولس يحتاج إلى قراءة وإعادة قراءة من ذوي الشأن السياسي المدني..ومن طرفي الصراع..!
أما موقف (أنصار الحرب) فقد عبّر عنه كامل إدريس (كأسوأ ما يكون التعبير)..وقد وضعه محاوروه قي اللقاء الصحفي في مكانه اللائق به..حيث كانوا يشيرون إليه بأنه (ممثل الجيش ومندوب البرهان)..!
وعندما نقلت محاورته حديثه الرافض للهدنة ووقف الحرب إلى منصة جمعت وزيرة الخارجية البريطانية والمبعوث الأمريكي وممثلة الحكومة الألمانية؛ كان ردهم التجاهل الكامل لكل ما طفح به كامل إدريس من خزعبلات..وأجمع الثلاثة على تسمية جيش البرهان والدعم السريع ب(طرفي النزاع)..!
وعندما تساءلت مديرة الجلسة قائلة للوزيرة البريطانية ومسعد بولس: انتم تتحدثون عن التفاوض والحوار والهدنة..ومندوب البرهان كامل ادريس يقول انه لا يوجد شيء اسمه الدعم السريع ..كانت ردود الوزيرة والمبعوث وممثلة ألمانيا تشير إلى ضرورة تجاهل تصريحات أطراف الحرب..وهذا كلام ردّده بولس كثيراً بقوله: نحن لا نهتم بما يُقال ولكن بما يجري على
الأرض..!
في ذات الجلسة الرئيسية سمحوا لشاب سوداني (عشريني) جاء من داخل السودان بحضورها والجلوس بجوار الوزيرتين وبولس..ولم يسمحوا لكامل إدريس بالحضور حيث لم يكن من بين المدعوين الرسميين..! المتحدثون في المؤتمر أجمعوا على أن ما يجري في السودان يجب أن يتوقف ب(أقصى سرعة ممكنة).. باعتبار أنه بلغ درجة مروّعة من المخاطر والتهديد
لحياة المدنيين..وسردوا بتكرار و(بأسى بالغ) الأعداد المُفزعة لضحايا الحرب من القتلى والمُصابين واللاجئين والنازحين والجوعى..والأوضاع الحرجة التي فاقت كل المعدلات لنقص وانعدام الدواء والإيواء والأمن؛ والحالة المتردّية وغير المسبوقة للأوضاع الغذائية والصحية وانهيار التعليم والمرافق واتساع حالات الاغتصاب والاعتداءات الجنسية على النساء والأطفال بمعدلات قياسية مرعبة وبصفة يومية ومنهجية..!!
وأشاروا أكثر من مرّة إلى خطورة استخدام الأسلحة الكيمائية..!!
(لا حول ولا قوة..العالم يرتعد رعباً من حرب السودان والبلابسة يتشاكسون ويكيدون لبعضهم حول عطاء
صيانة جسر الحلفاية وفضيحة إيجارات منازل الوزراء بالدولار)..!!
كل المتحدثين ذكروا بالتفصيل هذه الأوضاع إلا مندوب البرهان كامل إدريس الذي كان يهيم (في وادٍ آخر)..!
لم يتحدث بجملة واحدة ذات معنى أو إحساس عن معاناة السودانيين (بل كان يضحك مزهوّاً بسجم رماد لا نعلمه) حتى قالت له مديرة الحوار الإعلامي أنت تثرثر كثيراً..فلا تطلب مني وقتاً إضافياً..! كلما سألته عن ضرورة إيقاف الحرب يغمض عينيه عن المليشيا التي صنعها وسلحها الذين أرسلوه..ويقول: لا يوجد شيء اسمه الدعم السريع..ثم يتمتم بكلمات غامضة عن (كولومبيا وأوكرانيا)..حتى قالت له ساخرة: وما هو إذاً الطرف الذي تقول انك ترفض الهدنة معه..؟! شارك في هذا المؤتمر أكثر من 1000 شخص من 115 دولة و 60 من قادة الدول ورؤساء الحكومات وممثليها..وحضر فيه ثلثا قادة الحكومات الأوروبية و% 25 من أعضاء الكونغرس و 50 من مديري المنظمات العالمية الكبرى مثل الناتو والآسيان والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية ووكالات الأمم المتحدة الرئيسية ومنظمة الأمن والتعاون الأوروبي ..بجوار كل هذا الجمع قال كامل إدريس في لقاءه الصحفي إنه لم تصل إليهم أي (مبادرة ملموسة) لإيقاف الحرب وإنهم لم يتفقوا على أي هدنة..!
في كل مرّة تسأله محاورته يعود ويقول: لا يوجد دعم سريع ولكن يوجد مرتزقة كولومبيين وأوكرانيين..! حتى أوشكت هذه السيدة أن تقول له: طيب نريد عقد هدنة بين جيشكم وبين أوكرانيا وكولومبيا.. لله لا كسّبكم..!
كامل إدريس في ميونخ: ارتكبنا جرائم ضد الإنسانية لسبب..!
د. مرتضى الغالي – نشر في 17 فبراير
كامل إدريس رئيس وزراء (خبوب الانقلاب) اعترف أمام العالم (بعضمة لسانه وفكّه الأسفل) بارتكاب نظامه وحكومته جرائم ضد الإنسانية..!! وهذا هو المهم في الأمر (لا فُضّ فوه)..! فقد ظنّ الرجل أن تفسيره لسبب ارتكابهم مثل هذه الجرائم يجيز القيام بها….فقال هذا العبقري ما معناه: لقد ارتكبنا هذه الجرائم (دفاعاً عن النفس)..!!
لقد ذهب كامل إدريس إلى ألمانيا كما يبدو بغير دعوة رسمية من “مؤتمر ميونخ العالمي للأمن”؛ حيث لم يسمحوا له بالجلوس على المنصة الرئيسية للمؤتمر..وشارك فقط في واحدة من الجلسات الإعلامية التي عادة ما تعقد على هامش المؤتمر (للتحية والمجاملة)..!
وخلال تقديمه في هذا اللقاء الإعلامي قاطعته الإعلامية التي كانت تحاوره قائلة: (إنه يثرثر كثيراً) بما يعني انه يقول كلاماً (خارم بارم)..!
ولا بأس في ذلك..فاللقاء كان “جلسة حوارية جانبية” على هامش من هوامش اللقاء الرسمي بعيداً عن المنصة الرئيسية..!
ومؤتمر ميونخ للأمن (MSC) هو منتدى عالمي مستقل غير حكومي لتبادل وجهات النظر حول سياسات الأمن الدولي.. يُعقد سنوياً منذ عام 1963 وهو بالمناسبة ليس مؤتمراً لتقديم مبادرات كما ظن كامل إدريس ووفده ومرافقيه من اليعاقبة والنساطرة والدهاقنة.. وأحباب (الوجبات الجاهزة)..!!
ولنأخذ هذا الرجل (على مقدار دماغه)..يا ترى هل يجيز الدفاع عن النفس ارتكاب جرائم ضد الإنسانية..؟!
هل وأنت تحارب العدو من المسموح لك أن تقتل بعض المدنيين أو تهدم منازلهم أو تستبعد آخرين أو ترفض عودة مواطنين لديارهم أو (تعتقل (ذوي الوجوه الغريبة) أو تعدم مواطنين بدون حيثيات. أو تغتصب نساء أو تحرق وتقصف قرى..أو ترغم الشباب والصبيان على القتال..أو تقوم بتسليح المليشيات…أو تبقر البطون وتأكل الأحشاء..؟ إلخ
بالمناسبة د.عبد الله على إبراهيم قال مرّة إذا جرى قتل بعض المدنيين في الهجمات الدفاعية الحكومية فهذه من الآثار الجانبية التي لا يمكن تفاديها…وقال إن الحرب ليست عبثية ولكنها (كارثة حاذقة)..ويجب ألا يكون تضرُر المدنيين سبباً لإنهائها..!
طبعاً بعض الناس قد يتأثرون بكلام المثقفين العارفين..وهذا ما يخفّف اللوم (شيئا ما) على جهالة كامل إدريس التي قام باستعراضها في ميونخ…!!
التعريف الشامل للجرائم ضد الإنسانية يعني تحديداَ أي فعل من الأفعال التي تحظرها مواثيق الأمم المتحدة ومعاهدات جنيف ونظام روما متى ارتكبت في إطار منهجي موجّه ضد أية مجموعة من المدنيين، وتتضمّن القتل العمد والإبادة والاغتصاب وتدمير المدن والقرى والإبعاد القسرى والاسترقاق والعمالة القسرية والتفرقة العنصرية والإضرار المتعمَّد بغير المحاربين وسلب الممتلكات العامة أو الخاصة والمعاملات اللاإنسانية الأخرى قبل أو أثناء الحرب والاضطهاد على أسس سياسية أو عرقية أو دينية وقتل الرهائن والمعاملة السيئة لأسرى الحرب..والتدمير الذي لا تبرره الضرورات العسكرية.
وغالباً ما تُرتكب هذه الجرائم بتعليمات من القائمين على السلطة أو الجماعة المُسيطرة وينفذُها الأفراد..وفي كل الحالات يكون الجميع مذنبين؛ مُصدري التعليمات والمحرّضين والمقترفين والساكتين عنها مع علمهم بخطورتها.. ويصبح الفرد مُذنباً حتى لو اقترف اعتداءً واحداً تنطبق عليه مواصفات الجرائم ضد الإنسانية..ولا تخضع للتقادم ويظل مُرتكبها عُرضة للعقاب بصرف النظر عن ارتكابها وقت الحرب أو السلام..!
هل فعلاً ارتكب نظام كامل إدريس ورئيسه البرهان بعض هذه الأفعال دفاعاً عن النفس..؟! وهل هذا هو العذر الذي يقدمه هذا الرجل للعالم..؟!
وهل فعلاً اصطحب كامل إدريس رئيس حكومة (خبوب الانقلاب) كل هذا الفريق من الصحفيين والإعلاميين لجلسة هامشية..ولم يجد منهم نُصحاً حول كيفية الرد على الاتهامات التي يمكن أن توّجه للنظام الذي يمثّله..؟!
هل ذهب هذا الفريق في صحبة كامل إدريس إلى ميونخ فقط من أجل السياحة الشتوية..فذهبوا وعادوا (بصمة خشومهم) بعد أن أرهقوا “خزينة جبريل إبراهيم” بكل هذا البدلات وتذاكر السفر وحجوزات الفنادق و(نثريات الجيب الخلفي) و(التصوير سلفي) ولم يقولوا كلمة واحدة حيث تم منعهم حتى من توجيه الأسئلة لكامل إدريس..!
لقد أشار إليهم كامل إدريس فعلاً بأصبعه عندما لم يتقدّم أي صحفي أجنبي إليه بسؤال..ولكن مُقدمة الجلسة قمعت يده وقالت: غير مسموح للسودانيين بتوجيه سؤال لرئيس حكومتهم..في وسعهم أن يسألوه في بورتسودان وليس هنا..!!
الله لا كسّبكم..!
husamom@yahoo.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم