ضحايا حرب البرهان والكيزان من البشر ما يجري عِداده بعشرات الآلاف..ومن المصابين بمئاتها (أو مئونها)..ومن مستقبل الأجيال بما لا يُقاس بالأيام والأعمار بل العقود..(وهذا من أفدح فصول هذه الحرب إيلاماً)..!!
ثم ما جرى من إضاعة لسنوات النهضة والعمران بحيث لا تكفي الأعوام والدهور للعودة فقط إلى أوضاع (ما قبل الحرب)..!..
ثم ما تم من إشاعة للتردي الأخلاقي والفجور بما يحتاج إلى جهود المُصلحين الجبابرة لمحو هذا الإرث المُشين..!
ثم من فقدان وإعدام ونهب للموارد بما لا يمكن قياسه..ويكفيك بين كل هذه الموارد والثروات الضائعة (ضحية واحدة فقط) حاق بها تدميرٌ مريع مرير..وضاع بضياعها خيرٌ وفير..هذه الضحية هي (الصمغ العربي) السوداني..!
ونحن هنا لا نتحدث عن مجرد الثمن العائد من هذا المورد الثمين في أسواق العالم وميزان الصادرات؛ بل لأن هذه المورد هو رئة الحياة لعديد من المجمعات السكانية التي تعيش في هذا الحزام العريض.. ثم هناك الأهمية القصوى لغابات الصمغ في تثبيت الغطاء لنباتي وإنعاش البيئة الطبيعية واستزراع الصحراء وتحسين المناخ..!
هذا علاوة على اعتبارات الكثافة السكانية التي تعيش على زراعته وإنتاجه وتسويقه..والدور الكبير الذي يقوم به هذا المورد النفيس في تعضيد التمازج السكاني وتمتين لُحمة الوحدة الوطنية عبر حزام الصمغ الممتد عبر ( 13 ولاية سودانية)..!
لا بارك الله هذه الحرب اللعينة التي تعددت ضحاياها من (غوالي الأنفُس) إلى (نفائس الموارد).. !
هذه حرب فاجرة تسعى إلى تمزيق بلادنا وتهرئة نسيجها الاجتماعي ونقض غزل ترابطها السكاني والوجداني خيطاً بعد خيط..! وما هذه الحرب إلا تلك العجوز الخرقاء التي تنقض نسج يديها (من بعد قوة أنكاثاً)..!
التقرير الذي نشرته صحيفة الشرق الأوسط الدولية أعدته الصحفية الشاطرة “وجدان طلحة” على أبرع ما يجب أن يكون عليه التقرير الوافي الشافي الكافي..الذي يستنطق (أهل الوجعة) عن تفاصيل هذه (القصة الحزينة) التي انتهكت فيها هذه الحرب اللعينة الفاجرة أسوار هذا الحصن المكين الذي يشتمل على (عمدة ثروات البلاد) ومناط مقوت ومعيشة العباد..!
كان التقرير هذا بعنوان (ثروة تنزف بين الحرب والنزوح)..وكان بحق تقريراً موجعاً ..يروي كيف أحدثت هذه المعارك الرعناء العمياء ذلك التدمير الهائل للغابات والأسواق وطُرق نقل المحاصيل وسلاسل الإمداد..! وكيف انتهت إلى تعطيل الإنتاج وإلى نزوح الأهالي والمزارعين و”الطقّاقين” والمنتجين..وكيف أخرجت ألاف البشر من هذا الحقل ومن مناطقهم..وكيف أبيدت المساحات الواسعة من غابات الهشاب والطلح ..حتى تحوّلت هذه (الثروة الإستراتيجية) التي يتصدّر السودان إنتاجها عالمياً إلى محور (تحذيرات دولية) من استغلال عائداتها في تمويل الصراع..!
لقد فقد الأهالي والمنتجون أراضيهم ومحاصيلهم ومصادر رزقهم وأصبحوا بين عشية وضحاها في قلب (دائرة الفقر) نازحين مشرّدين..يعتمدون على المساعدات الإنسانية بعد أن قلبت الحرب حياتهم رأسا على عقب..!
ينتج السودان نحو (80 بالمائة) من الإنتاج العالمي..فأنظر إلى أين ذهبت الريح بهذه المكانة التاريخية والميّزة العالمية الفريدة بسبب حرب البرهان والجاكومي وأبو رهف والتوم هجو..؟!
لقد تمدّدت الأضرار الجسيمة إلى الفولة والنهود وأولاد بخيت بولاية غرب كردفان، وإلى الدبيبات والقوز وكادوقلي والدلنج وهبيلا أبو جبيهة والأبيّض..وإلى باو والكرمك،..وفي منطقة واحدة تم الحكم بالإعدام الإنتاجي والمعيشي على 300 قرية كانت تشتهر بإنتاج أجود أنواع الصمغ العربي..!
وتأتي كبرى الأثافي في مشكلة تهريب الصمغ السوداني وإعادة تصديره بديباجات و”شهادات منشأ” غير سودانية..!
كل هذا وحكومة بورتسودان منهمكة في اجتماعات (فالصو) لمجل وزرائها وأمنها ودفاعها.. فأي أمن وأي دفاع وأي (سجم رماد)..؟!
بل إن ولاتها ووزراءها مشغولون أيضاً بافتتاح وتدشين المقاهي والمطاعم و(الوضّايات) ..!
الناس في انتظار انتهاء هذه الحرب العبثية الملعونة ليفكّروا ماذا يعملون لإعادة إعمار حزام الصمغ وتأمين إنتاجه وإعادة سبل الحياة والعمل والكسب للملايين منهم..!
وهذه واحدة فقط من مأساة الحرب التي يديرها البراءون والبرهان والنور القبّة ويهلل (بانتصاراتها) صاحب التيار عثمان ميرغني ورفيقه أسامة العيدروس كما شاهدناهما بالأمس في “قناة الجزيرة”..وهما متربّعان في أمن وعافية على مقاعد القناة الوثيرة.. الله لا كسّبكم..!
مرتضى الغالي
murtadamore@yahoo.com
