صوت الحياة بداخلنا كفيل بحسم التضاد الوجودي داخلنا ..

mohamed.abdommm@icloud.com

محمد عبد المنعم صالح

في أعماق النفس البشرية، يعيش صراع لا يُحسم بسهولة، صراع هادئ لكنه دائم وأزلي وأبدي كذلك .. صراع بين الرغبة في الاستقرار، والحنين إلى التغيير.. فكلاهما رغبتان مشروعتان، بل ضروريتان، لكن اجتماعُهما في عقلٍ واحد وقلبٍ واحد هو ما يصنع التوتر والتذبذب أحيانًا، والنمو والنضج في أحيانٍ أخرى.

الاستقرار هو الحلم الذي نحاول بناءه طوبةً طوبة، سواء في العمل أو العلاقات أو المكان الذي نعيش فيه. هو الشعور أن هناك أرضًا ثابتة تحت أقدامنا، أن الأشياء مألوفة، وأن الغد يشبه اليوم بطريقة لا تُفاجئنا كثيرًا.

في الاستقرار نرتاح. نعرف ما نتوقع، نطمئن إلى الروتين، نتحرر من القلق المزمن بشأن “ما التالي؟”. لذلك، لا عجب أن النفس تميل إليه حين تجهد، حين تُخذل، حين تشعر أن الحياة قاسية جدًا على من لا يملك مأوى نفسيًا أو وجوديًا.
لكنه، رغم ذلك، يحمل وجهًا خفيًا من الملل والخمول، بل وربما الخوف من التغيير ذاته. كأن الاستقرار يتحول أحيانًا إلى قيد ذهبي: ناعم لكنه خانق.

على الجانب الآخر، يأتي التغيير كنداءٍ من داخل النفس، نداء لا يهدأ: “هناك شيء أكثر”، “ماذا لو جربت؟”، “أليس بإمكانك أن تعيش حياة أخرى؟”. هو توق الإنسان للتجربة، لاكتشاف قدراته وحدوده، لاختبار المجهول، حتى لو كان الثمن هو فقدان بعض الأمان.

التغيير يجدد الدماء، ينعش الروح، يضعنا وجهًا لوجه مع الحياة. لكنه في الوقت ذاته مرعب؛ لأنه غير مضمون، لا يمكن التنبؤ بعواقبه. قد نخسر، وقد نندم، وقد نكتشف أننا كنا في نعيم لم نقدّره.

وهنا السؤال المهم.. لماذا يصعب علينا الحسم؟

لأننا لسنا عقلًا فقط، ولا شعورًا فقط. بداخلنا عقل يحب التحليل والتخطيط، وقلب يشتاق ويخاف ويطمع. لأن الإنسان لا يعيش في فراغ، بل تحيط به مسؤوليات وقيود وتقاليد وأحلام مؤجلة.

نخشى أن نغيّر فنخسر، ونخشى أن نبقى فنموت ببطء. نقف كثيرًا عند مفترق الطرق، ونتساءل: هل هذا استقرار أم جمود؟ هل هذا تغيير أم تهوّر؟

الحل ليس في أن نختار أحد الطرفين ونرفض الآخر، بل أن نُدرِك أن الحياة دائرة تتسع لكليهما. أن نستقر حيث يجب، ونتغير حين يعلو النداء. أن نفهم أنفسنا: هل نحن نطلب الاستقرار الآن هربًا من الألم؟ أم نطلب التغيير هربًا من الملل؟ لأن الهروب ليس قرارًا حكيمًا، أما التوجه الواعي نحو احتياج حقيقي، فهو النضج بعينه.

ربما لا يوجد “قرار مثالي” يُنهي هذا الصراع للأبد، لكن الوعي به يجعلنا أصدق مع أنفسنا. نحن مخلوقات متناقضة، نريد الأمان والمغامرة، الجذور والأجنحة، البيت والرحيل. وربما كانت الحياة الحقيقية، ليست في انتصار طرف على آخر، بل في أن نحمل التناقضات بصدق، ونُستمع جيدا لصوت الحياة في داخلنا، مهما بدا متغيرًا..

عن محمد عبد المنعم صالح

محمد عبد المنعم صالح

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …