سد النهضة والحلقة المفرغة .. بقلم: د. أحمد عبد الله الشيخ
23 فبراير, 2021
المزيد من المقالات, منبر الرأي
35 زيارة
مع اقتراب موسم الخريف وإصرار اثيوبيا على إتمام المليء الثاني لسد النهضة باتفاق أو بدونه، تزداد حدة الشد والجذب بين السودان ومصر واثيوبيا في مفاوضات السد.
وفي هذه الاثناء صرح السيد وزير الري السوداني الدكتور ياسر عباس بأنه يجب اتباع طريقة جديدة لإدارة مفاوضات سد النهضة بين السودان ومصر واثيوبيا، لأن الطريقة الحالية غير مجدية، وتدور في حلقة مفرغة.
من واقع متابعاتنا يحق لنا أن نتساءل: هل المفاوضات تدور في حلقة مفرغة؟ أم أن من يدور في هذه الحلقة هو وفد السودان؟
للإجابة على التساؤل، نستعرض بإيجاز مواقف الدول الثلاث.
الموقف الاثيوبي:
هنالك العديد من الأوراق والكتب القديمة والحديثة الاثيوبية المنشورة التي عبرت عن مفهوم اثيوبيا لقضايا المياه. ويستخلص منها أن الموقف الاثيوبي ظل على الدوام يرتكز على أن المياه التي تنبع من الأراضي الاثيوبية هي مياه اثيوبية خالصة. وأن لأثيوبيا الحق المطلق في استخدام مواردها المائية في خدمة وتنمية شعبها، وما فاض عن الحاجة الاثيوبية يمكن لأثيوبيا أن تساهم به في تنمية واستقرار جيرانها. لذلك تشدد اثيوبيا في مواقفها التفاوضية لأنها تدافع عن مواردها التي وهبتها إياها الطبيعة. وتجلي ذلك بعد المليء الأول لسد النهضة حيث ذكر وزير الخارجية الاثيوبي التصريح التالي “نهنئكم. كان نهر النيل، وأصبح النهر بحيرة ستحصل منه إثيوبيا على التنمية التي تريدها. في الواقع النيل لنا”. كما صرح العديد من المسؤولين الأثيوبيين انه لا توجد قوة في الأرض يمكن أن تمنع اثيوبيا من استغلال مواردها المائية لتنمية شعبها. بتلك الاستراتيجية الواضحة أدارت اثيوبيا مفاوضات سد النهضة بحنكة ونجاح، وجعلت المفاوضات تسير في اتجاه الرياح الاثيوبية. والمقصود بالنجاح هنا النجاح في إدارة ملف المفاوضات وليس فلسفة وجدوى مشروع السد.
الموقف المصري:
في كتابات سابقة ذَكرتُ أن الموقف المصري في قضايا مياه النيل يقوم على مركزية الدولة المصرية لأنها الأول والأكثر استخداما لمياه النيل (الحقوق التاريخية لمصر). ولكن قيام سد النهضة ضعضع من تلك المركزية المصرية. لذلك ظل الموقف المصري على طوال فترة المفاوضات يقوم على الحفاظ على منسوب مرتفع نسبيا في بجيرة ناصر مع ترديد إعلامي كثيف لمقولات مثل سد النهضة يمثل خطر وجودي على مصر على الرغم من عدم وجود أي دراسات محايدة تؤيد هذا الرأي. لذلك ظلت الاستراتيجية المصرية تقوم على تعظيم الأضرار وتخويف المجتمع الدولي من كارثة انهيار مصر في حالة حدوث انقطاع غير متفق عليه لسريان مياه النيل الأزرق عن مصر. أي أن مصر تعتمد بصورة أساسية على الضغط من الخارج على اثيوبيا لحملها على تقديم ضمانات لمصر بحيث تتم عملية المليء بصورة غير مؤثرة على مناسيب المياه في بحيرة ناصر. ذلك ما يفسر لجوء مصر الي الولايات المتحدة والبنك الدولي لتكثيف الضغوط على اثيوبيا. وبالرغم من أن المسار الحالي للمفاوضات تعتريه بعض المشكلات، إلا أن الوفد المصري لديه بعض من يقين أنهم في النهاية سيتوصلون الي اتفاق مرض على سنوات ملء السد لذلك فإنهم مستمرون في التفاوض. الجدير بالذكر هنا على العكس من السودان، مصر ليست مهتمة بصورة أساسية للوصول لاتفاق على طرائق تشغيل السد بعد اكتمال عمليات المليء لبعد السد العالي من سد النهضة ولكبر حجم بحيرة ناصر مما يسمح لها بتخزين كميات كبيرة من المياه.
الموقف السوداني:
ظل موقف السودان من قضية سد النهضة يتأرجح بين موقفين متناقضين:
الموقف الأول: مناهض لقيام سد النهضة، لأن سعة السد الكبيرة تمثل خطرا كبيرا بالأخص على السودان النيلي. كما يمكن لأثيوبيا استخدامه للضغط على السودان خاصةً وأنها لم تقم بمشاورة السودان قبل البدء في عمليات بناء السد كما نصت اتفاقية 1902.
الموقف الثاني: مؤيد لقيام السد استناداً على الدراسات التي أجرتها وزارة الري وتوصلت إلى أن فوائد السد عظيمة ومضاره بسيطة يمكن تلافيها. ولكن تلك الفوائد يمكن ان تتحول الي اضرار إذا لم يتم التوصل على اتفاق مرض مع اثيوبيا على طريقة إدارة وتشغيل السد.
تذبذب الرؤيا بالنسبة لوفد السودان بين القبول والرفض، مصحوبة بعدم الضغط على اثيوبيا مبكرا لحملها على التوقيع على اتفاق ملزم يحمي مصالح السودان كل هذا وغيره جعل وفد السودان يدور في حلقة مفرغة حول نفسه وليست المفاوضات. والدليل على حدوث الدوران في الحلقة المفرغة تصريحات رئيس الوزراء ووزير الري الأخيرة بان السد يهدد حياة عشرين مليون مواطن سوداني أي رجوع وفد السودان الي تبني الموقف الاول.
بالقليل من التدبر والتمعن في مواقف الدول الثلاث نلاحظ أن استجابة إثيوبيا لمخاوف السودان ومصر إنما هو دحض للفكرة الاساسية لقيام سد النهضة وهي كما أشرت سابقا أن المياه اثيوبية وأن استخدامها يجب أن يكون لصالح شعب اثيوبيا في المقام الأول. إذ ان الرغبة السودانية تتعارض بصورة كبيرة مع الرغبة الاثيوبية في السيطرة على مواردها المائية. كما ان الرغبة السودانية يمكن أن تفهم على أنها “فيتو دائم” على طريقة إدارة وتشغيل السد. لذلك تشدد اثيوبيا في موافقها التفاوضية تجاه السودان لدرجة اتهامها للسودان بأنه ذراع لأجندة خارجية ليس لديها مصلحة في تنمية ونماء السودان، وتستند اثيوبيا في هذه الإشارة للتصريحات المتواترة عن العديد من أعضاء وفد السودان عن فوائد سد النهضة بالنسبة للسودان.
وبالرغم من التباين الواضح بين الموقفين الاثيوبي والمصري أعتقد أنه من الممكن أن تمتثل اثيوبيا للرغبة المصرية لاسيما أنها لا تمثل فيتو وأنها غير دائمة لأنها مرتبطة بعدد سنوات المليء. وقد تقوم بعض الدول الغنية ذات النفوذ بتحمل بعض خسائر اثيوبيا مقابل تمديد سنوات المليء في موقف يلبي مطالب اثيوبيا ويبدد مخاوف مصر.
ولكنني وللأسف أري أن وفد السودان قريب من الوصول الي اتفاق معيب يجعل السودان تحت رحمة اثيوبيا. وسَيُبَرر ذلك الاتفاق بتعرض الوفد لضغوط تحمل للقبول بالاتفاق المعيب، وبدعوى أن أي اتفاق ولو كان معيباً لهو أفضل من عدم التوصل لاتفاق، وأن في المفاوضات عادةً لا تحصل على كل ما تريد، وفي كل هذه الأقاويل والمزاعم إعادة سمجة لفيلم حلفا القديمة. وثالثة الأثافي هنا أنه في حال لم يتوصل السودان إلى اتفاق لإدارة وتشغيل السد فسيضطر للدخول في مفاوضات عسيرة مع مصر لتقاسم المياه (الصادرة من سد النهضة).
في المقال القادم سأطرح بعض الأسئلة المهمة وبعضاً من الحلول الممكنة.
د. أحمد عبد الله الشيخ
aaer4c@gmail.com