سلام الشجعان (3): الدمج المنظم وإعادة التأهيل… بين التحدي والضرورة الوطنية

د. أسامة محي الدين خليل
osamamohyeldeen@gmail.com

تشهد الساحة السودانية هذه الأيام جدلًا واسعًا بعد القرار الذي أصدره الفريق أول عبد الفتاح البرهان، القائد العام للقوات المسلحة، والقاضي بضرورة أن تكون كل القوى العسكرية تحت إمرة القيادة العامة وملتزمة بقوانين القوات المسلحة السودانية. هذا القرار يعكس رؤية واضحة نحو استعادة الدولة لسلطتها السيادية على السلاح، لكنه في الوقت نفسه فتح بابًا للتوتر مع بعض الفصائل المسلحة، خصوصًا “القوة المشتركة” التي ترى أن وجودها مرتبط باتفاق السلام الموقع في جوبا 2020، وما تضمنه من مصفوفات متفق عليها لعمليات الدمج والتسريح وإعادة الدمج (DDR).

لماذا الدمج المنظم ضرورة لا مفر منها؟
لأن وجود جيوش موازية يهدد وحدة القرار الوطني ويضاعف احتمالات الاحتراب الداخلي.

لأن الدمج هو السبيل الوحيد لبناء مؤسسة عسكرية قومية واحدة تمثل كل أبناء السودان وتحمي سيادته بعيدًا عن الولاءات الضيقة.

لأن التأهيل وإعادة الإدماج يمنعان عودة آلاف المقاتلين إلى دائرة العنف أو الانضمام لجماعات مسلحة جديدة.

معادلة التوازن:
هنا يبرز التحدي الأكبر: كيف يمكن أن تُنفَّذ قرارات الدولة السيادية دون أن تشعر الفصائل المسلحة بالتهميش أو نقض العهود السابقة؟
الحل يكمن في التوازن بين حزم الدولة واحترام الاتفاقيات:

الالتزام بالإطار الذي رسمته اتفاقية جوبا كمظلة سياسية وقانونية.

وضع خطة زمنية واضحة للدمج والتسريح، تُنفَّذ عبر لجان مشتركة تضمن الشفافية.

توفير برامج إعادة تأهيل مهني واجتماعي للمقاتلين الراغبين في العودة للحياة المدنية، مع حزم دعم اقتصادي يساعدهم على الاندماج.

إعادة بناء الثقة داخل المجتمع
الدمج لا يقتصر على إدخال المقاتلين في صفوف الجيش النظامي فحسب، بل يمتد إلى إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع. فالمواطن الذي فقد الثقة بسبب طول أمد الحرب وانتهاكات بعض منتسبي القوات المسلحة لن يشعر بالأمان إلا إذا رأى خطوات عملية:

إطلاق حملات توعية وطنية تُبرز رمزية وحدة الجيش.

دعم المبادرات الأهلية والمجتمعية التي تستوعب المقاتلين السابقين وتمنحهم دورًا إيجابيًا في البناء والإعمار.

إشراك الشباب والنساء في مشاريع إعادة الإعمار والتنمية لخلق مناخ بديل عن ثقافة السلاح.

خاتمة
إن دمج القوات المسلحة والفصائل المختلفة في جيش قومي موحد ليس مسألة فنية أو إجرائية فقط، بل هو امتحان لإرادة السودان في العبور نحو المستقبل. قرار البرهان يعكس الحزم المطلوب، لكن نجاحه يتوقف على قدرة الأطراف جميعًا على إعلاء المصلحة الوطنية فوق الحسابات الفئوية، والالتزام بمسار يضمن العدالة والشمول.

سلام الشجعان في هذه المرحلة يعني أن نواجه هذا الملف الشائك بجرأة، وأن ندرك أن السودان الجديد لا يمكن أن يولد وفيه أكثر من جيش.

عن أسامة محي الدين خليل

أسامة محي الدين خليل

شاهد أيضاً

حوار الشجعان (2) … خريطة طريق نحو سلام الشجعان

د. أسامة محي الدين خليلosamamohyeldeen@gmail.com مع دخول الحرب في السودان نصف عامها الثالث، بات واضحًا …