رهان القلب في حضرة الخذلان

محمد صالح محمد
في هذه البلاد التي تورثنا الصبر كما تورثنا الملامح يقف المرء منا وهو يحمل في جوفه غابة من الأسنين ويحاول عبثاً أن يداري تصدعات روحه خلف ضحكة سودانية عريضة لكنها واهية وحين تضيق المنافي وتصبح “الدنيا” عبارة عن وحش كاسر يتربص بأحلامنا البسيطة نلتفت بكل ثقلنا نحو المرفأ الأخير نحو تلك الروح التي ظنناها الاستثناء الوحيد من قاعدة السقوط.

يا زولة …
أكتب إليكِ بمدادٍ يشبه لون النيل في لياليه الحزينة و بقلبٍ أتعبتهُ المسافات وأنهكتهُ الظنون لا أسألكِ اليوم صلحاً مع الأيام فقد تيقنتُ أن الأيام لا تصالح أحداً بل أرجوكِ ألا تكوني خنجراً إضافياً في خاصرة هذا الصمود المتهالك. أرجوكِ ألا يتحالف “زماننا” هذا بمراراته مع “قسوتكِ” المحتملة فأنا رجلٌ لم يعد يملك من حطام هذه الدنيا سوى “إحساسه” ذاك الإحساس الذي طالما كان بوصلتي في عواصف التيه.

يقول لي هذا القلب الذي لم يخن نبضه يوماً أنكِ لستِ مجرد عابرة في زحام الهزائم. يهمس لي في سكون الليل وسط ضجيج الاغتراب ووحشة الأسئلة أنكِ “أنتِ” من ستكونين معي في مواجهة هذا العالم. ليس لأنكِ خارقة بل لأنكِ “الوطن” الذي لم يسقط بعد في خرائط الخيبات.

إن مواجهة الدنيا ليست معركة سيوف بل هي معركة بقاء على قيد “الإنسان” هي تلك اللحظات التي أشعر فيها أن الأرض تمد بي فأنظر إليكِ لأستعيد توازني فكيف لي أن أحتمل فكرة أن تمددي بي أنتِ أيضاً؟ كيف للغريق أن ينجو إذا صار طوق النجاة هو نفسه الموج؟

يا حتة من كبدي …
إن الدنيا قد استلت سيوفها في وجهي طويلاً؛ أوجعتني في الرزق وفي الأمان وفي اليقين. صرتُ أمشي حاملاً تعبي كالظل لا يفارقني وفي خضم هذا النزيف كنتِ أنتِ الضماد الذي أتخيله في نهاية كل نفق. فلا تخذلي فراسة القلب ولا تكسري خاطر تلك الثقة التي زرعتها فيكِ حين جفّت كل الأراضي من حولي.

لا تبقي عليّ أنتِ والزمان يكفيني ما ناله الشيب من أحلامي ويكفيني ما أخذه الشوق من عمري. كوني لي ذاك الحائط الذي لا يسقط وذاك السند الذي لا يلين فكوني “أنتِ” كما أخبرني قلبي رفيقة المواجهة وشريكة الوجع والوجه الذي أبتسم في وجهه حين تعبس الدنيا كلها.

أنا لا أطلب المستحيل بل أطلب فقط ألا أجد نفسي وحيداً أمام جبهتين جبهة الغربة القاسية وجبهة قلبكِ الذي سكنتُ فيه هرباً من تلك الغربة. فإذا كان قلبي لا يخون إحساسه فكوني أنتِ على قدر هذا الوفاء وكوني لي “الحتة” الدافئة في هذا العالم البارد.

فيا وجع الروح ويا أملي الأخير كوني معي، لا عليّ.

يظل الخوف جاثماً كغيمةٍ سوداء لا تبرح سماء روحي؛ الخوف من أن أستيقظ يوماً فأجد أن قلبي الذي وثقتُ به قد خانني وأن فراسته لم تكن إلا وهماً نسجتُه من خيوط حاجتي إليكِ.

فيا فجيعة الروح إن مالت خطاكِ ويا كسر خاطري الذي لن يُجبر إن وقفتِ في صفوف “الدنيا” ضدي.

سأظل هنا معلقاً بين رجاء اليقين وخنجر الشك أدعو الله ألا تأتي تلك اللحظة التي أقول فيها لقلبي “ليتني ما وثقت” وألا أضطر يوماً للوقوف وحيداً تماماً بلا وطنٍ وبلا وجهكِ وبلا حلمٍ كان يظن أنكِ المستحيل الذي لا يتكرر.فإذا بكِ تصبحين الوجع الذي لا ينتهي.

binsalihandpartners@gmail.com

عن محمد صالح محمد

محمد صالح محمد

شاهد أيضاً

حين يكون الرفيقُ هو الطريق… وسأختاركِ يا “زولة”

محمد صالح محمديقولون “الرفيق قبل الطريق” وهي عبارة قد تبدو في ظاهرها نصيحةً للمسافرين عبر …