شيءٌ من الإحـباط في زمـن الانحطاط .. بقلم: عمـر العمـر


من بين كل الأجيال السودانية سيلعن التاريخ المنشغلين بالسياسة عند المنحنى الراهن من تاريخنا المعاصر. هم بكل المعايير الأكثر بؤسا ،وهنا وضعفا وارتباكا وفق أدائهم. هم أدناهم تمسكاً بالمثل والقيم.. صحيح تتسم المرحلة الإنتقالية بتعقيدات متشابكة لكن العديد من هذه التعقيدات أنتجها أنصاف هؤلاء الساسة. بالإضافة إلى سمت الحسد الواصم كل النخب السودانية – كما شرّح نفر منهم- فإن المنشغلين بالسياسة حالياً يتقاسمون نزعات انتهازية مشرّبة بالذاتية  حبيسة النظرات الضيقة . رغم طفوهم على السطح من أسحاق بئر اجتماعية معطّلة خربة إلا أنه يصعب قولبتهم في توصيف اجتماعي موضوعي علمي. لكأنهم فرادى متناقضين جمّعهم القدر على عجل. بما أنهم كلهم جزء من إشكاليات المرحلة الانتقالية يستحيل عليهم طرح حلول لهذه الإشكاليات المتراكمة عبر هذه المرحلة هم عبء على الشعب ،الوطن والتاريخ.
***   ***   ***
الساسة السابقون لم يكونوا كلهم ملائكة. كما لم يكونوا فوق النقد لكن ما من أحدهم يجرؤ على تجريدهم من الإستقامة الوطنية.  من بين أولئك من تحصن بالنزاهة والكرامة واحترام الذات بل بلغ ببعضهم العفاف حد العيش على الكفاف. غالبيتهم خرجت جنازاتهم من أحياء شعبية وعددٌ من بيوت مستأجرة. ذاكرتنا الجمعية تضج بركب من أؤلئك الرجال والنساء من مختلف التباينات السياسية يجسدون نماذج للإقتداء والإهتداء. عدد ممن تلاحقه تهم الفساد غلّبوا مصالح الحزب على مصالح الشعب لكنهم لم يجنحوا للإستئثار بخيرات الوطن لأنفسهم. الآن إن تنقّب عن طراز من ذلك القماش لا تتعثر عينك حتما  في خيط له شيءٌ من ذلك البهاء.
   الساسة السابقون لم يكونوا خالين من المثالب لكنهم كانوا متسلحين بغير قليل من الفضائل على الأقل كانوا يدركون أوزان مواقعهم الإجتماعية أوالسياسية فحرصوا على الحفاظ على تلك الأوزان حتى حين لم يحتفظوا بالمواقع.هم لم يسمحوا لخصوماتهم السياسية أن تجرفهم إلى مهابط الفجور في الخصومة كما لم يطلقوا لألسنهم الأعنة للتورط في الشتم والسباب
***   ***   ***
من اليسير على المرء إطلاق أحكام قاسية على غالبية الساسة الحاليين – إن لم يكن كلهم- دون أن يرجف لديه إحساس بالجور أو الإجحاف. فبالإضافة إلى تمكن الحسد على نخبنا – وفق تشريح عمالقة بينهم- فإن الحاليين يسرفون في الأنانية على نحو يبلغ بهم حد العمى فيستعصي عليهم الفرز بين الخطأ والصواب، بين الخاص والعام بين الذاتي والوطني. لذلك عوضاً عن حمل آليات البناء هم يعملون معاول الهدم على كل الجبهات حتى غدا المشهد برمته ركاماٌ على حطام. هذا زحامٌ عشوائي خال من أي اسم ذي بريق جاذب أو من حملة  مقومات الإعتداد بالمواقف المبدئية. جميعهم أشحة على الخيارات النبيلة ، يفتقدون نخوة ” أولاد البلد”، فقراء إلى الفحولة السودانية ، تعوزهم حكمة القيادة والسداد لم يحظوا ولو بقليل من جزالة الخطاب.
***   ***  **
ما كان الوطن يوما ذلك الفردوس المرتجى, ولا عاش الشعب تلك الرفاهية المشتهاه. لكن لم يحدث أن إنحدر الوطن إلى هاوية هكذا بلا قرار. كما لما يبلغ التردي  بالشعب سفح اليأس والقنوط على النحو الماثل. المسرح السياسي يعج بأرجوزات مثيرة للرثاء أكثر من التحريض على الضحك. لذلك ينضح  كل الشمهد   السياسي بسيل من التهريج، اللغو والغلو في الإسفاف ، الإرتباك والعنة بعيدا عن ملامسة حواف القضايا الحيوية و الحياتية للوطن والشعب . كأنما لا يدرك أؤلئك المهرجون  مغبة التفريط في هيبة الدولة ، تدمير المؤسسات، نشر أدخنة وأغبرة  الفوضى ،الإنغماس في لجج الفساد و تعطيل مصالح الناس . مع ذلك عوضاً عن الإعتراف بالخطأ يتوغلون في المكابرة ومجافاة الحق والعدل بل أكثر من ذلك هم لا يبدون الحد الأدنى من الإحساس بالمسؤولية لجهة كبح الإنهيار ، دع عنك تصحيح المسار.
***   ***   ***
نعم ورثنا عن الإنقاذ حالة من الإهتراء الوطني  لكنما ساستنا الجدد توغلوا بنا في عتامير الخراب بحيث لم تنج مؤسسة ولو واحدة من الدمار.هم راضون بوطن لم يعد له ذلك الجيش المعروف بانضباطه، شكيمة قادته وتكران الذات وقدراته على البذل ،التضحية والفداء على المستوى الإقليمي الواسع. الشرطة لم تعد ذلك الجهاز الساهر على تأمين سلامة بنات وأبناء الشعب المسكونين حاليا بالخوف وبالوجل  والقلق على أنفسهم وممتلكاتهم. المستشفيات تفتقر للحد الأدنى من خدمات التطبيب. شبكات البنى التحتية كلها بلا استثناء تتعرض للتعطيل والتخريب على نحو فاضح للدولة والأمة.
***   ***   ***
 في زمن مصارعة الأقزام لم تفقد فقط السلطة فعاليتها، بل افتقدنا مرجعياتنا الإجتماعية. رغم الجدل المتشعب عن  دور “السيدين ” في تاريخنا المعاصر إلا أن الركون إلى بيتيهما من قبل القيادات  ظل طقسا سياسياً بغض النظر عن مدى الإتمار برؤيتهما معا  أو أحدهما .ربما ترك رحيل الصادق المهدي فراغا في المشهد. “الرفاق” أضاعو ترقب الشارع السياسي لما يصدر عن الحزب الشيوعي  عند المنعطفات الحادة بعدما آثروا الحياد والنأي عن خوض المعارك وسط الجماهير . كل مواعيننا السياسية والمدنية أصابها الصدأ . بعد جدالنا الطويل العميق عن مدى جدوى الطائفية على درب البناء الوطني إنكفأ بنا الحال إلى القبلية المنتنة والجهوية البغيضة. هكذا لم يعد مستغربا بروز ممارسي  الهمبتة وقطع الطرق على الصعيد الوطني. الحيرة بلغت بنا حد جلوس كبار المسؤولين في الدولة على مقاعد الفرجة أزاء مظاهر إزدراء الدولة والشعب والمصلحة العليا. كأنهم يستمتعون بـ”دافوري الأزقة ” الممارس على امتداد الوطن  بينما العالم في عصر الإحتراف. أفضل الرجال بينهم من  يحاول لعب دور العاقل في فرق المجانين!
 aloomar@gmail.com

أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

1 شارك