سيرة المرح والوجع  .. بقلم: د. أحمد المعتز


في شتاء 2015 استضافنا الدكتور حيدر ابراهيم علي في منزله شخصي و صديقين من ابناء مدينه ابو جبيهه في شقته الانيقه في غير تكلف بضاحيه المعادي بالقاهره… كان و دودا مرحا وحرص على ضيافتنا و تقديم الخدمه بنفسه رغم معاناته من آلام الظهر في تلك الفتره…. قلت له يا دكتور حيدر الوالده ام احمد تتابع ما تكتبه بشغف و تقول عنك آخر الكتاب المحترمين ضحك و لم يعقب.. اتصلت بها ثم أعطيته جهاز هاتفي المحمول فتحدث إليها سائلا عن صحتها و شاكرا لها على متابعته لما يكتب…. سألته عن هابرماس قبل أن يجرفنا الحديث إلى الكلام عن الشأن السوداني فحدثنا عن هابرماس و مدرسه فرانكفورت… لم نطل الجلسه رغم ما ابداه من سعاده و رغم الونسه الشيقه مراعاه لظرفه الصحي لكن اذكر تماما ان الموضوع الأخير الذي كان يتحدث فيه انتهى بالتساؤل لماذا يطلق السودانيون على القراءه صفه القراءه ام دق؟ و هل سنرى اليوم الذي يتحول فيه ذاك المصطلح الخائب الى القرايه ام متعه؟ لم يكن ذلك اللقاء الأخير فقد كتب لنا أن نلتقي في سودان ما بعد الثوره في بيت التراث حيث أقيمت ندوه عن العلمانيه كان هو المتحدث والمستضاف فيها… قدم لها الشاعر عالم عباس وحضرها لفيف من اهل الصحافه والإعلام والادب والناشطين السياسين الشباب… كان واضحا بالنسبه لي اهتمامه بالرد على اسئله الشباب وله كل الحق في ذلك فلقد كانت الأكثر موضوعيه وخلت أسئلتهم من الحكايات المكرره والمرهقه التي يحصب بها الجيل القديم الحضور قبل أن يسأل…. حرص كل الحرص ان يسمي الاشياء بمسمياتها دون أي غتغته او لولوه وهو الأمر الذي يخالف السائد و المتعارف عليه…..ثم كان لي أن اقتنص كتابه ازمنه الريح والقلق والحريه ورغم ان عباره سيره ذاتيه قد الصقت بالعنوان الا أنني لا أجد لها أي ضروره لانني و منذ الصفحه الأولى للكتاب كنت أتساءل هل هذا أدب اعترافات ام كوميديا سوداء فجرأة  محمد شكري في الخبز الحافي والشطار و صداميه رؤوف مسعد في بيضه النعام كانت حاضره بإستمرار… عشر فصول من الصعود َالهبوط طفنا بكل محل على رأي البرعي الكردفاني… جناين القرير و براحات الدويمات، ثنايا القشلاقات و حكايا التعليم و المعلمين و الطلاب في عطبره و دنقلا وحلفت و بحري و القضارف وام درمان ، معارك معهد المعلمين العالي سافرت مع ابو انديرا إلى اليونان و براغ و كسرت ركبه معه في فرانكفورت تلك المدينه الصاخبه القادر على ابتلاع كل من يعبث و يتجرأ على الاقتراب من تخومها… سبع سنوات بين ثنايا معاهد اللغه والانثربولوجي ليعود في اطروحته إلى القرير الأم… في القرير التقى علم الاجتماع بالتاريخ ليكون ذلك البحث الذي يمنح شرف الحصول على الحرف دال الذي معه تبدأ الأذن في الاستماع و الاعين في الأنبهار و معه تفتح الجامعات أبواب قاعاتها لالقاء المحاضرات بين ردهاتها لكنه يغادر الي مغامره أخرى حاملا معه مئات المشاهد في الذاكره، مشاهد لساسه و مفكرين وطلاب وجيران و مصانع و هزائم و انتصارات و أفراح وآلام حفرت في الذاكره لتكون يوما ما جزءا اصيلا من سيره المرح والوجع التي ستكتب بعد اربع عقود من ذلك التاريخ ينتقل الكتاب إلى مرحله التعامل مع المؤسسات العلميه في العالم العربي وكيف ان ذلك التعامل لا يتم الا عبر بوابه التعامل مع الانظمه اولا وهنا يكون التهكم ثم التهكم هو المنحى الأساسي للكتابه فرغم العائد المادي المغري الا ان سياسه تكميم الافواه و خنق الرأي المختلف هي السمه الملازمه لدوله الحزب الواحد والرجل الواحد عبرالعصور ليكون الهروب الكبير من ليبيا إلى تونس و من ثم الوقوع في ذلك الفخ المنصوب في قلب الصحراء بصناعة اصوليه المحتوى و الديدن ليبدأ الهروب الثالث إلى واحه أكثر أمانا نسبيا و هي جامعه العين سبع سنوات على شاطئ الخليج كانت هي الأكثر هدؤا ثم يعود الصخب هذه المره على وقع الموسيقى العسكريه واذاعه البيان الأول المشوؤوم الذي عقبه بعام غزو العراق للكويت…. كانت القاهره هي المكان الجغرافي الأقرب للمعارضه السودانيه و فيها رأى مركز الدراسات السودانيه النور و لقد وصف الكاتب تلك الفتره :(كان لهجوم التتار على الوطن صبيحة الثلاثين من مايو  1989م ، فضل التعجيل في تأسيس

(مركز الدراسات السودانية) ،

تلك الفكرة التي تأجلت كثيراً بسبب تسويف و

” محركة”  الانتلجنسيا السودانية.

ووقلت هذه المرة ليس بعد إنقلاب الإسلاميين كفر، فلابد أن يواجه هذا النظام فكرياً و سياسياً للقضاء على هذا الطاعون العقلي منذ الإستقبال). “ازمنه الريح والقلق والحريه الطبعه الثانيه ص 183″مركز الدراسات السودانيه كان بؤره ضؤ في ذلك البحر من الظلام وكنا و نحن طلاب في شبه القاره الهنديه اول المستفيدين من قيام المركز حيث استطاع دكتور محمد بابكر ان يأتينا بكل ما لذ و طاب من إصدارات الثلاث سنين الأولى من عمر المركز وتحول كتاب لاهوت التحرير إلى ماده ثريه للنقاش ، كانت المره الأولى التي ننتبه فيها الى افكار علي شريعتي و نتعرف على نضالات الشرفاء من رجال الدين في أمريكا اللاتينية ولا ادري إن اعيد طباعه ذلك السفر القيم ام لا لكن من المؤكد انه يستحق القراءه و أن يعاد فتح النقاش فيما دار فيه من مواضيع تاره أخرى و لتكن هذه المره في ربوع الوطن لا في مقاهي المنافي. كما أصدر المركز سلسله اعلام التنوير السودانيين و كانت الكراسه الأولى من نصيب الأستاذ محمود محمد طه، تجربه مركز الدراسات لم تلقى حظها من الدراسه والنقد عمدا فوجود مراكز إشعاع ثقافي يشكل خطرا داهما على صحافه نشر الغسيل الوسخ وأصحاب المقالات الغثه التي لا تخرج عن حيز ابداء الرأي في الحدث السياسي الآني. نقد الانتلجنسيا السودانيه او ما اصطلح عليه بالافنديه كان أحد معالم الكتاب البارزه و فيه تحميل للنخبه السودانيه للكثير مما حل بوطننا من كوارث.. (ظل السودان بلد الفرص الضائعة، و ضاقت إمكانيات خروجه من النفق المظلم الذي ولجه بسبق الإصرار.

و تعددت مرات الرسوب في اختبارات التاريخ ، حتى اسمها الابتلاءات في زمن آخر مدقع .

و يواصل السودانيون لامبالاتهم على كل المستويات و للمفارقة- كان عقلاؤهم و صفوتهم ، هم الأكثر استهتاراً و عدم جدية . فاضاعوا البوصلة تماماُ. وتركوا منطق الريح والطير هو الذي يسير سفينتهم، ولكن نحو المجهول .

وصحيح إن السمكة تفسد من رأسها فقد باتت الناس لا سُراة لها في كل الحقب والنظم الحاكمة- المدنية والعسكرية.

و صار السودان يساري النجم في الظُلم.

و يسمى علماء الاجتماع نموذج المسيرة هذه : ” التقدم في خط التطور المعكوس) .(ازمنه الريح والقلق والحريه… الطبعه الثانيه ص 282). إعادة  قراءه و تشريح الدور التاريخي للانتلجنسيا السودانيه اخذت حيزا مقدرا في كتابات د . النور حمد على الأخص (مهارب المبدعين) و أفرد لها الراحل دكتور منصور خالد كتابا متميزا (النخبه وادمان الفشل) لكن غياب النقد و نقد النقد يعتم كل موروثنا الفكري أضف إلى ذلك غياب مشروع المكتبه السودانيه و انزواء المؤسسات التعليميه في زاويه التلقين و إعادة  إنتاج الملقن مع غياب تام للصحافة والإعلام عن تسليط الضؤ على المنتوج الفكري للكتاب السودانيين كل ما سبق ذكره ساهم في تكريس حاله الغيبوبه الفكريه و الموت السربري للعمل الإبداعي. و رغم ان كتاب ازمنه القلق والريح والحريه نزع إلى السخريه من طبقه الافنديه بعد جلدها الا انه أشار إلى مراجع للقراءه يمكن أن يستدل إليها الناشئة ليعيدوا قراءه تاريخ الهزيمه بحذر و بأعين مفتوحه و اذهن صافيه لا تحمل الغطرسه المصطنعه في اغاني الحماسه (نحنا اولاد بلد نقعد نقوم على كيفنا) من أهم ما ورد من أسماء كتب… When God made sudan, he laughed للصحفي البريطاني أنتوني مان، وكتاب between Niger and Nile. للمؤرخ البريطاني ارنولد توينبي ، كما احتفى الكتاب بين طياته باشعار احمد فؤاد نجم و صلاح جاهين و ادونيس و كان احتفاء المؤلف بأشعار إيليا ابو ماضي مختلفا حيث تصدرت الفصل الأخير الذي جاء بعنوان اكتمال الزمن او لعبه الدهر لان الحديث كان عن فكره الوجود ومعنى الوجود….*قد سألت البحر يوماً : هل أنا يا بحر منكا*؟

*هل صحيحُ ما رواه بعضهم عني وعنكا*؟

*أم ترى ما زعموا زوراً وبهتاناً وإفكا*؟

*ضحكت أمواجه مني وقالت : لست أدري*.  في الأسطر الاخيره يناشد الكاتب مودعيه ان لا يتبرع احد بأوصاف مثل كان الراحل دمث الخلق وهي نهايه منطقيه لكتاب كتب تحت شعار الرهيفه التنقد لكن ها نحن ذا نقول انك شجاع ومضياف ودمث الأخلاق والعمر الطويل لك ابو مظفر.

 

jebeerb@yahoo.com


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!