محمد عبدالله الكامل
حين اندلعت الحرب في السودان، انشغل كثيرون بالبحث عن أسبابها. سعى بعضهم لاختزال دواعي اندلاعها في طيش السياسيين ، شهوة العسكر للسلطة و تدخلات الخارج.و لكن سؤالًا آخر ظل أقل حضورًا، مع أنه ربما كان الأكثر أهمية:
هل كان المجتمع السوداني نفسه يحمل منذ زمن بعيد بذور التناقضات التي جعلت هذه الحرب ممكنة؟
هذا السؤال لا يبحث عن إدانة مجتمع بأكمله، وإنما يحاول فهم الكيفية التي يمكن أن تتجاور بها داخل المجتمع الواحد قيم متناقضة.و يأتي في مقدمتها ثنائيات مثل : التسامح والإقصاء، الشهامة والعنف، الانفتاح والانغلاق. ثم تتقدم إحدى هذه الثنائيات على الأخرى بحسب تغير الظروف .
من هذه الزاوية، تبدو رواية «48» لمحمد المصطفى موسى عملًا يستحق إعادة القراءة اليوم. الرواية بالقطع لم تتناول الحرب السودانية الحالية بصورة مباشرة فجة. النص هنا يبتعد عن التفسير و الشرح و لكنه يعود إلى لحظة مفصلية في تاريخ البلاد، حين كانت الدولة الوطنية لا تزال في طور التشكل، وكانت الهوية السودانية تبحث عن تعريفها وسط تحولات داخلية وإقليمية عميقة.
تكمن أهمية الرواية في أنها لا تبدأ من قصر الحاكم العام البريطاني ، ولا من بيانات الأحزاب و مؤتمرات الخريجين . الرواية تبني عالمها من سوق العيش ، حياة البسطاء من العتالين و العربجية والعلاقات اليومية بين الناس. النص يرسل إيحاءات مهمة بأن الأزمات الكبرى لا تولد فجأة في مراكز السلطة، بقدر ما تبدأ في الطبقات العميقة للمجتمع و في أسفل درجاته، حيث تتكون الأفكار عن الذات والآخر، وحيث تتحدد حدود الانتماء والإقصاء.
ولعل أكثر ما يميز الرواية أنها لا تقدم المجتمع السوداني بوصفه مجتمعًا مثاليًا ضاع، كما لا ترسمه مجتمعًا مأزومًا منذ نشأته. هي تقدم سردية بديله له بوصفه مجتمعًا يحمل منذ البداية إمكانات متعارضة و متناقضة . و في رأيي ، هذه هي الفكرة التي تمنح الرواية قيمتها اليوم.
إن أكثر شخصيات «48» من حيث ألمقدرة على كشف هذه التناقضات هي شخصية امرأة تقف على خط الهامش . ماتريد التي أسطرتها الرواية هي ابنة أبٍ إغريقي وأمٍ زاندية، أي أنها تنتمي منذ ولادتها إلى أكثر من عالم . ومع ذلك، تتحول تدريجيًا إلى ملاذ للفئات المهمشة. ويلتف حولها العتالون الذين يجدون فيها سندًا وإنسانية افتقدوها عند غيرها. هنا ترسم الرواية مفارقتها الأولى: الشخصية التي تقع خارج مركز المجتمع تصبح، أخلاقيًا، أقرب إلى روحه من كثير ممن يحتلون ذلك المركز.
و تتجه الرواية للكشف عن تناقضات أخرى إكثر عمقاً. عندما يتعرض الشيخ الرفاعي لأزمته المالية.تعرض ماتريد المساهمة في إنقاذه أثناء المزاد الذي تباع فيه مخازنه. نتفاجأ بتردّده في قبول المال لأنه يخشى أن يقال إن «مال الأنداية» هو الذي أعاد إليه ملكه. والمفارقة أن الرجل الذي لا يتردد في الاعتراف بفضل المرأة نفسها، يتردد في الاعتراف بفضل مالها، خوفًا من حكم المجتمع. هنا لا تنتقد الرواية الرفاعي وحده.النص في الحقيقة يكشف عن منظومة قيم متناقضة في مجتمع مرتبك : يستطيع أن يعترف بإنسانية المهمش، لكنه لا يستطيع أن يتحرر تمامًا من نظرته إليه.
ولعل هذا ما يجعل قراءة «48» اليوم مثيرة للاهتمام. معلوم أن الحروب لا تبدأ حين تُطلق الرصاصة الأولى، بل حين تتراكم داخل المجتمع تناقضات يعجز كل فاعليه عن حلها. و بالتالي يمكن أن يؤمن الناس بقيم التسامح والعدالة ظاهرياً ، ثم يقبلوا – تحت ضغط الخوف أو العصبية القبلية أو المصلحة – بممارسات تناقض تلك القيم و تهزمها تماماً.
وتوضح «48» أن الانتصار الذي يحققه سوق العيش لا يأتي بقرار سياسي أو ترف نخبوي .الرواية تبني عوالم و فضاءات يتحرك فيها تحالف شعبي واسع جمع العتالين والعربجية وصغار التجار. وانضمت إليه أيضاً قوى يصعب اجتماعها على قلب رجل واحد. هذا الطيف شمل المهدويين القدامى ، خصومهم من الختمية و بعض ممثلي التيارات الحديثة من الشيوعيين والإخوان المسلمين.
ويبدو هذا التحالف، في لحظة المواجهة مع القوى التي تمثلها قاعة غردون للموسيقى والنادي اليهودي، قادرًا على تجاوز خلافاته والانتصار في معركة واحدة. غير أن الرواية لا تحتفل بهذا الانتصار طويلًا، بل تلمح إلى هشاشته منذ صفحاتها الأولى .و ما إن يزول الخطر المشترك حتى تبدأ التصدعات القديمة في الظهور، وكأن الاتفاق كان استثناءً فرضته لحظة تاريخيّة معينة ، و ليس هو بقاعدة راسخة تستطيع بناء مستقبل دائم.
ومن هنا تكتسب العبارة التي يوردها الكاتب على لسان اللورد أكسلي دلالتها الفنية..
قال اللورد اكسيلي رئيس لجنة الاختيار للخدمة في مستعمرة السودان مخاطباً الشاب همفري ،و الذي سيصبح مفتشا لمركز أمدرمان لاحقاً :
” تذكر شيئاً واحداً مهماً..
لن يفلح إداري قط في عمله بالسودان إن استخف بجمره الحراق. ليس الأمر كما تظن. ستدير هناك قوماً قلوبهم شتى مختلفات. تسيدناهم بصنع الحداد الذي هو منهم فألفيناهم غارقين في إعادة إنتاج أزماتهم. يأمنون مفتش المركز والمأمور أكثر مما يأمنون بعضهم بعضاً. يجتمعون حول الأكاذيب والأوهام ويتفرقون حول الحقيقة والوطن. أنصت إليهم بنصف قلب فهم أهل حسد ووشاية. ولتكن إدارياً عليهم بكامل عقلك فهم شعوب غريبة لست أرتاب أن بهم جميعاً مسّاً من جنة” ..
و من هنا يتضح أن القيمة الحقيقية لـ«48» أنها لا تروي تاريخ السودان بقدر ما تروي تاريخ تناقضاته. ولذلك، فإنها لا تفسر الحرب بقدر ما تجعلنا نعيد النظر في الجذور الاجتماعية التي هيأت لها، وفي الأسئلة التي ما زالت تنتظر إجاباتها.
mabdallah197565@yahoo.com
