بقلم: مرتضى القسم عوض الكريم
في سودان العجائب والغرائب،
ثمة من يدعي الفضيلة والفهم والعلم،
“والولد مقطعها” كما نقول بالعامية،
“ويا دنيا ما فيك إلا أنا”… غرور يمشي على قدمين، وعجب بنفسه لا حد له.
وهنا، الكل يدعي الوصول إلى “ليلى”.
مسكينة ليلى! الكل يتغنى بحبها، ويتباهى بعشقها، ويتظاهر بالوله لها.
لكن ليلى لا ترى من دعواهم شيئا، فهي لا تقر لهم بهذا الحب الزائف، ولا تعترف لهم بذرة وفاء.
وكل يرى نفسه نجما في سمائه، وقمرا لا يأفل عن سماء المجد.
ولكن… الواقع يفضح كل هذا الضجيج.
يفضح الميديا، ويعري زيف المواقع، ويكشف كذب المنصات.
فتصبح الحقيقة عارية بلا كساء،
مجردة من الثياب، مفضوحة امام العيون،
والعورات بادية، واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار.
والسؤال الذي يفرض نفسه بالحاح ويقض المضاجع هو:
من المؤهل للحكم على اداء الحكومات؟
ومن المؤهل اصلا ليحكم؟
ومن الذي يوزع صكوك الغفران والبراءة على الناس؟
وانا هنا لا ادعي علما لست من اهله، ولا افرض رايا على احد.
انما اتكلم بما رايت، وشهدت، وعاينت… وليتني ما كنت حاضرا.
من المؤهل ليكون سياسيا ويحكم في شان البلاد والعباد؟
الذي كذب وافترى وزعم: “قريبي مات بالكورونا”
وهذا كذب بواح، وقد رايت من امثال هؤلاء ما يسد عين الشمس.
وقريبه حي يرزق، ينعم بالصحة والعافية؟
كذب ليحصل على وظيفة عن بعد،
ولياخذ “راتب الكذب” وهو قابع في مكانه.
وقس على ذلك يا رعاك الله في هذه البلاد العجيبة.
ثم يخرج علينا بعد ذلك متبجحا،
يلقي الخطب الرنانة في الامانة والنزاهة؟!
وا عجباه! وا خزياه!
انى لمن غش ان يحكم؟
وانى لمن كذب ان يصدق؟
وانى لمن خان ان يؤتمن؟
ومنهم من يكيد لزملائه ليل نهار،
ويحيك لهم الدسائس والمؤامرات في الخفاء والظلام.
ثم يفر من مواجهتهم فرار الجبناء، هربا وخذلانا.
ويتآمر بعضهم مع دهاقنة المسؤولين كي يتسبب في قطع رزقك… لكن الله غالب، والله متم نوره.
وبعضهم يركض وراء اهل الجاه والنفاق،
ينظم لهم الولائم، ويصنع لهم “الشو” والدعوات و”هلم جرا”…
وبعضهم لا يحسن كتابة “هلم جرا” املاء،
ومع ذلك يتصدى لاصلاح حال السودان! فيا للعجب العجاب.
ايا صاحبي، باطن الارض خير من ظاهر هؤلاء.
الواحد لا يتقن الاملاء، ولا يحسن عملا، ولا يقيم وزنا،
ومع ذلك تجده منفوخا كالبالون،
وهو في الحقيقة خاو تماما، اجوف، مهشم، ومهمش.
والطامة الكبرى والرزية العظمى:
حتى في بيت من بيوت الله،
يهرب من مقابلة زملائه،
ويختفي اختفاء الفئران.
وكأن المساجد صارت وكرا للجبناء،
لا محرابا للصادقين الاتقياء!
وزملاؤه شهود عدول عليه. والله انها لقمة القرف، وذروة الانحطاط!
لا ادري الى اي درك سحيق وصل بهم الحال.
ومنهم اذا احتاجك كان طيبا هينا لينا،
معسول اللسان، حلو البيان، قليل الاحسان.
فاذا قضى مآربه ولى مدبرا ولم يعقب،
لا سلام ولا كلام.
انها المصلحة الدنيئة، والنفس الوضيعة،
التي تأنف من الصدق، وتعشق الزيف والنفاق.
والله ان الخواجات اذا اخطا احدهم استقال.
اما نحن فماذا نقول؟
هذه عقول قد تحجرت، وقلوب قد تحجرت،
ونفوس قد انتنت وتعفنت.
هذا منتهى السوء، وغاية القبح،
وهذا هو الانحدار الاخلاقي بعينه.
هكذا حال بلادنا الموبوءة:
بمحدودي القدرات،
وعاطلي المواهب،
وقلي الخبرات،
وتجار الازمات،
ومعظمي الذوات،
وبائعي الكلام والشعارات.
تبا للنفاق اينما حل وارتحل،
وتبا للسياسة العرجاء العوراء،
وتبا لموت الضمير وخراب القلوب،
وتبا لكل منافق متلون كالحرباء.
اللهم ارحم السودان من تجار الدين، ومن اصحاب المصالح،
ومن قائل “ما اريكم الا ما ارى وما اهديكم الا سبيل الرشاد”،
ومن اصحاب النفوس الميتة والنيات الخبيثة.
اللهم ول علينا خيارنا، ولا تول علينا شرارنا.
اللهم طهر بلادنا من الخبث والخبائث، ومن المنافقين والمتسلقين.
اللهم اصلح لغتنا العربية اصلاحا بينا،
واستبدل الركاكة بالبلاغة، والضعف بالفصاحة،
واستبدل الشو بالتواضع، والرياء بخشية الله،
واستبدل السياسة بالعمل، والثرثرة بالاتقان.
اللهم قوي ضعفنا اللغوي
وعلمنا البيان، واطلق السنتنا بالحق،
وصحح املاءنا، واتقن عملنا،
واهدنا لما تحب وترضى.
