الحلقة السابعة والعشرون
من
شهادتي للتاريخ : صرح المخض عن الزبد –
عند
موائد الرحمن الفكرية
“إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا”
(الأنسان 9)
حول
هل أصاب اينشتاين في شهادته المعاصرة ؟
أم ثمة تَّصَالُحِ بَعْدَ تَخَاصُمٍ بين القانون الدولي ومبدأ السيادة الوطنية للدول
بروفيسور
د.د. محمد الرشيد قريش
مركز تطوير أنظمة الخبرة الذكية لهندسة المياة والنقل والطاقة والتصنيع
“هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ”
(آل عمران 138)
“وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ”(البقرة 283)
تصادم القانون الدولي (مثلا في منع الأضرار بالأخرين أو تحقيق الأمن الدولي)
ومبدأ (احترام) السيادة الوطنية للدول
” وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا”
ف”فيكَ الخِصامُ وَأنتَ الخصْمُ وَالحكَمُ.”
ۗفي رسالته الشهيرة الي سيغموند فرويد عام 1932، قال البرت اينشتاين:
“سيادة الدولة والقانون الدولي الفعال من المحتمل أن لا يكونا متوافقين”!
“لا يمكن أن يكون هناك قانون دولي (بينما) كل دولة هي الهيئة التشريعية العليا والمفسر والمنفذ”
“هذا يقودني الي أولي حقائقي المقررة: أن السعي الي الأمن الدولي يشمل الاستسلام غير المشروط – من قبل كل أمة – لقدر معين من حريتها في العمل –أي سيادتها، وأنه من الواضح بدون أدني شك أن لا طريق أخرى يمكن أن يؤدي إلى مثل هذا الأمن (المنشود) “(انتهي)
الجمع بين الماء والنار””
لكن
هل من سبيل لتَّصَالُحِ بين القانون الدولي ومبدأ السيادة الوطنية للدول يجتمع فيه الضدان؟
ضِدّانِ لِما اسْتُجْمِعا حَسُنا وَالضِدُّ يُظهِرُ حُسنَهُ الضِدُّ (من يتيمة”دوقلة المنبجي)
خذ مثلا في اطار القانون الدولي للمياه ، حيث تتبَنَّى متشاطئة حوض النيل نظريتين متضادين:
عقيدة الوحدة التمامية المطلقة للأرض الإقليمية
The Doctrine of Absolute Territorial (Riverine) Integrity
التي تأخذ بها دول الأحباس السفلي(السودان ومصر) وتستند فيها الي نصوص القانون الدولي للمياه
وعقيدة السيادة الإقليمية المطلقة “
(مذهب هارمون)
(The (Harmon) Doctrine of Absolute Territorial Sovereignty)
التي تتبَنَّاها دول الأحباس العليا(كأثيوبيا) والتي تزعم بأن كل دولة “تتمتع بحقوق السيادة المطلقة على المياه المتدفقة فوق أراضيها، مع عدم وجود مسؤولية قانونية عن أي ضرر قد يلحق بدول أخرى
ولما كانت “اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1997 بشأن قانون استخدامات المجاري المياه الدولية في الأغراض غير الملاحية” تري تطرفا في كلا النظريتين، فهي تطرح مبدأ “منتصف الطريق” المتمثل في “عقيدة السيادة الإقليمية المحدودة” لتَّصَالُحِ بين القانون الدولي ومبدأ السيادة الوطنية للدول
(The (Mid-Road) Doctrine of Limited Territorial Sovereignty)
عندما يفرغ القاريء الكريم من قراءة هذه الحلقة يكون قد أدرك الأجابة علي التساؤل الذي طرحناه عاليه عن تَّصَالُحِ يجتمع فيه الضدان القانون الدولي ومبدأ السيادة الوطنية للدول ، ليتساءل بدوره ان كانت وجهة النظر التصالحية تلك بين القانون الدولي ومبدأ السيادة يمكن أن تقدم قالبا(Template): للتسوية فيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ في كل زمان ومكان!
استهلال
في الغرب، يعتبر بودين (Jean Bodin) إلى حد كبير مؤسس “نظرية السيادة” التي برزت من اصداراته المنشورة عام 1575 تحت عنوان “ستة كتب عن الخير العام”
(Six Books of a Commonweal)
لكن “السيادة” (Sovereignty) كعقيدة تم تعريفها من قبل هوغو غروتيوس Hugo Grotius) -1583-1645(، والذي ينظر اليه في الغرب،
كمؤسس للقانون الدولي
وكأول من تكلم عن حرية الملاحة على الأنهار العابرة للحدود،
على الرغم من أن الإمام الفقيه ، محمد الشيباني (الذي ولد عام 131 هجريا) كتب بشكل شامل عن العلاقات الدولية (بين الدول الاسلامية) ، سابقا هوغو غروتيوس ب 600 سنة!
غروتيوس عرف “السيادة” بأنها “تلك السلطة التي تأتي بأعمال لا تخضع اجراءتها (أو أعمالها ) لسيطرة جهة آخر”،
الصراع بين القانون الدولي ونظرية السيادة الوطنية:
المطلق” في مقابل “الجزئي”
أو “محدودية سيادة الدولة”
Absolute vs. Partial or Limited State Sovereignty
مراتب السيادة:
في ظل ما أشار اليه أينشتاين عن” الاستسلام غير المشروط – من قبل كل أمة – لقدر معين من سيادتها في سبيل تحقيق الأمن الدولي ومنع النزاعات” ،
وبعد ما يقارب القرن من تلك الأشارة، نجد أن هذا التنازل قد تباين في درجته اليوم، فهناك مثلا:
المفهوم “الأوستني” للسيادة (نسبة الي جون أوستن وأتباع المدرسة الوضعية)
أو عقيدة السيادة الإقليمية المطلقة
(The Doctrine of
Absolute Territorial Sovereignty)
وا”لمدرسة الوضعية اليقينية” Positivism) ) تعود أصلا الي أوغست كومت (Auguste François Comte) ، وتقصر نفسها علي الوقائع اليقينية فحسب
وهي احدى فلسفات العلوم التي تستند إلى رأي يقول أنه في مجال العلوم الاجتماعية، كما في العلوم الطبيعية، فأن المعرفة الحقيقية هي:
المعرفة والبيانات المستمدة من التجربة الحسية، والعلاجات المنطقية والرياضية لمثل هذه البيانات
والتي تعتمد على الظواهر الطبيعية الحسية وخصائصها والعلاقات بينهم، مما يمكن التحقق منها من خلال الابحاث والادلة التجريبية.
كما أنها تعد كقسم من أقسام«نظرية المعرفة» (إبستمولوجي). وهي نشأت كنقيض لعلوم اللاهوت والميتافيزيقيا الذان يعتمدان المعرفة الاعتقادية الغير مبرهنة113
وقد تبني المفهوم “الأوستني” للسيادة لاحقا المدعي الأمريكي العام “هارمون” في النزاع المائي بين الولايات المتجدة و المكسيك وينسب المبدأ اليه الأن في قضايا المياه
وتزعم هذه العقيدة بأن كل دولة “تتمتع بحقوق السيادة المطلقة (على المياه المتدفقة) فوق أراضيها، مع عدم وجود مسؤولية قانونية عن أي ضرر قد يلحق بدول الجوار!
وفي مقابل هذا الموقف المتطرف – وفي محاولة للتوفيق بين “القانون الدولي” وبين مبدأ “السيادة الوطنية” – خرجت الي الوجود عدة تصورات لمبدأ “السيادة ” هي الأقرب للواقع الدولي اليوم ، ومنهأ:
” السيادة السياسية”
(Political Sovereignty):
وهي التي يمارسها الناس (كالناخبين في صناديق الأنتخابات)
وهي سيادة “عملية”
(De-facto Sovereignty) :
وتمثل السلطة الحقيقية (Real Power) في اتخاذ القرارات النهائية، ويفترض أن “مقرها” في الناس
السيادة الخارجية:
(External Sovereignty)
وهي معنية بالدولة بوصفها كيانا دوليا (أو “شخصا اعتباريا”)، وتختص بما يلي:
الحقوق، على سبيل المثال:
“حق النطاق” (The Right of Domain) – أو الولاية القضائية Jurisdiction) ( على الأشخاص والأراضي والمياه والهواء ضمن حدود الدولة
حق الأمتلاك Eminent Domain))، حق الدولة في أن “تَلَمْلَمَ” (تنزع لتجمع أو تضم) الأراضي و الممتلكات بعضا الي بعض وفق المصلحة العامة
الحق في التفاوض على المعاهدات
المساواة أمام القانون مع الدول الأخرى
الالتزامات (Obligations)
السلطة ( (Powers فيما يتعلق بالدول الأخرى.
السيادة الجزئية (Partial Sovereignty)
والتي تمثل الحق القانوني في وضع أو إنفاذ القانون “ضمن نطاق محدود” في مجال عمل السلطة
السيادة المشروطة (Conditional Sovereignty)
حيث حرية عمل السلطة تنحصر في مناطق محددة
وهي في هذا مثل نظرية السيادة الجزئية، ولكن لا يعني الامرسلطة نهائية حتى هناك!
التعاون التنظيمي
((Regulatory Cooperation
والذي يضع قيودا على السيادة الوطنية، على سبيل المثال في اتفاقيات:
أحواض الأنهار،
الحفاظ على البيئة أو
منظمة التجارة العالمية ( (WTO و الحد من الحواجز التجارية(Trade Barriers)
القيود الذاتية علي السيادة:
(Auto Limitations of Sovereignty)
والتي ترجع إلى “هيجل” والمدرسة الألمانية، حيث:
يجوز للدولة أن تلزم نفسها بموافقتها علي أمر ما
و يمكنها سحب تلك الموافقة متى رغبت، كقبولها مثلا بالضمانات النووية الدولية
International Nuclear Safeguards))
السيادة الداخلية:
(Internal Sovereignty (
والتي تشير إلى الشؤون الداخلية للدولة وموقع السلطة العليا داخلها.
السيادة القانونية:
كما يمارسها البرلمان أو الملك
وتشمل الحق في”إصدار القواعد”
(Enact Rules)
التي لها قوة القانون الملزمة ،
ولكن في حين أن أي “حكومة مدينة”
City Government)) تمتلك هذا الحق، فإن مثل هذه الحقوق ليست “سيادية” لأنه يمكن تجاوزالقواعد التي تنبثق منها
“التقنيات” التي تزعزع وتطيح بأستقرار وتوازن “سيادة الدولة” وتقود الي الضمور التدريجي لها
Disequilibrating Technologies) ) ، كما يتبدي ذلك في:
مجال النقل علي سبيل المثال:
الطيران عبرالدول
Over-flights of Aircraft
الفضاء الجوي Air Space و “الأجواء المفتوحة”
( “Open Skies” Regimes)
استطلاعات الأقمار الصناعية
(Over-Flights of Reconnaissance Satellites)
السكك الحديدية العابرة للحدود
Trans border Railways) )
إدارة الموارد المائية
(Water Resources Management)
أحواض الأنهار الدولية
(International river Basins)
الموارد البيولوجية البحرية
(Marine Biological Resources)
التعدين في أعماق البحار
(Deep Sea-bed Mining)
العولمة Globalization وأذرعها مثل:
منظمة التجارة العالمية
تدويل الأسواق
شبكات الاتصالات الدولية، علي سبيل المثال:
النظام المصرفي الدولي والنظام المالي، وربط النظم المصرفية العالمية والتجارة من خلال الاتصالات الفضائية،
Satellite Ccommunications
أجهزة الكمبيوتر وبنوك البيانات
شبكات تدفق المعلومات العابرة للحدود
البث المباشر
Direct broadcast) Communication Satellites (DBS)
الأقمار الصناعية التي تستطلع وجود الموارد Resource/ Reconnaissance Satellites
الربط الكهربائي عبر الحدود
Trans-Border Electricity Interconnection
انتشار الأمراض الوبائية
Spread of Epidemic Diseases
انتشار مبيدات الآفات ومبيدات الأعشاب
Spread of Pesticides & Herbicides
انتشار المخدرات والعقاقير
Spread of Narcotics & Drugs
مراقبة الأسلحة النووية والاختبارات
Nuclear Weapons Control & Tests
المفاعلات النووية
Nuclear Reactors
التخلص من النفايات المشعة
Radioactive Waste Disposal
الأرصاد الجوية:
Meteorology:
تلوث الغلاف الجوي
Atmospheric Pollution
تعديل المناخ
Climate Modification
التهديدات البيئية:
Environmental Threats:
تأثير “البيت الأخضر| / تراكم ثاني أآسيد الكربون / استنفاد طبقة الأوزون
Green House Effect /Co2 Build-up/ Ozone Depletion
الأمطار الحمضية
Acid Rain
تلوث المحيطات
Ocean Pollution
الجهات الفاعلة عبر الوطنية:
Transnational Actors:
الشركات عبر الوطنية TNC و قدرتهم غيرالمحدودة على نقل التكنولوجيا ورأس المال والعمالة بل و المخاطر من بلد إلى اخر
بعض حالات تقاطع القانون الدولي ومبدأ السيادة الوطنية
“أنظرمليّا وعلي وجه أتم الي الوراء، لتري الي مدي أبعد الي الأمام”(ونستون تشرشل)
الحالة الأولي:هل أتاك حديث سد أوين بين أوغندة ومصر ؟ وقبول الأولي بالمهندس المصري المقيم في جينجا، ليضع قوانين تشغيل الخزان، دون أن يطرح ذلك قضيتي “السيادة” و”مبدأ القانون الدولي” القائل ب”الاستخدام غير المعقول”
فمثلا في “القانون الدولي للمياه” ، تقضي عقيدة إستوبلز—أي عقيدة “منع نقض الاعتراف “:
”بحرمان المتخاصم من التقاضي (او التأكيد علي نقطة قانونية)
وبمنع فرد ما من السعي إلى تنفيذ عمل ما إن كان … هو نفسه قد ساعد متشاطيء آخر من خلال ممتلكاته في استخدام المياه التي في أراضيه ،
و لا يحق لهذا الفرد في وقت لاحق الشكوى حول “الاستخدام غير المعقول” .من ذلك الطرف الاخر ، .. حيث انه وافق على ذلك في البداية “- لأنه سيكون من الظلم أن يسمح له بذلك
,ولم تكن قضية السيادة مشكلة في “اتفاق سد شلالات أوين”: Owen Falls Dam Agreement ، فالسد يديره وينظم تصاريف التربينات فيه(Discharges Regulation ) مجلس الكهرباء الأوغندي (Electricity Board) ، والذي يقوم بذلك وفق قواعد تشغيل الخزان (ROR) التي يضعها المهندس المصري المقيم
فعلى سبيل المثال، أوغندا (في “اتفاقات الشلالات الخاصة”) وافقت على قبول المهندس المقيم في مصر في جينجا، (وما زال هناك)، وبما أن أوغندا لم تتخل عن تلك الاتفاقات، فإنها لا يمكن أن تحتج الآن عن “الاستخدام غير المعقول ” … للمياه من قبل مصر!
وقد تم تأسيس “اتفاقيات شلالات اوينز” (Owen Falls Agreements) ، وفق اتفاقية المياه لعام 1929 والتي تعترف بحقوق مصر المكتسبة “
الأتفاقيات قادت الي أنشاء “سد أوين” عند مخرج بحيرة فكتوريا للتخزين في البحيرة “لصالح مصر”، مع توليد القوي الكهربائية لصالح يوغندة
وفي “اتفاق التفاوض”، تم توسيع نطاق قبول أوغند لحقوق مصر المكتسبة بشكل صريح
والأتفاق انبثق من مجموعة من المذكرات المتبادلة، تمتد بين 1949-1953
“تبادل الملاحظات” عام 1949 بين المملكة المتحدة ومصر نص علي أنه في حين أن مجلس ادارة كهرباء أوغندا سوف يدير السد، فإنه سيتم تنظيم التصريف (المار عبر السد) وفق تعليمات المهندس المصري المقيم
وفي “تبادل مذكرات” لاحق (عام 1952) تقرر ان تقدم مصر تعويضا ماليا لأوغندا لرفع السد مترا واحدا (فوق المستوى المطلوب للتوليد الكهرومائي) لتوفير تخزين مياه إضافية لمصلحة مصر، تعويضا عن أي أضرار بيئية تعانيها دول البحيرة نتيجة لرفع منسوب البحيرة”101
حتى عام 1954، كانت البحيرة تفرغ مياهها في نهر النيل عبر هدار (Weir)من الصخر الطبيعي، ولكن تم تفتيت الهدار الطبيعي و استبداله بسد شلالات أوينز، التي أعيد تسميته الآن بسد نالوبالي، Nalubaale Dam وبالتالي تحويل البحيرة بشكل عملي إلى خزان كهرومائي عملاق”
اتفق المهندسون على أن كمية المياه التي تتدفق من خلال توربينات السد يجب أن تحاكي التدفق الطبيعي Natural Flow القديم فوق الهدار(Weir):
االقانون التشغيلي (Reservoir Operating Rule) الذي اتفقوا عليه – والمعروف باسم “المنحنى المتفق عليه” “Agreed Curve” ” – يحدد التدفق ألأقصى ب 300-1700 متر 3 في الثانية، اعتمادا على منسوب مياه البحيرة وهذا “المنحنى المتفق عليه” ما زال قائما اليوم بموجب معاهدة مع مصر”.
” في عام 2002، قامت أوغندا ببناء مجمع ثان للطاقة الكهرومائية بالقرب من المجمع الأول. مما قاد الي انخفاض منسوب المياه في البحيرة، واليوم يقف منسوب البحيرة في أدنى مستوى له في 80 عاما.”
” تسبب هذا في نصف الانخفاض الذي طال مستويات البحيرة الي النصف، والتي هي في أدنى مستوى لها في 80 عاما: ومنذ عام 2003،فقدت البحيرة حوالي 3 في المائة من حجمها، ترك العبارات الذين تقطعت بهم السبل بعيدا عن محطها ،وقوارب الصيد غارقة في الطين ، والمدن تعاني من نقص المياه”
“ ارجعت، شركة توليد الكهرباء الأوغندية نقص الإمدادات الكهربائية الي انخفاض منسوب مياه البحيرة، بسبب انخفاض هطول الأمطار في منطقة البحيرة بنسبة 10-15٪ خلال العامين الماضيين من الجفاف”
لكن: “الخبراء يرجعون السبب اضافة للجاف الي عدم التزام يوغندة وفق “بمنحنى التشغيل المتفق عليه”، اذا أن تيربينات السدود أفرجت – في المتوسط –2250متر3 في الثانية بدلا عن التدفق ألأقصى المتفق عليه وهو 1700 متر 3 في الثانية أي. 55٪ أكثر من التدفق المسموح به، ولو كانت السدود قد تم تشغيلها وفق “المنحنى المتفق عليه”، فإن الجفاف لما كان ليتسبب الا في نصف فقدان المياه ولكان منسوب البحيرة أعلي ب 45 سنتيمتر(97و99و103و106)
الحالة الثانية: تفسير أثيوبيا للقانون الدولي في مذهب “الحقوق المؤسسة علي مبدأ السيادة المطلقة” ( “مبدأ هارمون”)، “وحقها” السيادي في المياه العابرة لأراضيها!
أثيوبيا تجمع بين الضدين: في تبني “الحق السيادي” و”القانون الدولي” معا !!
تأمل مثلا كيف استندت أثيوبيا لمبدأ هارمون (“حقها” السيادي في المياه العابرة) ، و (القانون الدولي الأجرائي المتمثل في) مبدأ “الاستخدام العادل والمعقول”
Equitable & Reasonable Use) )
أثيوبيا تجمع بين الضدين: تدعي السيادة والقانون الدولي معا !!
انظر مثلا كيف استندت أثيوبيا لمبدأ هارمون (“حقها” السيادي في المياه العابرة) ، و (القانون الدولي الأجرائي المتمثل في) مبدأ “الاستخدام العادل والمعقول”
Equitable & Reasonable Use
كما عبر عن هذا صراحة عام 2010 وزير الموارد المائية الأثيوبي حينها (Asfaw Dingamo) في قناة الجزيرة (في 29-6-2010 ) التي تبني فيها ليس فقط نظرية هوبر بل وتعديلها هذا في نفس الوقت ! حين قال:
“85 من مياه أثيوبيا“(!) ترفد النيل حيث يبدأ الأخرون ملكيتها“(!) : ”من يستطيع أن يملي علي أستخدام ما في منزلي“(!) ”من حقي الشرعي أن أتحكم في ما في فناء منزلي“! (“قناة الجزيرة 29-6-2010)
الخطأ الأول في قول الوزير الأثيوبي هوالأستمرار في ترديد مقولة “85 من مياه أثيوبيا“(!) ترفد النيل” والصحيح “85 من مياه حوض النيل الأزرق”(الذي يضم السودان أيضا ) ترفد النيل ” كما تقول بذلك الهيدرولوجيا الجديدة (أنظر دراستنا في نفس هذا الموقع الأسفيري بعنوان “”جدلية الهوية النيلية للسودان” !
الخطأ الثاني في مقولة الوزير الأثيوبي هو تطبيق “مبدأ هارمون” علي الحقوق المتشاطئة ، يعني أن للدولة حقوق سيادية مطلقة علي المياه المتدفقة فوق أراضيها ومع عدم وجود مسؤولية قانونية عن أية أضرار قد تحدث للدول أخرى “!
و مبدأ هارمون هو مذهب متطرف قد عفَّى عليه الزَّمَن باتفاق الجميع ، ولم يطبق أبدا في أي معاهدة للمياه أو يَتَذَرَّعُ به كمصدر قضائي في أي حكم قانوني دولي للمياه ، والمبدأ قد تم التخلي عنه (في انكلترا على الأقل) منذ القرن الثامن عشر!
وفي مفاوضات الأنهار العابرة للحدود، يتم رفض هذه النظرية في كثير من الأحيان من قبل الدول على أساس أن عملا كهذا:
يمكن أن يؤدي الي تأزيم العلاقات بين الدول
و يعيق تنمية الأنهار الدولية
ويقود الي تأخير المزايا الاقتصادية الناجمة عن المشاريع التعاونية
ولا غرو ، فيكفي هذا المبدأ عيبا أنه يطأ فوق (يدوس علي) ما يعبر عنه ب “الحتمية القطعية” ” (The Categorical Imperative) ، أحد المباديء الأنسانية العليا(Supreme Principles) ، حيث ينبغي علي المرء أن يسأل نفسه “ماذا يصير عليه الحال لوأقدم الجميع علي ما أنا بصدده؟”
الخطأ الثالث في قول الوزير الأثيوبي هنا هو أفتراض ان النيل الأزرق قضية داخلية لأثيوبيا– وهم هنا يخلطون بين “البشري” من المعضلات ( Universal Problems) وبين “العالمي” منها ( Global Problems)
فالمشاكل “البشرية ” (Universal Problems) التي تعاني منها الدول ، (على سبيل المثال مشاكل الأزدحام المروي والتحضر و ترويض الأنهار وشق الترع الخ…):
• لا تؤثر الا علي الدولة وحدها
• ويمكن حلها من خلال اتخاذ إجراءات أحادية (فردية من الدول) ، بمعنى أنها لا تعتمد إلى حد كبير في حلها على الأعمال التي تقوم بها الدول الأخرى ولا دخل لهم فيها
أما المشاكل “العالمية ” ،Global Problems) (على سبيل المثال قضايا استخدام الأنهار المشتركة والأرصاد الجوي ومكافحة الأمراض ، والطبيعة العالمية للهيدرولوجية (Global Hydrology) الخ…:
• لا تنحصر تداعياتها في حدود الدولة التي قدحت زنادها ، بل تؤثر علي العديد من الدول الأخري
• ولا يمكن –أو ينبغي – محاولة حلها من خلال اتخاذ إجراءات أحادية (انفرادية من الدول)
“أمطري حيث شئت، فإن خراجك لي”
والخطأ الرابع في قول الوزير الأثيوبي يتصل بدعواه ب “مماثلة” المياه التي تمر باراضيه “بما في منزله” (وفق تعبيره)
فوفق “عقيدة الحقوق الطبيعية”:
هناك “تماثل قانوني” (Legal Analogy) بين المياه “في فناء منزله”(لكنها “عابرة للحدود” ) و بين “الحيوانات” و “الطيور البرية” التي تحطَّ”في فناء منزله” لتعبر بعده الحدود أيضا ، والتي حكمت فيها المحكمة العليا في الولايات المتحدة بالقول أن:
“الحيوانات الطليقة (Ferae Naturae) لا يمكن تملكها، لأنها لا يمكن السيطرة عليها وحيازتها
“وأن الطيور البرية (المهاجرة) ليست في حيازة أحد(أقرأ هنا المياه العابرة للحدود)،
والحيازة (Appropriation)هي بداية الملكية …
والأساس الكامل لحقوق الدولة اليوم(علي مثل هذه الطيور ، أقرأ هنا المياه)هو وجودها ضمن سلطتها القضائية بينما هي ( أي الطيورأو المياه) حتي أمس لم تصل ، وقد تكون غدا في بلد آخر..”
فلا احد لا يستطيع أن يجبر سحابة (أو غيمة) علي البقاء فوق أرضه حتي تمطر فيها ، (الا ان كان له اتساع دولة هارون الرشيد) !
بينما الاسْتِحْوَاذُ (Appropriation) هنا – ان حدث – فقد يؤثر بشكل سلبي علي الأخرين كما في حالة “تعديل الطقس” (Weather Modification) لحصاد بخار الماء في الغلاف الجوي،فمثلا
“تلقيح السحب”( Cloud-Seeding) في دولة ما قد يسحب المياه بعيدا عن آخرين، لأن كمية المياه في الجو محدودة
وقد يترتب عن مثل هذا التعديل للطقس:
• الجفاف،
• فشل المحاصيل،
• الفيضانات،
• تلوث الهواء والمياه
• والعواصف الشديدة ، كل ذلك قد يحدث نتيجة لتعديل الطقس: فهل ينبغي تحميل الدولة التي قامت بتلقيح السحب مسؤولية هذا الأضرار؟
الحالة الثالثة: مبدأ “التراث المشترك”
The Common Heritage Principle
ومن يملك موارد البحار والمحيطات؟
“اتفاقية الجرف القاري لعام 1958
The Convention of the Continental Shelf))
تمنح كل دولة ساحلية نصيبا من حقوق الدولة السيادية لأغراض الاستغلال”
لكن المادة 137 من اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1982 بشأن قانون البحار
(The 1982 UN Convention on the Law of the Sea)
نصت علي أنه “لا يجوز لأي دولة المطالبة أو ممارسة السيادة أو الحقوق السيادية على أي جزء من قاع البحار والمحيطات … أواستحواز (تملك) … أي جزء منهما” ، (ويبقي) الحكم في قاع البحار حق مخول (مستحق) للبشرية (جمعاء)”
ومبدأ “التراث المشترك” – والذي هو جزء من القانون الدولي العرفي – يتعارض مع مبدأ “السيادة” لأنه يُدوِّل (Internationalizes) أجزاء من قاع البحر وباطن أرضه من خلال الدفع بفكرة “المرافق العامة الدولية” (International Public Utility) والالتزام بالتعاون!
من الجلي اذا ، أن كل من هذه الرؤي تخنلف فيما بينها فيما يتعلق بدرجة تقيد حقوق الدولة
والأمر في كل منهما يتعلق بتحديد نطاق القيود على سيادة الدولة
اذا، هل ثمة مجال لتَّصَالُحِ بَعْدَ تَخَاصُمٍ بين القانون الدولي ومبدأ السيادة الوطنية للدول؟
النظرة الكلاسيكية للتوفيق بين الضدين : القانون الدولي (ومنع الأضرار بالأخرين)، ومبدأ (احترام) السيادة الوطنية للدول ،:تقول بأن:
السيادة هي “سيادة قانونية” ضمن حدود القانون الدولي
Legal Supremacy))
(أواعتماد متبادل (Interdependence
وأن لا سلطة دولية يحق لها أن تفرض القانون الدولي على دولة ضد إرادتها!
يا تري هل يمكن لوجهة النظر هذه– في التوفيق بين الضدين : (قواعد ومباديء وعقائد) “القانون الدولي” (فيما يتعلق بمنع الأضرار بالأخرين) ومبدأ “(احترام) “السيادة”( الوطنية للدول)” ، أن تقدم قالبا (Template): للتسوية فيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ (في كل زمان ومكان) من قدح لزناد نزاعات معاصرة!
“لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ” (الأنعام 67(
“فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ” (الأنعام149(
” فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ” (غافر44(
العرض القادم لبعض هذه المباحث سيشمل ان شاء الله
مزالق اقتسام “المنافع”— كبديل “للمحاصصة” – سوف تورث السودان كارثة فقدان حصتة المائية
وهي فكرة ولدت ميتة وثقبا في الذاكرة الجمعية”: وسنري كيف أجهضت أثيوبيا فكرة” اقتسام المنافع” من أساسها وقبل أن يبدأ تنفيذها
القانون الدولي
هل ثمة قانون دولي ؟
(International Law)
هل القانون الدولي حقيقي أم افتراضي ؟
)Real or Virtual)
لماذا السؤال مطروح أصلا رغم وجود:
القانون الدولي العام،
والقانون الخاص بالحقوق ما بين الأمم ، وقانون الأمم (jus gentium )
والمعاهدات،
و”القانون الدولي العرفي
ومعايير السلوك المقبولة عالميا
و”القواعد القطعية “الآمرة” (المعروفة ب
(“جو كوجنز”)
والقانون الدولي الخاص “بالتنازع حول القوانين”،
والقانون فوق (متخطي) القوانين الوطنية
و القرارات القضائية الصادرة من من الدول ،
و آراء العلماء الخ…؟
مشكلة خلافة الدول في القانون الدولي
وعقيدة “تعاقب الولاية”( (State Succession
“(او”خلافة الدولة”)
المعاهدات السياسية (أو العامة) مقابل المعاهدات الإقليمية (أو المحلية)
القانون الدولي
وعقيدة الظروف المتغيرة
“كلوسولا ريبوس سيك ستانتيبوس”
“القانون الدولي” : كيف يخرج الي الوجود (“يولد”) من خلال المفاوضات والمعاهدات عناصر القوة في الصراع المائي
القانون الدولي للمياه
هل ثمة قانون دولي للمياه؟ International Water Law” ?
لماذا السؤال مطروح ، رغم وجود:
“القواعد”( Rules)
و “المبادئ” Principles))
و”المباديء الذاتية” (Maxim) و”العقائد”(Doctrine)
و”الحتميات القاطعة” (Categorical Imperative) ,
و”الحقوق المكتسبة”
و “المكتسبات التاريخية”
و”الفوائد المخولة”
و “الأستخدام المخول”
و “الحقوق المترابطة” الخ…المستخلصة من العقود الدولية والعلوم
وبعض الولايات القضائية شبه الدولية
(Jurisdictions)
والتوصيات التي تبنتها رابطة
القانون الدولي (Int’l Law Association)
و لماذا لم يقم قانون دولي واضح للمياه؟
القانون الدولي للمياه ونسبه في قوانين حقوق المياه الأمريكية
“القانون الدولي” الموضوعي للمياه ”
“القانون الدولي” الأجرائي للمياه
هل يحظر القانون الدولي تنمية النهر المشترك من جانب واحد– دون موافقة المشاطئة الأخرين؟
” لماذا لم يقم قانون دولي واضح للمياه?
أثيوبيا واتفاقيتي 1929 و1959
مبدأ “التغيير الأساسي في الظروف”
حقوق المياه الناشئة خارج المعاهدة
هل يتصادم هذا مع”نظرية “وراثة الخلف للسلف”؟
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم