سُوفِينِيرُ ضِرْسِ لُوْمُوْمْبَا!

 


 

كمال الجزولي
4 يوليو, 2022

 

روزنامة الأسبوع:

الاثنين
في 30 أكتوبر 2021م، بعد أقلِّ من أسبوع على حركة البرهان الانقلابيَّة ضدَّ حكومة حمدوك الانتقاليَّة، والتي فرض بموجبها حالة الطَّوارئ، وحلَّ مجلسي السَّيادة والوزراء الانتقاليَين، أبدى الجنرال، ضمن مقابلة مع وكالة «سبوتنيك» الرُّوسيَّة، سخطاً شديداً على كلِّ من يصف تلك الحركة بأنها «انقلاب»، مغالطاَ بقوله: «إنَّما هي تصحيح مسار! ومن يعتبرها انقلابا مخطئ، لأننا موجودون في نفس السُّلطة، ولو كانت انقلاباً لتغيَّرنا نحن أيضاً»!
غير أنه انقلب، مؤخَّراً جدَّاً، يتلجلج، على العكس من يقينه السَّابق، ففي 19 يونيو 2022م، ضمن مقابلة حديثة مع قناة «الحُرَّة» بشأن نفس حركته في 25 أكتوبر، راح يسمِّيها، تارةً، «انقلاباً»، وتارةً أخرى «ما يقولون إنه انقلاب»، ويَعِدُ، تارةً ثالثة، بـ «إنهاء الانقلاب» .. فتأمَّل!

الثُّلاثاء
لشدُّ ما شقَّ عليَّ، صَّباح اليوم، نبأ رحيل فيصل مصطفى. لم يقصِّر، بمعاناته مع الداء اللعين طوال السَّنوات الماضية، في تهيئتنا جميعاً لاستقبال الأسوأ، ومع ذلك فجعني رحيله أيَّما فَجْع. آخر عهدي به يوم جاء يزورني، ذات نهار من أواخر 2019م، برفقة صديقنا المشترَك محمَّد سليمان عبد الرّحيم، فتآنسنا مليَّاً، وتذكَّرنا، بخاصَّة، أيَّاماً لا تُنسى من أواخر 1998م، وكنت قضيتها في طيب صحبته، بين أفياءِ السَّاحرة نيروبي، وعبق ظلالها، وتعاريش كرومها، كما في صحبة أعزَّاء آخرين، منهم نور الدِّين ساتِّي، ونجيب خليفة، أطال الله أعمارهم، أجمعين، ومتَّعهم بالصحَّة والعافية، وشمل بوافر رحمته طيِّب الذِّكر دول اشويل الذي رحل عن الفانية بعد أشهر قليلة من مشاركتنا معاً في ورشة «أوكسفام كندا» حول «مشكلات المجتمع المدني في القرن الأفريقي»، والتي كنت قصدت العاصمة الكينيَّة، أصلاً، للمشاركة فيها. لكن، ما أن انتهت أيَّام الفعاليَّة، حتَّى «صادر» فيصل جواز سفري، مصرَّاً أن أؤجل عودتي بضعة أيَّام أقضيها معهم.
كان فيصل إنساناً مخلصاً، ورفيقاً عزيزاً، وصديقاً صدوقاً، وكان برغم دُربته العسكريَّة، مثقَّفاً واسع الاطِّلاع، غزير القراءات، وثيق المعلومات، كما كان حادَّ الذَّكاء، وقَّاد الذِّهن، راجح العقل، يكثر الاستشهاد بالحكم البليغة في العربيَّة والإنجليزيَّة، ويا طالما كان مُجيداً لكلتي اللُّغتين. وتحضرني، الآن، من بين هاتيك الحكم، اثنتان لفت نظري، عَرَضاً، في بعض مراسلاتنا إلى شدَّة التَّشابه بينهما، وهو يمحضني النُّصح بشأن ما ينبغي وما لا ينبغي إزاء رذالات الأراذل، ودناءات الأخسَّاء. الحكمة الأولى لوليم شكسبير، تقول:
"In The Times Of Crisis I Was Not Hurt By The Harsh Words Of My Enemies, But By The Silence Of My Friends".
«في أوقات المحن لا تؤلمني تخرُّصات الأعداء، بقدر ما يؤلمني صمت الأصدقاء»!
أما الحكمة الأخرى فلنابليون بونابرت، تقول:
"The world suffers a lot. Not because of the violence of bad people, But
because of the silence of good people!"
«يعاني العالم كثيراً، ليس بسبب خسَّة السَّيِّئين، بل بسبب صمت الطَّيِّبين»!
ذات صباح من أيَّام 1998م اللطيفة تلك، اصطحبني فيصل في عربة رياضيَّة صَّغيرة، دون أن يقول لي إلى أين، ودون أن أسأله عن ذلك؛ بل لقد صرفني عن سؤاله، في الحقيقة، أنسه الممتع، طوال الطريق، مع أنني كنت لاحظت ابتعادنا عن وسط المدينة، وتوغُّلنا في بعض الضَّواحي، عبر أوتوسترادات تحفُّها المزارع من الجَّانبين! استغرقني أنسه ذاك، تماماً، وهو يحدِّثني عن علاقات حميمة ربطت، على أيَّام دراسته العسكريَّة في القاهرة، بينه وبين أصدقاء مصريِّين تصادف أنني، أيضاً، أكنُّ لهم محبَّة خاصَّة، إلى أن فوجئت به يتوقَّف أمام بوَّابة تقوم على حراستها ثلَّة من جنود مدجَّجين بالسِّلاح، وقد ظننت، للوهلة الأولى، أنَّهم كينيُّون، لكن سرعان ما تبيَّن لي أنَّهم سودانيُّون جنوبيُّون! انحنوا يحدِّقون في وجهينا، ويستكشفون داخل العربة، ويتفحَّصون بطاقات ومستندات أبرزها لهم فيصل، فما نشبوا أن تراجعوا خطوات إلى الوراء، واعتدلوا في وقفتهم العسكريَّة، مفسحين للعربة كي تمرَّ إلى الدَّاخل، حيث ترجَّلنا أمام مبنى ما أن دخلناه حتى لمست مدى الإعزاز الذي يكنُّه الموجودون فيه، رجالاً ونساءً، لفيصل. ألفيته يسأل عن «كومريد» قال لي، في ما بعد، إن دُول اشويل أوصاه بتعريفي به، لإلمامه بأوضاع المجتمع المدني ومنظَّماته في المناطق المحرَّرة، الأمر الذي كنت أبديت اهتماماً خاصَّاً به؛ فقيل له إنه على سفر، للأسف، لكن ثمَّة آخر «أُنسيت اسمه الآن» يطلب أن يراه، فأخذونا إلى صالون أنيق، حيث استقبلنا هذا بمودَّة، وأكرم وفادتنا، وقدَّمني له فيصل قائلاً، بإنجليزيَّة بدت لي متأثِّرة، شيئاً، باللسان الجَّنوبي: «كمال رفيق وصديق قديم، وصديق لدُول، حيث قضيا وقتاً في السِّجن معاً، ومن المثقفين التَّقدُّميِّين المتعاطفين مع الحركة في الخرطوم»!
استئذناني لينفردا في جانب من الصَّالون، قبل أن ينضمَّ إليهما ثالث. لم يطُل حديثهم الهامس، فسرعان ما غادرنا عائدين إلى وسط المدينة. لم أسأله، بالطَّبع، ولم يتطوَّع هو بشئ، سوى أنني علمت، بعد سنوات من نيفاشا، وقبل الانفصال النكد، أن ذلك المكان، إن لم تخنِّي الذَّاكرة، كان مزرعة تسـتأجرها الحركة كمقرٍّ لها، من مالكها وزير الدَّاخليَّة الكيني! و .. ما أكثر التَّفاصيل التي تشدُّني إليها، الآن، سيرة فيصل، ورحيله المر!
اللهم إنَّا لا نزكِّيه عليك، ولكنَّا نشهد، فحسب، أنه، لمَّا احتاجه الوطن، خفَّ إليه، تماماً كما الغيث في شدَّة الجَّدب. عاش مضحِّياً، ومات بسيطاً، على مرمى حجر من ذكرى حركة 19 يوليو بقيادة الشَّهيد هاشم العطا، والتي شارك فيها فيصل، متجرِّداً، كرفاقه الآخرين، من أيِّ مطمع خاص، لا يصبو سوى إلى الاسهام، بلا منٍّ ولا أذى، في رفع شأن بلادنا وشعوبها على مراقي التَّنمية، والحريَّة، والدِّيموقراطيَّة، والسَّيادة الوطنيَّة، بأبعد منأى عن مزالق الفقر، والمرض، والأميَّة، والارتهان للإرادة الأجنبيَّة.
حكم القدر بأن يفلت فيصل من الاعدام في "دِرْوَةِ" الشَّجرة، وقتها، ليموت، بعد نصف قرن، بالسَّرطان في كند القصيَّةا، غريباً في أرض غريبة «وما تدري نفس بأيِّ أرض تموت». اللهمَّ إنَّا نسألك أن تتقبَّله، مع سائر شهدائنا، القبول الحسن في فراديسك العُلى، وأن ترحمهم، أجمعين، وتغفر لهم، وتجعل رضوانك مرقاهم، وجنانك مثواهم، إنَّك سميع مجيب، وإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون.

الأربعاء
مرَّت، في مطلع هذا العام، الذِّكرى الثَّانية والسِّتِّين لاغتيال البطل الأفريقي الأسطوري باتريس لومومبا في 17 يناير 1961م. ففي حوالي العاشرة من تلك الليلة الاستوائيَّة البهيمة، حُشر رئيس وزراء الكونغو المنتخب، ووزيره للشَّباب والرِّياضة موريس مبُل، ونائب رئيس مجلس الشِّيوخ جوزيف أُكيت، مكبَّلين بالسَّلاسل، على ظهر سيارة عسكريَّة أمريكيَّة، من ضمن خمس سيَّارات، تربَّع في اثنتين منها تشومبي وبعض وزراء إقليم كاتنغا الانفصالي الغني بالنُّحاس، وخلف مقود الرابعة ربض الجَّزار البلجيكي المفوض فرشير (!) بينما كانت الخامسة تكتظ برتل من عناصر فرقة الإعدام التَّابعة للبوليس الحربي!
ما أن بلغ الموكب ساحة تحفُّها أشجار كثيفة، حتَّى توقَّف، وهبط وكلاء القمع الاستعماري من السَّيَّارات، يتقدَّمهم فرشير الذي توجَّه، في البداية، نحو أُكيت، وأسنده، مكتوفاً، بلا رحمة، إلى جذع غليظ، وخطا بضع خطوات للخلف؛ ثمَّ ما لبث أن كرَّر ذات الإجراء مع مبُل، وأخيراً مع لومومبا، وفي كلِّ مرَّة كانت حنجرته تهدر بالأمر لفرقة الإعدام الرَّابضة برشاشاتها، وأصابعها على الزِّنادات، على بعد ما لا يتجاوز الأمتار الأربعة، فينهمر وابل الذَّخيرة كالمطر الاستوائي، ليسقط رموز الكونغو الوطني الدِّيموقراطي المستقلِّ صرعى، واحدهم تلو الآخر، وتستحيل أجسادهم، بفعل كثافة الرُّصاص، إلى غرابيل تعبر الرِّيح ثقوبها وهي تعوي!
لم يستغرق الأمر سوى خمس عشرة دقيقة، كي يتحقَّق الكابوس الذي لم يكن ليفارق مخيلة لومومبا، سواءً في صحوه أو في منامه، طوال الأشهر السَّابقة، بعودة الاستعمار عبر النَّافذة، متسلِّقاً جثَّة البطل الغضَّة، بعد أن قذف به الكونغوليُّون من الباب، كمقدِّمة لارتداد حركة التَّحرُّر الوطني الأفريقيَّة، بأسرها، من تيَّار كاسح، جهرةً، للاستعمار السَّافر، إلى الهيمنة غير المباشرة على بلدان القَّارَّة، شرقاً وغرباً! وهكذا فإن لومومبا الذي تصدّى لإعاقة هذا الهدف، صار هو نفسه هدفاً للرَّدع الامبريالي!
ما كادت المستعمرة البلجيكيَّة السَّابقة تنال استقلالها السِّياسي، في 30 يونيو 1960م، حتَّى راح الجَّراد البلجيكي يهبط عليها، هذه المرَّة، تتبعه، للأسف الشَّديد، قوِّات «المنظَّمة الدَّوليَّة» من أصحاب «القبعات الزُّرق»، ومن ورائها أمينها العام، آنذاك، صنيعة الغرب الاستعماري، داج همرشولد، محتقباً خطط رأس المال المالي، لتحقِّق استراتيجيَّات الاحتكارات العالميَّة أوَّل انتصار خاطف لها بالمذبحة التي دبَّرتها للومومبا ورفيقيه، والتي جرى التَّعتيم عليها قرابة نصف القرن، لا لمجرَّد طمس تفاصيلها، وإنَّما لمنع تحوُّلها إلى مصدر إلهام لشعوب القارَّة في وجه جرائم الغرب! على أن صحيفة «لا ليبر بلجيك» اليوميَّة في بروكسل ما لبثت أن ارتكبت «غلطة الشَّاطر» لمَّا انطلقت تزعم «ألا علاقة للغرب، في الواقع، بتلك الجَّريمة، وإنَّما هي نتاج عدم النُّضج السِّياسي للكونغوليِّين، ولسائر الأفارقة، حيث يمثِّل بلوغهم الدِّيموقراطيَّة طموحاً قاتلاً»!
كانت رسالة لومومبا الأخيرة إلى زوجته بولين، قبل اغتياله بوقت قصير، بمثابة وصيَّته السِّياسيَّة، حيث كتب يقول: «.. خلال نضالي من أجل استقلال وطني، لم أشكَّ لحظة في أن القضيَّة المقدَّسة التي أوقفنا لها، رفاقي وأنا، حياتنا بأكملها، ستنتصر في النهاية. ما أردناه لبلادنا هو حقُّها في الحياة الشَّريفة، والكرامة الكاملة، والاستقلال بلا أيِّ قيد .. لم يدفعني التَّعذيب، ولا الهجمات الوحشيَّة، ولا المعاملة القاسية، إلى التَّوسُّل طلباً للرَّحمة، لأنني أفضِّل أن أموت ورأسي عال، وإيماني راسخ، وثقتي بقدرة بلادي ثابتة، على أن أعيش في عبوديَّة، وازدراء للمبادئ المقدَّسة».
مؤخَّراً أصدر لودو دي فيتي، عالم الاجتماع، والكاتب المعروف، مؤلفه «أسرار اغتيال لومومبا» الذي تُرجم إلى أربع لغات، ومن آثار نشره أن شكَّل البرلمان البلجيكي لجنة تحقيق في ملابسات الاغتيال الذي أحاطت الشُّكوك، زهاء الخمسة عقود، بهُويَّة مرتكبيه، بينما لم يكن خافياً أن مسؤوليَّته تقع بالكامل على عاتق جهات غربيَّة تتصدَّرها حكومتا بلجيكا وأمريكا، فضلاً عن الـ «سي آي إيه»، وللأسف .. الأمم المتَّحدة.
كان لومومبا قد أنشأ، عام 1958م، «حزب الحركة الوطنيَّة الكونغوليَّة»، وتزعَّمه. كما كان أوَّل رئيس وزراء منتخب ديموقراطيَّاً لجمهوريَّة الكونغو المستقلَّة، ورائداً من روَّاد الوحدة الأفريقيَّة «البانآفريكانزم»، وقائداً لحركة التَّمرُّد الشَّعبي المتزايد للحكم الاستعماري الاستبدادي الذي فرضته بلجيكا على بلاده. ولدى نيل الكونغو استقلاله، في يونيو 1960م، استقبلت الجَّماهير خطاب لومومبا في الاحتفال الرسمي في كينشاسا بحماس شديد، وما لبث أن أضحى بطل الملايين من أبناء وطنه. أمَّا الذين كانوا يسعون للاحتفاظ بقبضة الإمبرياليَّة على الكونغو، فقد اعتبروه خطراً داهماً عليهم، وخلال اشهر قلائل حاكوا مؤامرة الخلاص منه، فاعتقل مع وزرائه، كما قد رأينا، وتعرض، قبل إعدامه، لتعذيب مروِّع.
وفي رسالته المشار إليها، ودَّع الزعيم زوجته بكلمات شديدة الحزن، عميقة الصِّدق: «يوما ما سيقول التَّاريخ كلمته، ليست كلمة التَّاريخ الذي يلقِّنونه في الأمم المتَّحدة، أو واشنطن، أو باريس، أو بروكسل .. بل التَّاريخ الذي يتعلَّمه النَّاس في البلاد التي خلَّصت نفسها من أسر الاستعمار، والدُّمى التَّابعة له. فأفريقيا هي التي ستكتب تاريخها، وسيكون تاريخ الصَّحراء الكبرى، شمالها وجنوبها، حافلا بالمجد والكرامة».
وبعد إعدامه عُهد بجثمانه إلى فرقة بلجيكيَّة متخصِّصة قامت بتقطيعه بالمناشير لقطع صغيرة جرى تذويبها في حامض الكبريتيك، إمعانا في إخفاء معالم الجَّريمة الشَّنعاء! وكدلالة على مدى «تحضُّر» المستعمر البلجيكي قام قائد الفرقة بخلع أحد أضراس لومومبا ليحتفظ به كتذكار «سوفينير»! ورغم اعترافه، في البداية، بتلك الواقعة، إلا أنه أشاع، في ما بعد، أنه تخلَّص من ذلك الضِّرس! ولكن سرعان ما اتَّضح أنه موجود، بل وصار من ممتلكات العائلة البلجيكيَّة، الأمر الذي اعترفت به إبنة هذا القائد ضمن حوار صحفي أجري معها عام 2000م، وطالبت فيه، لشدَّة غرارتها، حكومة بروكسل بالاعتذار لوالدها عن إجباره على ارتكاب جريمته تلك! أعقب ذلك مصادرة الشرطة البلجيكية للضِّرس، غير أن عائلة لومومبا ظلت تصرُّ على المطالبة باسترجاعه طوال تلك السَّنوات الـ 22، حتّى تمَّ لها ذلك مؤخَّراً، بعد أكثر من ستِّين سنة من اغتيال البطل!

الخميس
ظهيرة 30 يونيو 2022م، في مدخل كبري المك نمر، من جهة بحري، ارتفع هتاف محتشد بوعي طبقيٍّ بدا لي أوثق تمبيزاً من جانب الجَّماهير بين شريحة كبار جنرالات الجَّيش، وبين صغار الضبَّاط، وضبَّاط الصَّفِّ، والجُّنود. يقول الهتاف: «الجِيش جيش السُّودان/ الجِيش ما جيش برهان»!

الجًّمعة
مصدر فضَّل عدم ذكر اسمه نقل، قبل أيَّام، بعضاً من أجواء «الحوار» الذي جرى، برعاية أمريكيَّة ـ سُّعوديَّة، بين «الحـريَّة والتَّغيير ـ المجلس المركزي»، وبين جنرالات «مجلس السَّيادة» الانقلابي، في بيت السَّفير السُّعودي، بضاحية كافوري بالخرطوم بحري، حيث أكَّد المصدر، باطمئنان، أن بلوغ هذا الحوار «اتِّفاقاً ما» بين الطرفين «سيعني، عمليَّاً، إنهاء الانقلاب!» (الانتباهة؛ 26 يونيو 2022م). على أن ما فات المصدر الانتباه إليه أن المطلب الشَّعبي هو «إسقاط الانقلاب»، لا مجرَّد «إنهائه»، وأن هذا «الإسقاط» لا يتمُّ بمجرَّد بلوغ «اتِّفاقٍ ما»، وإنَّما بقطع الطريق أمام الإفلات من العقاب، بإنفاذ ضرب مناسب من «المساءلة القضائيَّة»، و«العدالة الجَّنائيَّة»، على المتورِّطين في الجَّرائم ضدَّ الإنسانيَّة التي استهدفوا بها الجَّماهير العزلاء!

السَّبت
هيئة من خمس عشرة محامياً سودانيَّاً وجَّهت مذكِّرة قانونيَّة إلى «لجنة ميثاق حقوق الإنسان والشُّعوب» بالاتحاد الأفريقي، ضد سلطة الأمر الواقع الانقلابيَّة، نيابة عن المواطنين السُّودانيِّين: وجـدي صـالـح عبـده، والطيب عثمان يوسف، ومعـاذ محـمـد عثمـان، مِمَّن كانوا مكلَّفين من الحكومة الانتقاليَّة الشَّرعيَّة بعمل «لجنة إزالة تمكين نظام الثَّلاثين من يونيو 1989م»، لولا أن السُّلطة الانقلابيَّة اتَّهمتهم بـ «خيانة الأمانة، بالاشتراك، من موظف عام»، وألقت القبض عليهم، وأودعتهم السِّجن، كما حظرتهم من السَّفر. غير أن مسبحة الأيَّام، والأسابيع، والشُّهور راحت تكرُّ دون أن تحرِّك السُّلطة الانقلابيَّة أيِّ إجراء قانوني في مواجهتهم، مكتفية بالابقاء عليهم قيد الحبس، كما ولم تسمح لمحامييهم، أو لذويهم، بالاتِّصال بهم، أو حتى معرفة مكان احتجازهم، ودون أن توفِّر لهم الرِّعاية الصِّحيَّة، بل وأنكرت النِّيابة المختصَّة حتى معرفتها بواقعة احتجازهم!
اعتبر المحامون ذلك الانكار تَّعتيماً على حالة من «الإختفاء القسري»، بعد أسابيع قلائل من انضمام السُّودان للمعاهدة الدَّوليَّة المناهضة لهذه الجَّريمة! لذا، تقدموا، في 8 نوفمبر 2021م، بطلب لإظهار المذكـورين، على أساس القاعدة القانونية Corpus Habeas بغرض التَّحقق من قانونيَّة احتجازهم. غير أن النيابة قرَّرت الانتظار حتى 18 نوفمبر 2021م لمعرفة وضعيَّتهم من سلطة الاحتجاز! ولمَّا كان في ذلك إهدر للمنطق وراء التعجيل بالاستجابة للطلب الرَّامي إما لتقديمهم للمحاكمة أو لشطب البلاغات في مواجهتهم، فقد استأنف المحامون ضدَّ ذلك القرار. سوى أن النِّيابه قرَّرت، بعد تلكؤ حتى 30 نوفمبر 2021م، إطلاق سراح المذكورين «بالضَّمان»! ولمَّا كان ذلك لا يحول دون أن يظلَّ سيف الاتِّهام مسلطاً على أعناقهم، فقد استأنف المحامون القرار أمام نيابة أعلى! لكنها، أيضـاً، تلكأت حتى 9 فبراير 2022م، حيث أعيد القبض، فعلاً، على المذكـورين!
في اليوم التَّالي، مباشرة، 10 فبراير 2022م، تقدَّم المحامون بطلب لمقابلتهم، لكن النِّيابة تلكَّأت في الفصل في الطلب حتى 23 فبراير 2022م، حيث احتجَّ المحامون لدى النَّائب العام الذي أمر بتمكينهم من مقابلة المذكورين بمكتب النِّيابة بوسط الخرطوم. غير أن هذا الأمر نفسه لم يُنفَّذ حتى 14 مارس 2022م، حيث، بعد إلحاح من المحامين، سمحت النِّيابة لهم بمقابلة المذكورين، لكن ليس في وسط الخرطوم، حسب الأمر، بل في سجن سوبا على بعد قرابة الـ20 كيلو من وسط الخرطوم!
رغم المشقَّة قابل المحامون، في 14 مارس 2022م، موكليهم بالسجن المذكور. وحيث وضح لهم أنه ليس ثمَّة ما يستوجب مواصلة احتجازهم، طلبوا إما شطب البلاغات، أو تقديمهم للمحاكمة. لكن النِّيابة رفضت طلبهم في 27 مارس 2022م! فاستأنفوا ذلك في 29 مارس 2022م. غير أن السُّلطة الاستئنافيَّة رفضت، أيضاً، الاستئناف تذرُّعاً بكفاية البيِّنة ضد المذكورين، علماً بأن قرار الرَّفض المستأنف في 27 مارس شمل طلب تقديمهم للمحاكمة، مِمَّا كان يستوجب قبول تقديمهم للمحاكمة حتى بافتراض «كفاية البينة ضد المذكورين» حسب حجة السُّلطة الاستئنافيَّة!
وبعد شهر كامل عادت النِّيابة لتقرِّر، في 27 أبريل 2022م، إطلاق سراح المذكورين دون شطب الاتِّهام في مواجهتهم أو تقديمهم للمحاكمة، ما يؤكد أن المقصود فقط الإبقاء عليهم قيد الحبس إلى ما لا نهاية، أو السَّماح للسُّلطة بإعادة القبض عليهم متى شاءت! ولما كان ذلك كذلك، تقدم المحامون، في 27 أبريل 2022م، بطلب جديد لإحالتهم إلى المحكمة أو لشطب البلاغات ضدَّهم. على أن النيابة ما تزال، حتى تاريخ العريضة الحاليَّة، تتلكأ دون البت في الطلب المذكور!
من جهة أخرى، أسَّس المحامون مذكِّرتهم على تجاوز السُّلطة الانقلابيَّة لاختصاص «اللجنة» بالنُّهوض بالحقوق والحريَّات في أفريقيا، وتدابير حمايتها؛ ولنصِّ ديباجة «الميثاق» على أن تحقيق تطلعات الإنسان والشُّعوب ينبني على الحريَّة، والمساواة، والعدالة، والكرامة، مِمَّا يهدره تجاوز هذا النَّصِّ، واتِّخاذ السُّلطة الانقلابيَّة إجراءات بالمخالفة له دون سند سوى شرعيَّة السَّيف. وأشارت المذكِّرة إلى الحقوق والحريَّات التي ينصُّ عليها «الميثاق»، والتي تعترف بها الدُّول والحكومات الأعضاء، وضمنها السُّودان، وتتعهَّد بتطبيقها، مِمَّا تهدره جملة الاجراءات غير القانونيَّة المذكورة أعلاه.
لكلِّ ما تقدَّم، التمست المذكِّرة تدخل «اللجنة» باتِّخاذ ما يلزم، من الجِّهتين الموضوعيَّة والإجرائيَّة، تفصيلاً، للنُّهوض بحقوق وحريَّات المذكورين، وحمايتها، وفقاً للاختصاصات المنصوص عليها في «الميثاق».

الأحد
خلال زيارته لبريطانيا سأل الزَّعيم السُّوفييتي نيكيتا خروتشوف مدير المراسم البريطاني، مشيراً إلى الأمير فيليب زوج الملكة:
– «قل لي: ماذا يعمل هذا الرجل»؟!
جحظت عينا مدير المراسم وهو يجيبه مفزوعا:
ــ «سيدي، هذا.. هذا زوج الملكة»!
فما كان من خروتشوف إلا أن عاد يوضِّح بهدوء:
ــ «لا.. لا.. أنا أقصد .. بالنَّهار»!

***

kgizouli@gmail.com
////////////////////////////

 

 

 

آراء