تأمُلات
كمال الهِدَي
لا أفهم إطلاقاً احتفاء كثير من المستنيرين والإعلاميين بحديث وبيانات “صمود” حول إعادة الإعمار والاتفاق مع عدد من الشركات الألمانية وغيرها. لأنهم بذلك يبدون كمن يجهز البردعة قبل الحمار.
الحرب لا تزال مستعرة في وطننا، ومع كل صباح جديد يعيش مواطن بلدي إحدى مآسيها، ويعاني من التفلتات الأمنية في بعض المدن التي توقفت فيها المعارك، ويجأر بالشكوى من تلوث البيئة والأمراض التي تفتك بأجسادٍ منهكة، ويصرخ من الجوع، فعن أي إعادة إعمار تحت أصوات الرصاص يتحدثون؟
قبل أن نتداول (بفرح وحبور) مثل هذه البيانات والتصريحات التي تصدر عن قادة “صمود” ، علينا أن نسألهم: ماذا فعلتم من أجل إيقاف الحرب، قبل أن تبدأوا الحديث عن إعادة الإعمار؟
لاحظوا أنني سألت: ماذا فعلتم، ولم أكتب: ماذا قلتم، فاللقاءات والجولات كثيرة، والتصريحات أكثر، لكن لا يزال الفعل الجاد غائباً. بل العكس هو الحاصل، فبحسب رؤيتي المتواضعة أن ما فعلته بعض كيانات “صمود” يصب، رغم جهود البعض وتصريحاتهم، في الاتجاه الآخر، أعني إطالة أمد الحرب.
فمجموعة بابكر فيصل تتعامل مع حزب كبير وعريق وكأنه ملكية خاصة، أو كيان تأسس بعد اشتعال ثورة ديسمبر، كما أن حزب الأمة شهد انقسامات شتى، كما انشقت مجموعة كبيرة عن حزب المؤتمر السوداني، وهناك من انضموا لمليشيا الجنجويد وأوهموا السودانيين بأنهم “تأسيسيون”، ليجدوا سريعاً وسط الثوار من يعتبرونه موقفاً واختلاف رؤى، رغم أنه لعب مصالح لا أكثر. حتى أردول، الذي أُستخدم سابقاً ضمن مجموعة “الموز” لشق صف المدنيين، وحظي بعد ذلك بمكانة ومنصب لم يستحقهما لينهب الموارد ويُفسد هو ومن معه، لا مانع لدى بعض قوى الثورة من القبول به مجدداً وكأن قومنا مثل آل بوربون.
أي حديث عن إعادة الإعمار في هذا الوقت أعتبره شخصياً شغل علاقات عامة لا علاقة له البتة بالجهود المخلصة لإخراج البلد من حفرتها العميقة التي أوقعتنا فيها المواقف المائعة والغفلات المتكررة. ويفترض أن نتعلم من أخطاء الماضي، وألا ننجر وراء ترويج بعض من يحاولون أن يصنعوا لأنفسهم صيتاً لمجموعة “صمود” بالحق وبالباطل. فهناك من ظلوا، حتى لحظة بدء اعتصام القيادة وبعدها، أصدقاء حميمين لمن قامت ضدهم الثورة، وكتاباً في صحفهم. لكنك حين تسمع هؤلاء اليوم يتحدثون عن الثورة أو عن “صمود”، تظن أنهم من مؤسسي “قحت” ، فهم يدركون أن كثير من أبناء شعبنا يتمتعون بذاكرة قصيرة، وأن بعضنا ضعفاء في ربط المواقف ببعضها، وسريعو الانفعال مع كل حديث عاطفي، ولهذا يروجون لأنفسهم، في غفلة منا عبر الإطراء المفرط ل”صمود” وغض الطرف عن أخطائها الفادحة.
في وقت مضى، كنت حين تنتقد ود لبات تُواجه بهجوم شرس من قصيري النظر، وحين تحذر من خطورة المؤامرة التي كانت تُحاك في جوبا، يقال لك: ” مافي عاقل بيرفض السلام”. وللأسف، لم يتعلم كثيرون من تلك الأخطاء القاتلة، بل ظلوا يستنسخوها في كل مرة بصيغ وطرق جديدة.
وما لم نُقِرّ بأننا – كشعب – جزء أصيل من أزمة هذا الوطن، بتهاوننا وغفلاتنا وصمتنا الطويل أمام العابثين، فلن ينصلح حالنا، ولن تتوقف هذه الحرب اللعينة، مهما تعددت المبادرات، وتكاثرت الوفود، وارتفعت الشعارات.
kamalalhidai@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم