لم يكن هتاف “صعب… صعب يا سوار الذهب” مجرد عبارة عاطفية ردّدتها الجماهير السودانية عقب انتفاضة أبريل 1985، بل كان تعبيراً عن اعتقاد واسع بأن قائد المجلس العسكري الانتقالي سيقود البلاد إلى مرحلة ديمقراطية خالصة، ويعيد السلطة إلى الشعب دون أجندة سياسية خفية.
وبالفعل، أوفى المشير عبد الرحمن سوار الذهب بوعده الشكلي بتسليم السلطة بعد عام واحد، وأُجريت انتخابات عامة في عام 1986. لكن السؤال الذي ظل يفرض نفسه بعد مرور أربعة عقود هو: لمن كانت تهيأ الأرض السياسية خلال تلك السنة الانتقالية؟
في تقديري، لم تكن الجبهة القومية الإسلامية بقيادة الدكتور حسن الترابي مجرد أحد المستفيدين من المرحلة الانتقالية، بل كانت المستفيد الأكبر، لأن عملية تمكينها لم تبدأ بانقلاب الثلاثين من يونيو 1989 كما يعتقد كثيرون، وإنما بدأت فعلياً منذ المصالحة الوطنية عام 1977 بين الرئيس جعفر نميري والجبهة الوطنية.
لقد جاءت تلك المصالحة في مناخ إقليمي تأثر فيه نميري بسياسات الرئيس المصري أنور السادات، الذي لجأ إلى التيار الإسلامي لمواجهة خصومه من اليساريين والقوميين، وهو النهج الذي انعكس بصورة واضحة على السودان. فمنذ ذلك التاريخ بدأت الجبهة الإسلامية في بناء نفوذها داخل مؤسسات الدولة، وعلى رأسها القوات المسلحة، والخدمة المدنية، والجامعات، والنقابات، مستفيدة من الانفتاح الذي وفرته المصالحة.
وعندما اندلعت انتفاضة أبريل، كان هذا النفوذ قد أصبح حقيقة لا يمكن تجاهلها. ولذلك فإن تصوير المجلس العسكري الانتقالي باعتباره سلطة محايدة يقف على مسافة واحدة من جميع القوى السياسية يغفل حقيقة أن قراراته الرئيسية جاءت، في نظر كثير من المراقبين، منسجمة مع مصالح الجبهة القومية الإسلامية.
وأبرز تلك القرارات كان قانون انتخابات 1986، الذي لم يكن مجرد تشريع تنظيمي، بل كان أداة أعادت رسم الخريطة السياسية بطريقة منحت الإسلاميين أفضلية واضحة. فقد حصلت الجبهة القومية الإسلامية على أكثر من خمسين مقعداً في البرلمان، بينها جميع المقاعد الثمانية والعشرون تقريباً المخصصة للخريجين.
والأخطر من ذلك أن مفهوم دوائر الخريجين نفسه تعرض لتغيير جوهري. فبعد أن كانت هذه الدوائر ذات طابع قومي يهدف إلى إدخال الكفاءات العلمية والمهنية إلى البرلمان، تحولت إلى دوائر إقليمية ومحلية شملت خريجين مقيمين في السعودية ودول الخليج، وهي مناطق كانت تمثل أحد أهم معاقل التنظيم الإسلامي. وأدى هذا التقسيم إلى خفض عدد الأصوات المطلوبة للفوز في بعض الدوائر إلى بضع مئات فقط، الأمر الذي منح التنظيم الإسلامي ميزة تنظيمية لا تتوافر لغيره.
والمفارقة السياسية أن الحركة الإسلامية نفسها كانت في ستينيات القرن الماضي من أشد المعارضين لدوائر الخريجين لأنها منحت الحزب الشيوعي وحلفاءه أحد عشر مقعداً عقب ثورة أكتوبر 1964. لكنها لم تتردد في الدفاع عن النظام ذاته عندما أصبح يحقق لها المكاسب نفسها، وهو ما يكشف أن الموقف لم يكن مبدئياً بقدر ما كان محكوماً بحسابات المصلحة السياسية.
أما المشير سوار الذهب، الذي ما زال يُقدَّم في كثير من الأدبيات بوصفه نموذجاً للنزاهة والزهد في السلطة، فإن مسيرته اللاحقة تثير تساؤلات مشروعة. فقد تولى رئاسة منظمة الدعوة الإسلامية، وهي مؤسسة تمتعت بإمكانات مالية هائلة ونفوذ واسع، وكانت تُعد إحدى أهم المؤسسات المرتبطة بالحركة الإسلامية.
ومن الصعب النظر إلى هذا التعيين باعتباره مصادفة سياسية أو اختياراً مهنياً محضاً. فبالنسبة لكثيرين، كان بمثابة مكافأة سياسية لرجل أدى دوراً محورياً في إدارة مرحلة انتقالية انتهت بتهيئة المسرح لصعود الإسلاميين، قبل أن يكتمل مشروعهم بانقلاب الثلاثين من يونيو 1989.
وتزداد هذه التساؤلات إلحاحاً عندما نتذكر أن نظام نميري كان قد دخل في مواجهة حادة مع الحركة الإسلامية خلال الأشهر الأخيرة من عمره السياسي، وأن عدداً من قياداتها تعرضوا للاعتقال والملاحقة. لذلك يرى بعض المراقبين أن قرار سوار الذهب بالانحياز إلى الانتفاضة الشعبية ونقض قسم الولاء الذي أداه لنظام نميري لم يكن مجرد استجابة عسكرية محايدة لمطالب الشارع، بل جاء في سياق توازنات سياسية كانت الحركة الإسلامية أحد أبرز المستفيدين منها، إن لم تكن أحد الأطراف المؤثرة في تشكيلها.
لقد نجح سوار الذهب في تسليم السلطة، لكن السؤال الذي لا يزال ينتظر إجابة هو: هل سلّمها إلى الديمقراطية، أم سلّم الديمقراطية إلى المشروع الإسلامي؟
ذلك هو السؤال الذي يجعل هتاف الجماهير في أبريل 1985: “صعب… صعب يا سوار الذهب” أكثر حضوراً اليوم من أي وقت مضى. فبعد أربعة عقود من تلك الأحداث، لم يعد الجدل يدور حول واقعة تسليم السلطة نفسها، بل حول طبيعة الترتيبات السياسية التي سبقتها، والنتائج التي ترتبت عليها، والدور الذي لعبته في تمهيد الطريق أمام الحركة الإسلامية للوصول إلى ذروة نفوذها في السودان.
طلعت محمد الطيب
talaat1706@gmail.com
