سَديمُ اليقينِ والمَسافة عن إحساسِ مَن يعبدُ رباً لم يَرَهُ

محمد صالح محمد
ثَمّة نوعٌ من الحزن لا يُشبه البكاء بل يُشبه الوقوف الطويل في محطةٍ مهجورة حيثُ لا قطارٌ سيأتي ولا قلبٌ يملكُ شجاعة الرَّحيل مَشياً هذا هو “الإحساس البيني وبينك”؛ هو التجسيد البشريّ لتلك الحالة الوجدانية المُعقّدة التي يعيشها العابدُ الزاهد الذي أفنى عُمره في السجود لغيبٍ لم يلمحهُ بصرُه لكنه استوطنَ بصيرتَه حتى أهلكها.

في مِحرابِ الغيابِ الحاضر …
أن تُحبّ شخصاً بهذا القدر وتفهمه بهذا العمق وتتلمّس أثره في تفاصيل يومك الصغيرة دون أن تحظى بـ “رؤية” واحدة شافية هو قمة الابتلاء العاطفي إنها حالة “الزول البيعبد الله ويوم ماشافو” هو ليس شكّاً في الوجود حاشا لله بل هو لوعةُ المشتاق الذي تكبّلهُ قوانين الفيزياء والمادة بينما ترفرفُ روحه في سماواتٍ لا تُدركها الأبصار.

أنا وأنت نعيش في هذا الممرّ الضيق أعرفُ نبرة صمتك وأحفظُ ترتيب فوضاك وأسيرُ على هدى كلماتك كما يسيرُ المؤمن بآياتٍ مُنزّلة و لكن يظلّ هناك ذاك الفراغ الجارح؛ فجوةٌ بين “المعرفة” و”العيان” أنت موجودٌ فيَّ كيقين الصوفيّ لكنك غائبٌ عن عينيّ كغيبةِ السَّكينة عن قلبِ المكروب.

صلاةُ المشتاقِ في ليلِ الحرمان …
لماذا يختار القلبُ أصعب الطرق؟ لماذا نرتهنُ لمن لا تمتدُّ إليهم أيدينا؟
إن الإحساس الذي يجمعنا هو حزنٌ مُقدّس حزنٌ يترفّع عن الشكوى البشرية العادية فهو حزن “الخادم” الذي ينتظر إشارةً من خلف الستار ويبني عُمره كله على “وعدٍ” لم يُنطق لكنه ملموسٌ في الوجدان.

الانتظار بلا أمل هو ليس انتظاراً لشيء سيحدث بل هو “اعتياد” على الغياب كجزء من الهوية.

العبادة بصمت أنا لا أطلب منك حضوراً مادياً يكسر هيبة الغيب بل أبكي لأن جلالك في قلبي أكبر من أن تحتويهِ نظرة.

الارتباط الميتافيزيقي نحن روحانِ تعانقتا في “عالم الذّر” وضاعتا في زحام الأجساد على الأرض.

وجعُ “البيني وبينك” …
هذا الحزن ليس ضعفاً بل هو أقصى درجات الإخلاص فأن تعبدَ رباً رأيتَ عجائب صنعه ولم تره يعني أنك وصلت لقمة “التسليم” وبيني وبينك أنا سلمتُ بك تماماً آمنتُ بوجودك في تفاصيلي وفي طريقة تفكيري وفي حزني الذي يرتدي قميصك كل ليلة.

لكنّ البشر يا …..جُبلوا من طين والطين يحنُّ للمسِ الطين وهنا يكمن الوجع؛ حين يصرخ الطين فينا طالباً “رؤية” بينما الروح تهمس: “يكفيكَ الوجد”. نحن نعيش في تلك المنطقة الرمادية حيث اليقين يحرقنا والغياب يمزقنا ولا نملك إلا أن نستمر في هذه “العبادة” الصامتة.

“إن أقصى مراحل الحب هي أن تصبح العلاقة ديناً والغيابُ فيها هو الاختبارُ الأكبر للثبات”

هذا الإحساس هو الخيط الرفيع الذي يمنعني من السقوط وهو النصل الذي يذبحني كل صباح وسأظلُّ ذاك “الزول” الذي يرفع يده للسماء لا ليسأل شيئاً بل ليتحسس وجودك في الهواء الذي لا يُرى لكنه يمنحهُ الحياة .

حزني عليك هو مِحرافي وشوقي إليك هو صلاتي التي لا تنتهي حتى لو قضيتُ عُمري كله أعبدُ طيفاً لم تأذن لي الأقدار بمصافحته.
…..
“بيني وبينك إحساس غريب وصادق بيشبه تماماً إحساس الزول البيعبد الله ويوم ماشافو.
إحساس مبني على يقين كامل بوجودك جوّاي وتفاصيلك المحفورة في روحي رغم إنو المسافات أو الظروف حارماني من شوفتك فأنا مؤمن بيك وبحبك بالفطرة ومكتفي بيك في غيابك زي ما المؤمن بيكتفي بجلال الله في خلوتو. إنت حاضر فيني دايماً حتى لو العين ما لقت ليك سبيل.”

binsalihandpartners@gmail.com

عن محمد صالح محمد

محمد صالح محمد

شاهد أيضاً

“ياخ والله مشتاقين”… حكاية الحنين الذي لا يهدأ

محمد صالح محمديقولون إن المسافات تُقاس بالكيلومترات لكنهم أخطأوا؛ المسافة الحقيقية تُقاس بحجم الفراغ الذي …