صندوق النقد الدولي ما بأغنينا وبقلع طواقينا 

 


 

 


المبتدأ: -

هناك حراك عالمي ووعيا جديدا قد تخلق في المجتمعات التي عانت من سياسات المؤسسات المالية الدولية؛ وعلى الرغم من التحديات والصعوبات، إلا أن الحركات النقابية بالتحالف مع القوى الثورية ومنظمات المجتمع المدني قد استطاعت في العديد من دول العالم أن تجمع أدلة كافية تبرهن على أن سياسات صندوق النقد والبنك الدولي فاشلة وليست مجدية.

والخبر: -

أن ديون السودان الخارجية اليوم كبيرة وتتألف في معظمها من متأخرات قائمة منذ أمد طويل تراكمت حتى بلغت مستوى يتعذر الاستمرار في تحمله حيث وصلت إلى أكثر من (150%) من إجمالي الناتج المحلي وعشرة أضعاف الصادرات (حوالي 1000%).

(1)

في شتاء عام 1945م وعقب انتهاء الحرب الكونية الثانية مباشرة خرج صندوق النقد الدولي إلى حيز الوجود بتوقيع تسع وعشرين بلدا على اتفاقية تأسيسه؛ وقد كانت جميع دول العالم تعاني من آثار الحرب المدمرة فالبطالة والفقر والتضخم والكساد ألقى بظلاله على معظم اقتصادات العالم؛ ولم يسلم من الدمار الاقتصادي حتى دول الحلف المنتصر في الحرب ما عدا الولايات المتحدة التي كانت متماسكة وقوية اقتصاديا وماليا؛ وقد أعلن أن الهدف من انشاء الصندوق هو تحقيق النمو الاقتصادي بعد الحرب العالمية الثانية وحماية الاقتصاد العالمي من تكرار أزمة الكساد الكبير، ولكي يوضع هذا الهدف موضع التنفيذ تم تأسيس وكالة متخصصة من منظومة "بريتون وودز" تابعة للأمم المتحدة أطلق عليها (صندوق النقد الدولي) لتعمل على تعزيز سلامة الاقتصاد العالمي، ويقع مقر الصندوق في عاصمة الولايات المتحدة الامريكية واشنطن ويديره أعضاؤه الذين ينتمون لجميع بلدان العالم تقريبا.

(2)

يشجع صندوق النقد الدولي الدول المختلفة على اعتماد سياسات اقتصادية يعتبرها سليمة، كما يمكن لجميع اعضاءه الاستفادة من موارده المالية بالتمويل المؤقت؛ في حال تعرض ميزان مدفوعاتهم لأي مشكلات. والمادة الأولى لاتفاقية تأسيس الصندوق توضح أن أهدافه تتمثل في تشجيع التعاون الدولي في ميدان السياسة النقدية، وتيسير التوسع والنمو في التجارة الخارجية، وتدعيم الثقة بين البلدان الأعضاء، والعمل على تصحيح اختلالات ميزان المدفوعات للدول الأعضاء، والعمل على تحقيق الاستقرار في أسعار الصرف.

(3)

أهداف صندوق النقد تبدو غاية في النبل والشهامة كون انها تعطي انطباعا جيدا ويفهم منها ان الصندوق مؤسسة مالية دولية (محايدة)؛ هدفها الأساسي ضبط عمل اقتصاديات الدول الأعضاء وتصحيح التشوهات الطارئة التي تحدث قدر المستطاع. هذا ما يفهم من الأهداف المعلن عنها ولكن الحقيقة وما ثبت من التجارب شيئا آخر ابعد من هذا الفهم. فصندوق النقد الدولي هو مؤسسة مالية من المؤسسات التي أنشأتها القوة العظمى المنتصرة في الحرب الكونية الثانية؛ لتفرض على العالم هيمنتها الاقتصادية بجانب هيمنتها العسكرية التي تحققت بالحرب، وقد اثارت سياسة الصندوق تاريخيا جدلا واسعا حول جدواها من جهة وحول مدى ارتباطها بأجندة سياسية لدول عظمى بعينها توجهها من جهة أخرى.

(4)

المراقب للأدوار التي لعبها الصندوق تاريخيا في دول العالم الثالث التي حصلت على قروض منه وتعاملت معه؛ يجد أنها لم تكن بريئة حيث لم تستفد تلك الدول من القروض بل على العكس تماما كانت هذه القروض بوابة لمزيد من الانهيار الاقتصادي؛ والتعثر المالي وزيادة معدلات التضخم والبطالة؛ وهو تقييم تدعمه العديد من الشواهد على الرغم من مثالية ونبل الأهداف والاسس النظرية التي قام على أساسها الصندوق؛ ستصيبك الدهشة عزيزي القارئ و(يلعب الفأر في عبك) بمجرد أن تعلم أن لصندوق النقد الدولي (روشتة) سحرية شبه موحدة يعالج بها تشوهات الاقتصاد في أي دولة كانت من دول العالم الثالث رغم الاختلاف والفوارق الكبيرة بين واقع دولة وأخرى!!.

(5)

 تتلخص هذه (الروشتة السحرية) في إزالة التعريفة الجمركية على الواردات؛ وفرض سياسات تقشفية حادة، وهي حلول لا تكون موجهة لمعالجة المعضلات الحقيقية التي تواجه اقتصاديات الدول التي تتلقى قروض الصندوق؛ هذا بالإضافة الى أن الارشادات التي يقدمها الصندوق قد ثبت بالتجربة انها دائما ما تسهم في تدمير الموارد والصناعات المحلية للدول المقترضة؛ مما يدعم فرضية تنفيذه لأجندة دول عظمى بعينها؛ ويتضح هذا الأمر في عدم اهتمامه بعملية ضبط ومحاسبة الأنظمة الفاسدة في قنوات القروض؛ مثل اهتمامه بالتأكد من أن الدولة المقترضة قادرة على سداد القرض.؛ أدت هذه السياسة الغير أخلاقية التي يتبعها الصندوق الى فتح المجال امام قادة هذه الدول لاختلاس القروض وتوجيهها لتثبيت نظمهم الفاسدة؛ والثراء على حساب الشعوب الذي تتحمل في نهاية الامر تكلفة القروض وفوائدها الباهظة.

(6)

إن مطالبة الصندوق الدائمة للدول المقترضة بتحرير الأسواق وكف يد الدولة؛ بغض النظر عن الاوضاع الاقتصادية الهشة للفئات الاجتماعية التي ترزح تحت خط الفقر؛ يقود في المحصلة إلى اضعاف الصناعات المحلية وزيادة معاناة الطبقات الفقيرة؛ كنتيجة منطقية لخروج تلك الصناعات المحلية من الأسواق وتشريد العاملين بها؛ وهي بهذا تعتبر سياسة تخريبية تساهم في إضعاف قيمة العملة المحلية؛ وتهاوي احتياطات البنوك المركزية؛ فسياسات صندوق النقد الدولي التي طبقت في كثير من دول العالم الثالث كانت لها نتائج مأساوية؛ قادت لخلق دول معاقة اقتصاديا وأكثر فاقة وفقرا مما كانت عليه؛ كنتيجة طبيعية لارتفاع الديون وتعاظم الفوائد وزيادة البطالة والتضخم.

(7)

 واذا ما اخذنا مثالا علاقة صندوق النقد مع السودان التي توقفت في ظل النظام البائد عام 1993م لفرض المجتمع الدولي المقاطعة الاقتصادية على نظام الحركة الإسلامية المتهم بمساندة الجماعات الإرهابية؛ ثم ما لبثت أن عادت في شكل تعاون فني فقط عام 1998م وفى حمى سعي نظام الحركة الإسلامية لكسر طوق العزلة المضروب حول عنقه خضع لموجهات الصندوق ووقع في فخ تنفيذ كامل روشتته على أمل استعادة كامل العلاقة المالية معه؛ فقام بتحرير الأسواق وخصخصة القطاع العام؛ دون وضع دراسات واقع حقيقية؛ أدت هذه السياسات غير المدروسة الى تعطيل عجلة الإنتاج الزراعي والصناعي؛ وظهور النشاط التجاري الطفيلي المعتمد على السمسرة والعمولات الذي اغرق الأسواق المحلية بالمنتجات الأجنبية؛ وبعد فترة وجيزة لم يتبقى من المصانع والمشاريع الزراعية الوطنية العاملة ما يذكر؛ فقد أغلقت أبوابها وتم تشريد عامليها أما الشركات التجارية فلم يبقى منها سوى تلك التي تعمل في النشاط التجاري الطفيلي مدعومة بسلطة النظام الفاسد؛ وهذا ما حصل بالضبط في العديد من دول العالم الثالث الأخرى و( البيرو وغانا وزامبيا) مثالا.

(8)

لقد ذكرنا في مقدمة المقال أن الأهداف والغايات المعلنة التي قام على أساسها صندوق النقد تبدو نبيلة؛ ولكن من جهة أخرى وبنظرة عابرة لبنود اللائحة الداخلية المنظمة لعمل الصندوق نكتشف كم الفخاخ العنكبوتية المعدة لتقع في حبائلها دول العالم الثالث تعيسة الحظ؛ أولها (مبدأ المشروطية) الذي يقضي بأن الموافقة على التمويل المطلوب يتوقف على تنفيذ شروط معينة تتعدى الشروط المتفق عليها بشأن فترات السداد ومعدلات الفائدة على القرض ويتوجب على الدولة المقترضة تحرير خطاب نوايا يلزمها بهذه الشروط !! وعلى رأس هذه الشروط واهمها ؛ حق الصندوق في الإطلاع على كافة تفاصيل الوضع الاقتصادي للبلد المقترض وحقه في معرفة كل الأسرار المالية والنقدية له؛ لا تندهش فهناك من بنود اللائحة الداخلية المزيد مما يثير العجب والريبة ويستفز الغيرة الوطنية.

 (9)

هل تعلم عزيزي القارئ أن حقوق التصويت في الصندوق تعتمد على حجم حصة الدولة العضو (أي كم الحصة والمساهمة المالية)؛ لهذا فالولايات المتحدة الأمريكية التي هي المساهم بأكبر حصة مالية تتمتع بقوة تصويتية تكاد تبلغ الضعف؛ كما تتمتع ايضا بحق التصويت المرجح (الفيتو) داخل الصندوق!! اما الشيء المثير للعجب وقد يكون مثير للسخرية في ذات الوقت هو قفز اللائحة الداخلية المنظمة لعمل الصندوق فوق اهم مسلمات النظم الديمقراطية فالاتفاقيات التي تعقدها الحكومات مع صندوق النقد لا تنضوي تحت مظلة الاتفاقيات الدولية، وبالتالي فإنها لا تحتاج تصويتا (برلمانيا) أو موافقة من (مجلس شعب) الدول المقترضة!! في حين ان القروض الممنوحة لها أولوية قصوى في السداد!!!.

(10)

لنتأمل فقط ما يحدث عندما تفشل إحدى الدول المقترضة في سداد القروض وينهار وضعها الاقتصادي؛ هنا تبدأ مباشرة عملية متكاملة (لقرصنة) اقتصاد الدولة المتعوسة؛ ويتم إلزامها بتطبيق إجراءات قاسية من قبل الصندوق يكون من نتائجها تخريب وتدمير كامل مواردها الاقتصادية وتسهيل استحواذ بعض الشركات على هذه الموارد (بغرض تنميتها)؛ ليصبح نظام الدولة الاقتصادي بموارده بين ليلة وضحاها تحت سيطرة صندوق النقد الدولي أو بالأحرى تحت يد الدول الأكثر سيطرة فيه. وهو ما يعزز صدقية ومنطقية افتراض ان صندوق النقد الدولي ما هو إلا ذراع للرأسمالية المتوحشة المتجسدة في النظام العالمي الجديد بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الغربية الأخرى؛ التي تعمل على فرض أجندتها على الدول الضعيفة لتسهل عملية السيطرة على مقدراتها؛ بالطبع يوجد من يختلف مع هذا الطرح والتقييم للدور الذي يلعبه الصندوق في اقتصاديات دول العالم الثالث؛ ولكن المؤكد أن الآثار الاقتصادية الكارثية التي ظهرت على معظم الدول المقترضة تدفع المرء الحصيف مهما أحسن الظن للتساؤل عن إن كان هناك دور خفي يلعبه صندوق النقد الدولي لصالح الدول المسيطرة عليه لتكبيل اقتصادات الدول الفقيرة وإغراقها في مزيد من الديون والتبعية.

(11)

عموما أن حالات فشل الصندوق في حل مشكلات البلدان النامية كانت دائما تزيد على حالات نجاحه وقد أنتجت سياسات الصندوق الخاصة بـ(التكيف الهيكلي) لمواجهة الأزمات وحالات عدم التوازن المزمنة في اقتصاديات الدول التي طلبت مساعدته العديد من حالات الهياج الشعبي والمجاعات، وكانت مزايا القروض المقدمة بواسطة برامج التكيف الهيكلي عادة ما  تذهب إلى الأثرياء بينما يزداد فقراء الدول المقترضة فقرا وعوزا؛ على الرغم من أن سياسة التكيف الهيكلي قد اقرت من حيث المبدأ لتعديل الهيكل الاقتصادي للبلدان التي تعاني من الازمات الاقتصادية، عبر تحسين قدرتها التنافسية، واستعادة توازن ميزان مدفوعاتها.

(12)

وخلاصة القول إن إصرار صندوق النقد الدولي على تنفيذ سياسات واستخدام آليات عمل تبنى على أسس أيديولوجية وسياسية تتفق مع مصالح وقناعات الدول الأكثر مساهمة مالية قد أدت إلى الكثير من المآسي التي تعرض لها فقراء العالم الثالث. كما إن التشبث الاعمى بمبادئ وأفكار اقتصادية ثبت بالتجربة عدم صحتها كفكرة أن السوق يصل تلقائيا إلى أكثر النتائج فاعلية عندما تنفض الدولة يدها عن التدخل لصالح الفقراء وتقوم بتخفيض أو إلغاء ما يقدم من دعم للسلع والخدمات الضرورية كالصحة والتعليم، لهو فعل أخرق وتفكير مخاتل تجاوزه الزمن ولم يعد صالح لإدارة دفة الاقتصاد العالمي؛ فالاعتماد على قوى السوق ليس دائما ولا في كل الظروف هو الحل الأمثل؛ فهناك حالات كثيرة تستوجب تدخل الدولة لإصلاح ما أفسده السوق ولسد الثغرات التي خلقها ثم إن الانتقال غير المدروس والمتعجل من الاقتصاد المخطط من قبل الدولة إلى اقتصاد السوق الحر يؤدي لانخفاض شديد في معدل النمو وزيادة نسبة الفقر وارتفاع معدل البطالة بالإضافة لشيوع الفساد، وهو ما حدث في روسيا وفي كثير من بلدان الاتحاد السوفيتي السابق نتيجة تطبيق نصائح الصندوق الذي أوصى تلك الدول بسياسة العلاج بالصدمة والانتقال مباشرة إلى نظام السوق دون تدرج أو حذر.

تيسير حسن إدريس

15/06/2021م


 tai2008idris@gmail.com

 

آراء