رواية أغالب مجرى النهر: حين تُدان الحياة

رواية أغالب مجرى النهر: حين تُدان الحياة
الرواية الفائزة بجائزة البوكر العربية ٢٠٢٦

صدرت رواية أغالب مجرى النهر للكاتب سعيد خطيبي عن دار هاشيت أنطوان في مارس ٢٠٢٦، وتقع في ٢٨٦ صفحة من القطع المتوسط.

بين تاريخٍ نغوص فيه وواقعٍ يشي باتهامٍ مستتر، تتشكّل ذواتنا كأثرٍ مرتبك لمحاولة نجاة لا تكتمل. يغلبنا الهدوء، ويثقلنا السير وفق قناعاتٍ مجهولة بغلالةٍ من يأسٍ خافت. فثمة أزمنةٌ خادعة للتضحية، وأخرى تتحصّن فيها إنسانيتنا بين فكي مجتمعٍ وتقليدٍ وخوف.
نُغالب مجرى النهر، نسبح في تياره، ثم نقف على ناصية اليابسة، لنكتشف أننا عالقون في مساحةٍ بين الوهم والشك، بين ما نريد أن نكونه وما يُراد لنا أن نكونه. وتتنفّس بوسعادة هذا القلق، تستيقظ من نومٍ طويل، وفي حلقها سؤالٌ متردد: من أكون؟
ما بين مشرحةٍ تُشرّح الجسد، وغرفة تحقيقٍ تُستجوب فيها حقيقةٌ تلاصقت بالجريمة، يفتح النص حكاية جسدٍ كاملٍ للحياة حين تُدان.

جرحٍ يتكلم وذاكرةٍ تتأمل:
يفتتح النص بصوتين يتوازيان على حافة الانكسار؛ صوت عقيلة، التي تقدّم نفسها من داخل المفارقة الأولى في وجودها: “اسمي عقيلة. أداوي الناس من غير أن أُداوي حالي…” (ص ١٢٩)
يتضح هنا انكشافٌ مبكر لجرحٍ مهنة إنسانية، لامرأةٍ تُنقذ البصر بينما يتعثر بصرها الداخلي في العتمة. فالنص منذ لحظته الأولى يربط بين الشفاء والعطب في الجسد.
وفي الجهة الأخرى، يأتي صوت الأب، بوصفه ذاكرةً تُستعاد من حافة الفقد: “دنوت من الموت ورحت أتصفح حياتي…” (ص ١٤٧)
هنا لا يعود الصوتان متقابلين بقدر ما يصبحان صورتين لانكسار واحد:
انكسارٌ فردي يتجسد في جسد الابنة، وانكسارٌ تاريخي يتراكم في جسد الأب، وبينهما تقف الرواية بين زمنين؛ زمنٍ يُعاش في لحظته، وزمنٍ يُراجع عند حافة النهاية.

أولًا: التهمة أثر لا يزول
تكمن بؤرة النص في أن التهمة ليست حدثًا عابرًا، بل أثرٌ قابلٌ لأن يتحول إلى بنيةٍ كاملة تعيش فوق أصحابها، وتعيد تشكيل مصائرهم.
الأب عزوز، الذي قاوم أمر تفجير مقهى أخيه، يُعاد تقديمه داخل ذاكرةٍ سياسية مشوشة، رغم شهادةٍ نضالية تؤكد عكس ذلك:
“لكنّ شهادته كانت مثل هرٍّ يتبوّل في الرمل، لا منفعة منها.” (ص ١٨٢)
هنا تسقط الشهادة، وتتكشف هشاشة العدالة حين تُترك الذاكرة الجماعية دون يقين، فتفقد الحقيقة قدرتها على الإقناع.
وفي المقابل، تُسحب عقيلة إلى فضاء اتهامٍ آخر، حيث يتداخل الطبيّ بالأخلاقي، ويغدو الفعل العلاجي قابلاً للتأويل الجنائي، لتصبح البراءة خيارًا هشًا داخل شبكةٍ من الشكوك القديمة.
وهكذا لا يعود السؤال: من فعل الجريمة؟
وإنما: كيف يتحول الإنسان إلى كائنٍ قابلٍ للاتهام، قبل أن يُدان بأي فعل؟

ثانيًا: القتل كاحتمالٍ يتوزع بين الوجوه
يطرح النص القتل بوصفه احتمالًا متشظيًا بين الشخصيات؛ فالعنف ليس فعلًا منفردًا، بل حالة عامة تتسلل إلى البنية الاجتماعية قبل أن تتحقق في الواقع.
يظهر ميلود كتمردٍ غير مكتمل، محمولًا بذاكرةٍ عائلية مثقلة بالغيرة والخذلان، حيث يظل الفعل العنيف احتمالًا مؤجلًا داخل علاقةٍ ملتبسة بالدم والانتماء.
وثامر، في جهةٍ أخرى، يعيش تمرده كتشظٍ أخلاقي، تتداخل فيه العاطفة بالانحراف، والحب بالتورط، فيغدو أقرب إلى شخصية تتحرك على حافة الانفجار دون أن تُحسم وجهتها.
أما مخلوف، فيُقدَّم بوصفه جزءًا من شبكة عنفٍ أوسع، يتداخل فيها الطبيّ بالطبيعيّ والعاطفيّ، بحيث يصبح الضرر امتدادًا للبنية.
بهذا الطرح، يكشف النص عن سؤالٍ أعمق:
هل يرصد المجتمع الجريمة، أم يُنتج شروطها قبل أن تقع؟

ثالثًا: الجسد ساحةً للعنف والسلطة
يُقدَّم الجسد بوصفه مساحةً يتقاطع فيها الألم مع السلطة، وتُعاد عبره صياغة العلاقة بين الإنسان والعالم:
“شعرتُ بأنّها شقّت بدني نصفين…” (ص ١٠٨)
وفي مشهد السطو على نزل بيت الراحة، يتكثف الجسد كمساحةٍ مكشوفة بلا حماية:
“أولج أحدهم عصًا في فرج إحداهن…” (ص ٢٢٧)
هنا يُقدَّم العنف كبنيةٍ تُمارَس على الجسد لإعادة إنتاج السيطرة، سواء عبر العقاب أو الإخضاع أو إعادة تحديد موقع الإنسان داخل المجتمع.
وما يزيد هذا التوتر عمقًا أن الجسد، في مشرحة مخلوف، يُستعاد من موضع العنف كأداةٍ للشفاء عبر زراعة القرنيات، فيتحول فعل الإنقاذ إلى امتدادٍ محتمل للعنف.
وهكذا تطرح الرواية سؤالها الأكثر قسوة:
هل يمكن للإنسان أن يُنقذ الآخر… دون أن يترك أثرًا من جرحه فيه؟

رابعًا: البنية الذكورية وتوريث القهر
تشتغل الرواية على كشف بنيةٍ اجتماعيةٍ متجذّرة، تتكرر كمنطقٍ داخل العائلة والمجتمع معًا:
“لم أشعر بشيء في قلبي حين وُلدت عقيلة… كان يعنيني أن يكون البكر ذكرًا.” (ص ٢٠٧)
تفتح هذه العبارة نافذةً على نظام تفكيرٍ كامل، تُقاس فيه القيمة بالذكر، فتُنتج العاطفة وفق معيار الامتداد الذكوري.
وفي موضعٍ آخر، يتجلى هذا المنطق بصيغةٍ أشد تكثيفًا:
“المرأة يربيها أبوها أو زوجها.” (ص ٢١٠)
حيث يتحول القهر إلى خطابٍ موروث داخل البنية الأسرية، بوصفه “طبيعة” لا تحتاج إلى مساءلة.
والمفارقة أن هذا النسق لا يقتصر على الرجال، بل يتسرب إلى النساء، في إعادة إنتاجٍ للسلطة داخل خطابٍ يوميٍّ مألوف:
“نهار القيامة ربي يعلقك من رموشك…” (ص ٥٥)
ليكشف النص أن القهر يُمارَس ويُورَّث، ثم يتحول مع الزمن إلى لغةٍ تعيد بناء العلاقات.

خامسًا: اللغة انقسام سردي
تتحرك لغة النص بين صوتين رئيسيين، يشكّلان معًا بنيته الداخلية ورؤيته للزمن.
يأتي صوت عقيلة مضغوطًا، متوترًا، ومحمّلًا بثقل الحدث، دون مساحةٍ للتأمل، بينما يأتي صوت الأب هادئًا ومتأملًا، محاولًا استعادة حياته بعد أن صار الزمن مادةً للقراءة.
يعكس هذا الانقسام اللغوي اختلاف علاقتين بالزمن: زمنٍ يُعاش في توتره المباشر، وزمنٍ يُعاد تأمله بعد الفقد والانكسار.
وفي المقابل، يضيف حضور الدارجة الجزائرية في بعض الحوارات واقعيةً للنص، غير أنه يخلق أحيانًا مسافةً في التلقي لدى القارئ غير الجزائري.

سادسًا: بوسعادة والتاريخ خلفيةٍ ضاغطة
يظل التاريخ ممتدًا كظلٍّ يرافق الحكايات، من حرب التحرير إلى تسعينيات القرن الماضي، بحيث تُروى الوقائع بوصفها أثرًا.
ومع موت بودو، تتكثف فكرة أن الشهادة، مهما بدت موثقة أو نزيهة، لا تكفي وحدها لإنقاذ الحقيقة من التشوش أو التلاشي.
تُقدَّم بوسعادة ككائنٍ حيٍّ يشارك في إنتاج النص، ويتنفس عبر شخصياته وأحداثه، بوصفها فضاءً يطرح أسئلته الكبرى: من يكتب التاريخ؟ ومن يتحمل عبء روايته؟ ومن ينجو من ظله؟
ومع كل شهادة تُسحب، وكل موتٍ لا يكتمل تفسيره، يتأكد أن الحقيقة موزعة بين أصواتٍ متفرقة تلتقي في أثرها المشترك.

ختامًا:
أغالب مجرى النهر روايةٌ كتبت عالمًا يتقاطع فيه الإنسان مع ظله، وتكاد فيه الشخصيات تُغالب النهر في مجراه.
تستقر في ذاكرتي تلك التفاصيل الصغيرة من لغةٌ مشدودة تنزلق أحيانًا إلى الشعر، تقاطعٌ ذكي بين الشخصيات، وإيقاع مفاجآتٍ لم يتركني ألتقط أنفاسي.
أعجبتني لغة الأب تحديدًا؛ ذلك الهدوء الذي يشبه تأملًا متأخرًا في حياةٍ عابرة، كما لفتتني الطبيعة حين تتسلل إلى السرد كذاكرةٍ ثانية للنص.
أحببتُ عقيلة، بما تحمله من انكسارٍ وأنوثةٍ قلقة، إلى جانب رسم مخلوف في مساحته الرمادية بين الطب والعنف، بما يكشف التباين بين الزوج والزوجة ورغباتهما.
ورغم أن النهاية مفتوحة على احتمالاتٍ متعددة، إلا أنها تركت فيني قلقًا هادئًا، لينسحب النص ببطء، ويتركني داخل الحكاية.

د. إيمان المازري

sukraelmazri@yahoo.com

عن إيمان المازري

إيمان المازري

شاهد أيضاً

قراءة في رواية نوار سيدة الحراز “مدينة العسس”

رواية نوار سيدة الحراز للكاتب أحمد ضحية، الرواية تقع، في ٢٦٤ صفحة من القطع المتوسط، …