سَيرة زاد المجاهد مرقت عصر: من القضائية للقصر الجمهوري .. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم


أعادني صديق لصفحتي أمس إلى فكاهة رويتها في عمود قديم. كانت محكمة جرت قبل سنوات لفرقة دجاجلة. فكان زعيمهم، الذي علمهم الدجل، يدس بعيواً في صندوق يعرضه للناس، فيتنبأ البعيو للناس من موضعه الصعب عما سيكون من حظوظهم. وانكشف أمر الجماعة، وداهمت الشرطة مكان العرض والدجل، وألقت القبض على الدجال وبعيو الصندوق. ولما عُرضا أمام القاضي نظر إلى البعيو وسأله:
القاضي: هسع حاكمك كمتهم واللا اعتبرك معروضات؟
البعيو: متهم يا مولانا. يا مولانا متهم من فضلك.
-ليه؟
-عشان المعروضات بيبيدوها.
قاضي عسولة.
رفضت الإنقاذ أن تخضع لقضاء لجنة التفكيك بثورة مضادة “بالروب” من ناس مولانا أبو سبيحة كمتهمة بالثراء من الوظيفة العامة (وهو دجل أسود). وقلت لنفسي: لماذا لا نحاكمهم كمعروضات؟
ولست أريد من ذلك الإبادة بالطبع. حاشا لله. أقصد أن توالى لجنة إزالة التمكين عرض وثائق لصوصيتهم على العالمين. وهي لصوصية روعت الخاطر الوطني حتى بأداء لجنة التفكيك الذي شابه عور هنا وهناك. والتمست هذه الموالاة من قادة اللجنة مراراً. وقلت لهم كفوا عن تدبيج بيناتكم عن “تشليع” الانقلاب لشغلكم بالاحتجاج على العواهن، أو عرض الردة عن التفكيك على الآلية الثلاثية كمطلب غير مخدوم بشغل في معروضات لصوصية الإنقاذ: الحساب رقم 46160 ببنك التضامن الإسلامي، فرع البلدية الإبليسي مثلاً. وقرأت مذكرة للحرية والتغيير (المركزي) إلى الثلاثية قبل أيام جاء فيها أنهم يطالبون، من ضمن إجراءات المناخ للتفاوض مع الانقلابيين، “وقف القرارات الارتدادية التي ألغت قرارات لجنة التفكيك وإعادة منسوبي نظام المؤتمر الوطني المباد”.
وبدا لي من كلمة نيرة أمس لجاري ورئيس تحرير المفضل بعد عادل الباز، عثمان ميرغني، أن الحرية والتغيير تقف دون الفعل الذي من اختصاصها بالاحتجاج والمطالبة. فقال إنه أخذ عليها خلال أيام عزها في الحكم مطالبة العسكريين بما بوسعها عمله هي أصالة واختصاصاً. وبالنتيجة مكنت للعسكريين ثم شكت من حصيد يدها. وبدا لي أن هذه دورة الثلاثية في الإصغاء لاحتجاجات المركزي ومطالبه وهو قعود.
ومعروضات الإنقاذ لا تنقضي عجائبها إن هي أفلتت من العقوبة. واستمعت أمس لمولانا لم أمسك اسمها تسجيلاً في النت عن ممارسات في حوش القضائية خلال الإنقاذ انقبضت لها نفسي. فلم تطاوعني لتصديق أن ذلك ما كان يجري في ساحة للرحمان إلا إن صدق فيه قول المسيح: “مَكْتُوبٌ: بَيْتِي بَيْتَ الصَّلاَةِ يُدْعَى. وَأَنْتُمْ جَعَلْتُمُوهُ مَغَارَةَ لُصُوصٍ!”
كانت مولانا ترد على زميل لها طالب بألا تسيس القضائية. فقالت له هذا ما أرادته الثورة بإجراءاتها في القضائية. وذكرته، لا بالسياسة التي طفح كيلها فيها خلال دولة الإنقاذ فحسب، بل بسقطها. فذكرته بالاحتفالات التي كانت تنعقد في ساحة مبنى القضائية “بتحرير” مدينة أو أخرى خلال الحرب في جنوب السودان. ويصحب ذلك إطلاق الأعيرة النارية في الهواء كما يحدث في الأعراس الطائشة. وذكرته بتخصيص القضائية مكتباً في مبناها للمؤتمر الوطني. وكان زاد المجاهد يخرج من القضائية للقصر الجمهوري بعد إعداده في القضائية بواسطة رابطة المرأة فيها. وتسيره قاضيات وموظفات إلى القصر.
فوجئت بهذا التبذل السياسي يجري في ساحة لتقوى القسط حتى بعد أن كتبت قبل شهور عن قانون الخدمة القضائية الذي جاء فيه تعريف ناجز ل”القاضي المجاهد” وحقوقه حياً وميتاً. ولست أتزيد إن قلت إن القضائية كانت في الواضح “مصنع للرجال 2”.
والمغصة ما هنا مع ذلك. المغصة مغصة معارضة الإنقاذ التي ليس بأرشيفها صورة واحدة من هذه المباذل ولا ذاكرة أخرى معاصرة لإفحام خشامة الفلول الذين صدعونا عن قدسية القضاء. وذلك قضاؤهم في حالة جهاد مع المتقاضين لا تطوعاً بل بفوائد ما بعد الجهاد.
وسبب خلو يد المعارض للإنقاذ من أرشيف مباذلها هو أنه أخذ عقيدته في لا شرعيتها محمل إهمال التربص بأدائها إلا من لغو رأينا أنه لم يصمد. وخرجت علينا الإنقاذ بعد سقوطها بأبشع مما تصورها أي منا حتى لو بالغ. اعتقدت المعارضة أن الإنقاذ وهم ظلامي متى انقشع أشرقت شمس عهد زاهر جديد من يومنا الأول. وعلموا منها الآن أنها وتد طاعن في جسد الوطن بل وغرغرينة.
لم يقبل بعيو الإنقاذ أن يحاكم على لصوصيته كمتهم فلنحسن محاكمته كمعروضات.

IbrahimA@missouri.edu


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

1 تعليق, 1 شارك

تعليق واحد