سيف الشرعية الثورية ما زال في غمده

 


 

 

سيف شرعية الثورة الديسمبرية المجيدة مايزال ساكناً في غمده، الأمر الذي جعل قوى الردة لا تخشى بواتره، فازدادت تجاوزات السلطة الانقلابية وتمادت (قوة عينها) باخراج معتقلي (النظام البائد) من السجون، وربما رحّلت بعضهم إلى خارج البلاد كما تقول التسريبات، وكما شوهد الدكتاتور يتجول بين ردهات مستشفى علياء مستشفياً ومعايداً للمرضى كما ذكرت المصادر، كلها دلالات على أن (الجماعة ضربهم الهمبريب) فمدوا سيقانهم ليأخذوا نفساً عميقاً صاعداً، عسى ولعل أن تكون بوابة علياء خير معبر لبلاد السلطان سليمان القانوني، فمحاكمة مدبري إنقلاب الثلاثين من يونيو تشوبها الشكوك في جديّة عمل هيئاتها وقضاتها وفرق محاميها، والمبدأ القانوني التقليدي يقول: من أمن العقاب أساء الأدب، فسلطة الانقلاب أعادت المفصولين من قبل لجنة إزالة التمكين المفصولة، وفصلت الذين عيّنتهم لجنة (صامولة)، وعادت حليمة لقديمها، فجاس القنّاصون خلال الأحياء يتصيدون الراكزين من شباب الحراك، وعادت للأسف العميق بصمات الطلق الناري الحامل لرمزية جودة القتل الممنهج لبلطجية الطاغية. حالة من الاحباط شابت الناس بعد إعلان قائد الجيش لإنقلابه المشؤوم في الخامس والعشرين من شهر اكتوبر من العام الماضي، واكتست سماء الخرطوم بسحب الحزن الداكنة التي أعادت للذاكرة معارك الكر والفر بين ثوار سبتمبر ومليشيات حزب المؤتمر الوطني العقائدية الدموية التي تأتمر بأمر الدكتاتور.
جرد حساب حراك ديسمبر ونقد مسيرته الظافرة التي أوشكت على الاخفاق والوقوف على قارعة الطريق، واجب ثوري قبل أن يكون إلزام وطني، والبحث في الأسباب التي أدت لاضمحلال الحراك ضرورة مهمة من ضرورات استمرار اتّقاد جذوة شعلة الثورة، ومنح البطاقة الثورية هكذا بلا مبالاة للحزبي )المعصوم( الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، يجب أن يراجع، وإهمال واستبعاد استخدام سيف الشرعية الثورية بتسويق الأطروحة المهادنة (بالغانون) في محاكمة مجرمي منظومة (الحكم البائد)، لابد من الوقوف عند نتائجه الكارثية المخيّبة لآمال الفرحين بسقوط هُبل الانقاذ، يوم الحادي عشر من شهر أبريل من ذلك العام المعلوم، فالثورات لها شرعيتها، والثورة التي لا تبيد قوانين النظام الذي ثارت لأجل إسقاطه ليست بثورة، والاجابة على السؤال التالي بكل شفافية يضع حصان الثورة أمام عربة الدولة: من وقف ضد تفعيل سيف الشرعية الثورية؟، ومن سرّب هواء المخدر الفتّاك (بالغانون) داخل عقول الديسمبريين، تصور كيف يكون الحال لو تم تسليط سيف الشرعية الثورية على رقاب المجرمين من اليوم الأول لإسقاط الطاغية، لو تم ذلك، وقتها يمكن للفرد أن يقول بملء فيه أن هنالك ثورة قد اندلعت بأرض النيلين وأنجزت مشروعها، فالثورات لها شرعية منتزعة بحق أصيل وشرع جدير يخولها لهدم القوانين والدستاير القديمة وبناء الدستور الجديد.
المؤكد أن تحالف الرأسمالية الطفيلية ذات المسيرة التراكمية منذ فجر الاستقلال، مع هؤلاء المعتنقين لفكرة الهبوط الناعم المهادنة والباحثة عن الحلول النصفية، هو المؤخر والمؤجل استلال سيف الشرعية الثورية، وذلك لما لهذه الخطوة الجريئة من دور فاعل في إزالة المنظومة الاقتصادية الطفيلية المستفيدة من تزاوجها مع شبكة المصالح الذاتية التي يديرها (النظام البائد)، وقد شهدت حقبة الثلاثين عاماً لحكم الانقاذ ازدهاراً اقتصادياً لبعض التنظيمات والجماعات الحزبية الحاضنة لجنين الثورة الآن، الناعقة بهتاف الشعار الثلاثي الذي أفرزته قريحة من اكتووا بنار القهر والبطش والطغيان، ومن فرط تنفّذ هذا التحالف عبر الحقب والسنين وتمكنه من مفاصل الدولة، استطاع أن يجر إلى وحل مستنقعه مجموعات حركية مسلحة قاتلت سنينا عددا في سبيل الانعتاق من ربقة استعباد هذا الحلف، فضلاً عن ارتباطه بأحد المحاور الإقليمية المعيقة لقاطرة الثورة التلقائية، التي ستكون خلاصتها المؤكدة منظومة حكم وطنية مستقلة لا تدين بالولاء لغير الوطن، ومن هنا تأتيك المبررات الفطيرة المانعة لتفعيل قوة دفع الشرعية الثورية، وتأجيل حدوثها بتكتيكات يتواطأ معها كثيرون من أصحاب الخطاب الثوري الرنان، الذين يقولون بالسنتهم ما ليس في قلوبهم، لكن وكما يقول أحد الصحفيين المخضرمين، لابد من الديمقراطية والسلام والمحاسبة وإن طال السفر.

اسماعيل عبدالله
ismeel1@hotmail.com
20 يونيو 2022
/////////////////////////////////////

 

آراء