سفر السودان والدروس المستفادة .. بقلم: شوقى محى الدين أبوالريش
24 مايو, 2015
المزيد من المقالات, منبر الرأي
43 زيارة
يقول الإمام الشافعى في فوائد السفر:” تغرب عن الأوطان في طلب العلا….. وسافر ففي الأسفار خمس فوائد : تفريج هم، وإكتساب معيشة، وعلم، وآداب وصحبة ماجدٍ.” أما السفر إلى السودان، من تجاربى،ففيه أكثر من عشرين فائدة..وهنا لا أقصد الفائدة الآنية إنما فائدة التعلم لمستقبل ألأيام إذا كانت هناك أيام وإمتثالا للحديث الشريف “لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين”.
في الشهر الماضى سافرت إلى الخرطوم لحضور مناسبة سعيدة داخل الأسرة ورغم قصر مدة بقائى التي إقتصرت على أيام المناسبة إلا أننى رجعت بذخيرة كبيرة من فوائد ذلك النوع الذى أقصده وأردت أن نقلها لكم كما حدثت لتعم الفائدة. وسوف أسميها الواقعة بإعتبار أن أي فائدة جنيتها كانت نتيجة لحدث أو موقفلا يحسد عليه، ولا بد دون الشهد من إبر النحلِ.
الواقعة الأولى في الطائرة القطرية المتوجهة إلى الخرطوم جلس في المقعد الذى بجوارى شاب في مثل عمرى وكالعادة دخلنا في ونسة طويلة عرف كل منا كل شيء عن الآخر لدرجة أنه زارنى في المنزل وزرته في منزله بعد أن وصلنا وهذه أولى فوائد السفر وهى صحبة ماجدٍ.هذا الشاب يبدو أنه من النوع الذى تصُن أذناه مع زيادة ضغط الطائرة في طبقات الجو العليا ولذلك يستعمل اللبان أو العلكة لتخيف وطأة الضغط على أذنيه.وعندما أقلعت الطائرة سرعان ما أخرج علبة اللبان من حقيبته وأخذ منها قطعة ومن باب الذوق قدم لى العلبة ورغم أننى لا أستعمل العلكة ولا أطيقها لأنها تجعل منظرك شاذا بين الناس ثم أحياناً كثيرة لا تصيب الهدف وتعض لسانك الذى هو حصانك،إلا أننى من باب الذوقً أيضاً قبلت منه قطعة العلكة..وبمجرد أن أدخلتها في فمى حتى إشتبكت كالكلبة الشرسة مع إثنتين من أسنانى الأمامية المركبة وطاحت بهما مع أول “عضة”وكدت أن أبلعهما لولا أن الله ستر وإحتفظت بهما في جيبى حتى يفعل ألله أمراً كان مفعولا، وإستدركت حينها لماذا كان طبيب الأسنان يحذرنى دائماً من العلكة..لكن للضرورة أحكام فقد كان لا بد لى من المجاملة حتى أظفر بصحبة ماجدٍ. المشكلة الكبرى التي تواجهنى الآنلقد صرت شخص آخر غير الذى كنت أراه في المرآه..تغيرت ملامح وجهى تماما وصرت وكأنى مضروب للتو “بونية” في وجهىى من بطل ملاكمة..وأحسن وصف لشكلى في تلك اللحظة أقتبسه لكم من اللغة النوبية وهو ” نيد بورا” والكلمة الأولى تعنى سن أما كلمة ” بورا” فهى ربما جاءت من الأرض البور فاللثة بدون أسنان تشبه الأرض البور..والله أعلم. ماذا أفعلإزاء هذا المنظر البشع ونحن لحظتها معلقون بين السماء والأرض؟فكرت في المستقبلين لى من أهلى في المطار هل سيعرفونني ؟ هذه ما مشكلة فقطعاً أنا سوف أعرفهم.لكن إذا عرفونى تكون المشكلة أكبر هما أمران أحلاهما مر..ماذا حصل له في مسافة الثلاث ساعات بين الدوحة والخرطوم ! قطعاً حصلت معركة داخل الطائرة أو محاولة إرهابية أو إختطاف كلفته أسنانه..لكن مرحلة الإستقبال فى المطار مرت بسلام نوعاً ما لوصولنا ليلاً وأحمد الله أن مطار الخرطوم مظلم أو بالأحرى ليست به إضاءة كافية كالمطارات الأخرى– فرُبَّ ضارة نافعة. مشكلتى الأخرى الآن أصبحت كيف احضر بذات المنظر وليمة الفطور المفتوح لذات المناسبة والذى كان يصادف اليوم الثانى وهو يوم جمعة وأطباء الأسنان يعطلون يومى الجمعة والسبت. قالوا ” سيد الرايحة يفتش خشم البقرة”.. رأساً جاءتنى الفكرة واتصلت بقريبى وصديقى دكتور محمد مرسى(مش الرئيس م) إستشارى طب و جراحة الأسنان لينجدنى من هذه الورطة الذى أدخلنى فيها صحبة ماجدٍ وحكيت له الحكاية من طقطق للسلام عليكم. وبما أنه كان مدعواً لمناسبة الفطور ذاتها ولم يرد أن يرانى بذلك المنظر الذى تخيله، فقد رتب لى موعداً في عيادته الخاصة ليرانى زميله إستشارى الأسنان دكتور حمو وهو في يوم راحته..وللحقيقة لم أرى طبيباً بذلك التهذيب والذوق والدقة في العمل. إنتهى المشهد الثانى وأسدل الستار وأصبحت صاحب أجمل إبتسامة لكن ياحسرة فقد فاتنى الفطور لأن الطبيب منعنى من تناول أي طعام فيما تبقى من ذلك اليوم لكنه ما درى أنه يوم مفتوح…وتانى توبة من العلكة.
تعلمت من هذه الحادثة ألا أخالف أوامر الطبيب فىصحتى مجاملة لأحد أو مهما كانت الأسباب التي هي أصلاً كلها أسباب وقتيه ودوام الصحة هو المطلوب.
الواقعة الثانية وهى أكثر طُرفة فقد إصطحبنى في هذا المشوار أخى وصديقى سعد مع إبنه الأصغر الطفل جمال الذى سُمى على جده الأديب الكبير والدبلوماسى المعروف الأستاذ جمال محمد أحمد طيب الله ثراه، جمال هذا تابع مع طبيب الأسنان كل مراحل علاجى وهو يقف ملاصقاً للطبيب وسأله أسئلة منكر ونكير والطبيب المهذب يجاوبه وكأنه طالب طب “فاينلست” لأن أسئلته كانت بالفعل أسئلة ذكية تنم عن رغبة أكيدة للمعرفة.وعندما خرجنا من العيادة عرجنا على “السوبر ماركت” القريب وإشترى له والده قطع من حلوى الشكولاتا تلبية لطلبه..وعندما تحركت بنا السيارة أعطى والده قطعة من الحلوى وتجاهلنى تماماً و أنا الذى أجلس بجواره وعندما تثاقلت عليه وطلبت منه الحلوى قال لى بذكاء وبنبرة فيها إستنكار فى شكل نصيحة:” عمو..إنت عندك سوس في أسنانك !”.
فلم أتمالك نفسى من الضحك حيث طبق علىّ هذا الطفل المعلومات التي إكتسبها عنى فى أول لفة ما شاء الله..لكن لم أدرِ هل كان حريصاً على سلامة أسنانى أم سلامة حلاوته؟
لا نستهين بعقول الأطفال فهم يجترون ما يرون وما يسمعون لمصلحتهم الخاصة في الوقت المناسب ولو بعد حين.
الواقعة الثالثة.. للمحافظة على الربط سوف أعود بكم خطوة للوراء لنفس رحلة الطائرة القطرية من الدوحة للخرطوم. إذا لاحظتم في أسفاركم السودانيون هم أكثر الشعوب تحركاً داخل كبينة الركاب فى الطائرة أثناء تحليقها في الأجواء..منهم المصاب بداء السكرى، ومنهم المضطرب، ومنهم من يود الإطمئنان على عفشه،ومنهم من يريد الونسة مع صديقه في مقعد بعيد عنه، ومنهم من لا يريد شيء. ودائماً تكون الضحية هي المضيفة المسكينة تأخذ شكلة ذي الطين إذا أرادت أن تهدىء هذه الحركة لسلامة الركاب والطائرة. فى هذه الرحلة كانت هناك سيدة في متوسط عمرها تجلس مع أطفالها في المقعد الوسط في الصف الذى من خلفى..تحرك أحدهم تجاه مقعد السيدة وفتح الخزانة العلوية فوقها ليطمئن على أغراضه. وفجأة سقطت علبة لبن نيدو من أكبر الأحجام على نافوخ هذه السيدة فسمعنا صرخة مدوية أربكت كل من في الطائرة ثم راحت السيدة في إغماءة وثبات عميق تلتها صرخات وعويل أطفالها الثلاث وتجمع حولها طاقم القيادة والخدمة واحتاروا ازاء هذا الموقف ثم قرروا أن يعودوا بالطائرة أدراجها إلى مطار الدوحة لمحاولة إنقاذ هذه السيدة إلا أنه ولحسن حظ الجميع تصادف وجود طبيبة اختصاصية بين الركاب أنقذت الموقف..فحصت السيدة وناولتها بعض المسكنات وجلست عندها تسعفها حتى أفاقت من اغماءتها تدريجيا وتحسنت حالتها ثم واصلت الطائرة رحلتها بناءاً على تعليمات الطبيبة التى أنقذت الكل.وعَلمتُ فيما بعد أن الخطوط الجوية القطرية أرسلت خطاب شكر وتقدير للطبيبة المنقذة.
الدرس الذى تعلمته من هذه السفرية هو أن أختار المقعد الذى يجاور الشباك في الطائرة في رحلاتى للسودان حتى أكون في مأمن من سقوط الأشياء من علٍفوق الرأس فهو أسلم وأبعد مكان من الخزانة العلوية للطائرة.
الواقعة الرابعة ..كجزء أساسى من ترتيبات المناسبة التي سافرت من أجلها كلفت أحد أبنائنا أن يذهب للمأذون الشرعى للمنطقة ويتفق معه على الحضور والمكان والزمان.هذا الإبن لف ودار طوال اليوم وأتانا بخفى حنين..ماذا حصل ؟ أولهم قال له : “أنا خليت الشغلانة هذه..دى ما جايبه همها !” ويبدو أنها أدخلته في مشاكل وشرطة وقضايا ومحاكم.أما الثانى فقد إختصر موضوعه وقال له : ” أنا بتاع طلاقات بس. ” ويبدو أن جانب الطلاقات أكثر في هذا الزمان وليس لديه الوقت الكافى لممارسة الإثنتين.. للوهلة الأولى إعتقدت أن إبننا يصعب الأمور كمثل إسمه الذى وُلد به أو يمزح أو لم يأخذوه مأخذ الجد لخفة دمه.. وعندما أكد لى ما قاله إستعدلت فى جلستى وأخرجت قصاصات الأوراق البيضاء والصفراء من جيبى وقد كنت في جولاتى قد قرأت إعلاناً وُضع على قطعة خشبية في قارعة طريق إمتداد الدرجة الثالثة مكتوب عليه مأذون شرعى وبه رقم جواله الذى سجلته في قصاصاتى.. فإتصلنا به وحضر في الموعد وتمت المراسم.. لكن يبدو لى أنه مأذون حالات طارئة أو مأذون شامل لا يتقيد بالتوزيع الجغرافى الرسمي لزملائه.
لقد آمنت إذا أردت أن تعيش في السودان فلا بد أن يكون عندك صديق مقرب من كل المهن: محامى، طبيب، مأذون، سباك، ميكانيكى، كهربجى، بنشرجى، ضباح، بتاعدولارات سمسار إلخ..
الواقعة الخامسة..في هذه المناسبة جاءنى صديق، وكان زميل إغتراب قديم،لزيارتى وحكى لى عن جبايات الحكومة من الأفراد والجماعات بصفة عامه ثم قصة تسجيل أرض له في الحاج يوسف ورسوم التسجيل التي كانت أكثر من ثمن قطعة الأرض. وبهذه المناسبة حكى لى أن سائق إحدى اللوارى في طريق بورتسودان الخرطوم تم إيقافه في محطة القضارف بواسطة رجال المحلية وطلب منه سداد رسوم دمغة الجريح فسددها على مضض وهو لا يدرى من هو الجريح..؟وعندما وصل محطة الفاو القريبة من القضارف طلب منه رجال المحلية، وهم بنفس الأشكال التي رآها قبل ساعة، سداد رسوم دمغة الشهيد فقال لهم بكل عفوية :” هو لحق مات !”.
نظرية مثل هذه الطرق أو ما يعرف بال (Toll Roads) في الدول المتقدمة هي ضريبة مقننة من أجل جمع المال لبناء الطرق وصيانتها فقط ولذلك تجد الطرق كأنها رخام زمزم منثور. أما فى السودان أولاً ليس هناك قانون بل رئيس الجمهورية بنفسه، وهو أعلى سلطة في البلاد، منع هذه الجباية أكثر من مرة لكن لا حياة لمن تنادى لأنها مصدر الدخل الوحيد للمحليات..و ثانياً إذا قسم الله لك أن تركب طريق الخرطوم مدنى فسوف ترى بل تشعر بنفسك كيف تهالكت الطرق لعدم الصيانة.
الواقعة السادسة..كنت في مشوار مع صديق أخذنى بسيارته وأثناء سيرنا في شارع عبيد ختم ظهرت أمامنا ركشتان تسيران ببطء شديد بالكاد خمسه كيلومتر في الساعة ولذلك إصطف خلفنا عدد من السيارات فإستعملنا آلة التنبيه وكذلك تبعتنا السيارات الأخرى من خلفنا لكن لا حياة لمن تنادى. وعندما تجاوزناهما بصعوبة لحق بنا أحد سائقى الرقشة معتذراً عما بدر منه قائلاً لنا بالحرف الواحد ” آسف يا جماعة الخير..أنا لم أقابل صاحبى هذا منذ أكثر من ثلاث سنوات رغم أننا نعمل في نفس المهنة.. تخيلوا ذلك ياجماعة.!” فرد عليه صاحبى قائلاً له :” ترى هذا الذى يجلس بجوارى (وهو يقصدنى) هو راجل مغترب وأراه كل سنة بل أحياناً أراه مرتين في السنة.”ثم إمتد الحديث بينهما وصار ثنائياً أن المغتربين ناس مرطبين ووو.. وصارت ونسة طويلة لدرجة أن عرف صديقى منه كم ثمن الركشة ومصروفاتها اليومية وكم دخلها في الساعة و في أيام الجمع والعطلات..ومن هذه الونسة قرر صديقى أن يستثمر ماتبقى من أمواله التى عاد بها من إغترابه في أسطول ركشات وهنا لحقت به السيارت التي كانت خلفنا وهات يا شتايم وسب فينا وعلى مستر فورد الذى ركبنا السيارة ..
الشاهد أن الفوضى تعم شوارع الخرطوم..سيارات، ركشات، مشاة، كاروهات،درداقات، ترتارات،شحاتين ألخ… وكما قال أحدهم :”هناك الناس تمشى في الظلط والسيارات تسير في التراب”إضافة إلى أن أى شخص له الحق فى أن يقفل الشارع الرئيسى وينصب خيمته لمناسبة فرح أو كره وعلى السيارات أن تسير في التراب أو تدبر أمرها ..ما العمل إذن ؟
لا بد أن تكون هناك قوانين مرور رادعة وقبل ذلك لا بد للناس أن تحترم القوانين تلقائياً لكن السؤال الهام هو كيف نعلمهم تلك الثقافة التي سوف تنعكس إيجاباً على سلوكهم العام ؟
الواقعة السابعة..صديقى سعد جاءته إرسالية أو طرد من القاهرة مع أحد المسافرين والذى تركها عند أحد معارفه يدعى عوض ولاهمية الإرسالية أرسل سعد السائق واصفاً له المنزل وهناك إستقبله عوض خير إستقبال وهات يا فطور وشاى سادة وقهوة وونسة طويلة.وعندما هّم بالمغادرة سأله عن إرسالية أو حاجات سعد ؟إستغرب الرجل وأنكر حتى معرفته بشخص يدعى سعد و ليست لديه حاجات تخص سعد أو غير سعد..ثم دار بينهما بعض اللغط لأن السائق متأكد من الإسم الثلاثى ووصف موقع المنزل. وأخيراً إتصل بسعد حلاً للمشكلة وإتضح أن عوض أحمد حسين المقصود هو أحد جيران عوض أحمد حسين غير المقصود..مسكين السائق لقد كاد أن يدخل بين أظافره..الإسم نفس الإسم الثلاثى، البابين من حديد وضلفتين، و لونهما أخضر، والمنزلين أمامهما شجرة، والشجرتين تقف تحت كل منهما غنماية سوداء .. لقد تشابه عليه البقر والغنم..ومسكين السائق أيضاً لم يجد كلمات الاعتذار الكافية لعوض غير المقصود الذى أكرم وفادته وهو لا يعرفه.
الحقيقة المؤلمة أن مناطق كثيرة في مدينة الخرطوم، التي تأسست كعاصمة عام1830، تنقصها أبجديات تخطيط المدن..أين أسماء الشوارع وأرقام البيوت يا والى ؟
الواقعة الثامنة..ذهبت لمعاودة نزيل في أحد المستشفيات الحكومية في منطقة العمارات وأثناء إنتظارى تحت شجرة نصف ظليلة رايت رجلاً قصيراً أشعث أغبر قصير الثياب حافى الرأس يتحدث بجواله ويمشى ويجىء من خلفى.. لم يستهوينى حديثه فلم أسترق السمع ولم أدرى ماذا كان يقول لكنه شد إنتباهى عندما أتى بقربى وعلا صوته وقال لمحدثه : ” أن زوجتى المريضة في المستشفى قد لحقت بربها الآن وأن جثتها نقلوها إلى المشرحة وأرجو ألا تخبر الأولاد حتى نرتب الأمور..وقد سألت عن الكفن وعرفت أنه يكلف ثلاثين ألف جنيه وأنا معى أربعة آلآف جنيه لكن ما مشكلة بحاولأدبر الباقى هنا.. بس إنت خليك مع الأولاد.”…هذا القول نزل على كالصاعقة وخارت قواى مما سمعت ولا شعورياً أدخلت يدى في جيبى وأعطيته مبلغ من المال يكفى لشراء عدد من الأكفان..أخذ الرجل المبلغ وذهب بعيداً عنى في صمت حتى دون أن يفتح الله عليه بكلمة من الكلمات المعهودة في مثل هذه الحالات..لكننى أعطيته العذر لعله قد ذهب إلى المشرحة أو لشراء الكفن..لكنه أفسد علىّ يومى ذاك.
حكيت حكايتى المحزنة صباح اليوم التالى الى أحد المعارف يسكن في نفس المنطقة المجاورة للمستشفى المعنى فضحك وأكد لى أن هذا الأسلوب قد تكرر كثيراً أمام عدد من المستشفيات فذهلت لكنى كنت راضٍ كل الرضا بما فعلت.
الشاهد إذا أكرمك الله وعندك إمكانيات وحاول أحدهم أن يأخذ منك مالاً فقد يكون محتاجاً، فإذا إقتنعت بحوجته فأعطه ما تيسر وإن لم ترض عن وسيلته، وقديماً قالوا أفعل الخير وأرميه في البحر.
الواقعة التاسعة..كنت أجوب في شوارع أطراف العاصمة وفى مناطق مختلفة منها القديمة والجديدة وما لفت نظرى وحاسة شمى هو في كل مكان أذهب اليه أشتم رائحة المشويات الشامية، ففى كل ركن وفى كل زاوية تجد مطعماً كبيراً أو كفتيريا أو كافيه أو حتى بيوت سكنية تنقلب مؤقتاً إلى مطاعم مجهزة في أوقات الوجبات فتجد نفسك جالس على طاولة طعام تأكل في غرفة النوم الرئيسية أو في غرفة الأطفال في منزل ما. وعندما تعجبّت من هذه الحالة البطونية والكم الهائل من محلات الأكل قال لى صديق مبرراً : ” المحلات كلها أصبحت مطاعم أو صيدليات أو مراكز طبية فقط عشان الناس بتاكل وبتمرض وتتعالج وهكذا دواليك..” وشد إنتباهى أكثر مطاعم السمك الكثيرة المتشرة الآن و التي أصبحت ظاهرة فقد سمعتم بعوضية سمك وهانية سمك وأسماك النيل وسمكنا وسمكك إلخ…ولوقت قريب كانت مطاعم السمك قاصرة على سمك ” السبكى” في أمدرمان وسمك ” البربرى” في الخرطوم. ثم كميات المأكل والمشرب التي تستهلك في مناسبات الأفراح و الأحزان..لماذا ؟ إدركت الآن وبما لا يدع مجالاً للشك أن الشعب السودانى قاطبة لا يأكل ليعيش بل يعيش ليأكل.
والحكمة من هذا الأمر، أنه يجب أن نُعّلم أنفسنا أن نأكل مقدار الثلثل نعيش وأن نعيش لأداء مهمتنا التي خُلقنا من أجلها. فهل من إعادة نظر في نظام وكميات الأكل ولو حفاظاً على الصحة الغالية؟
الواقعة العاشرة..كنا في زيارة إلى كوريا الجنوبية.. الشعب الكوري شعب راقى جداً وأهم ما يميزه أنه شعب في غاية التهذيب .أذكر خرجنا ذات صباح في مشوار ما بتاكسى وإذ نحن في الطريق رن جرس الهاتف الخاص بالسائق لكنه لم يرد علىه إلا بعد أن إستأذن منا وحقيقةً رد عليه بعد أن سمحنا له فرداً فردا، وبعد أن رد عليه في مكالمة إستمرت أقل من نصف دقيقة تأسف لنا للازعاج الذى سببه هاتفه ولو له مراد لتخلى عن أجرته. عندما سمعت الأخت نفيسه تلك الحادثه ضحكت بشدة وحكت لى مثال آخر مشابه حصل لها في السودان. هي وأختها إستأجروا عربة “أمجاد” لمشوار إلى المستشفى وعندما مروا بجهة السوق الشعبى غيّر السائق إتجاهه نحو محلات السوق الشعبى ووقف أمام واحد منها وقال لهما:” أنه يود شراء خضروات لمنزله وهذه فرصة.”قطعاً هذا للمعلومية فقط.. والأدهى وأمر من ذلك أنه طلب منهما أجرته مقدماً ليسدد به ثمن مشترياته من الخضار.. ثم أتى بقفة الخضار ووضعها في المقعد الذى أمامهما..و أردفت نفيسه قائلةً :” ما فضل غير أن يطلب منا أن نورق له الخدرة بالمرة !! “..وهذا يعمل سائق وذلك يعمل سائق وشتان بين الإثنين.
إجادة العمل أياً كان نوعه هو سر نهضة البلاد..إنظر إلى دولة كاليابان أو كوريا أو الصين بلاد أصبحت في مقدمة الركب والإنسان هو المورد الأساسى والوحيد لها.البلاد التي لا يعمل فيها الإنسان أو حتى لا يجيد فيها عمله هى بلاد محكوم عليها بالفشل التام وستظل ” محلك سر .”
قلت لكم في بداية حديثى أن هناك أكثر من عشرين فائدة لكنى سوف أكتفى بهذا القدر وإلى لقاء جديد في سفرية أخرى.
شوقى محى الدين أبوالريش
reeshs@hotmail.com
الدوحة في 24 مايو 2015