ضرورة التكامل بين الدولتين الجارتين، السودان وأثيوبيا .. بقلم: د. حسن حميدة – ألمانيا


لقد حان الوقت لكي يعيد السودان النظر في علاقته مع الجارة أثيوبيا. وهذا باعتبار أثيوبيا البلد الأكثر تقاربا وتشابها له. فإذا نظرنا للبلدين معا، نجد روابط عدة، تربط البلدين، وتبين أن ليس هناك بلد آخر يشابه الاثنين، غير النديدين المنفصلين جنوب السودان، عن السودان، وأريتريا عن أثيوبيا. ولنرجع لبداية التغيير في البلاد، مباشرة بعد ثورة ديسمبر المجيدة وقبل عامين من الزمان. ولنتمعن وقوف أثيوبيا حكومة وشعب بجانب السودان. وقوف رئيسها “أبي أحمد” كأول رئيس دولة يزور السودان بعد التغيير. أتى مساند للسودان، حامل له تهاني الشعب الأثيوبي بالنجاح، ومبدي استعداد بلاده لمساندة السودان في التحول الديمقراطي. ولكن للأسف الشديد دخل المفتنين والمنتفعين بين جلد الدولتين الجارتين، ليخلقوا العداوة بينهما وفي وقت وجيز. وليعلم هؤلاء أن السودان وأثيوبيا، دول وشعوب، ليس بهذا الغباء، وعلى قدر لا يستهان به من الذكاء. يدري ويعي الاثنين جيدا، من هو المستفيد من عداوتهما، ويدري الاثنين جيدا أن قوتهما في تكاملهما واتحادهما، للوصول للهدفين المنشودين – تقدم وازدهار البلدين.
الآن اتضحت الحقيقة للشعبين الجارين والشقيقين في السودان وأثيوبيا، وصار الأمر جلي لهما بعد عراك دام لعدة أيام، بأن الأمر محاولة لخلق الفتنة بين البلدين، ونشر الزعزعة بين شعوبهما، ولصنع عدم الاستقرار في المنطقة المستهدفة إقليميا. نشر الفوضى المفرطة، ومن ثم الاستفادة من مواردهما الذاتية – المياه ومقوماتها – سد النهضة، وما أدراك ما سد النهضة – لضرب عصفورين بحجر في آن واحد. لقد كانت أثيوبيا وقتها في أوج حيرتها، عندما علمت أن السودان يعارض بناء وإكمال سد النهضة. السد الذي أثنى على بناءه عدد لا يستهان به من خبراء المياه. كيف لبلد حر ومستقل مثل السودان، أن يمتنع عن الفائدة التي تأتيه من سد قامت أثيوبيا ببناءه على نفقتها، ويعود على البلدين، أثيوبيا والسودان بالنفع والفائدة، من مياه وطاقة، وثروات سمكية وزراعية وتربية للحيوان؟ كيف للسودان أن يمتنع عن أخذ حصته، ويفكر في توفيرها لغيره من الدول؟ في حين أن شعبي الدولتين يتضورون جوعا، شيبا وشبابا، وكثير من سكان البلدين لا يستفيدون من مقومات وخيرات أطول نهر على وجه الأرض.
وفي سطور عن أثيوبيا: هي الدولة الأفريقية الوحيدة التي لم تستعمر في تاريخها، فهي الدولة التي يرجع تاريخها إلى حضارة أكسوم الأنتيكي، وما يفوق الثلاثة آلاف عام. أثيوبيا ليست هي فقط أقدم حضارة من حضارات العالم، بل هي المنطقة التي ينحدر منها إنسان العصر الحديث على الإطلاق. أثيوبيا تتبوأ المرتبة الثانية من حيث التعداد السكاني في أفريقيا بعد نيجيريا، إذا يبلغ المائة وخمسة عشر مليون نسمة، والمرتبة العاشرة من حيث المساحة. أثيوبيا وكما يدري الشرق والغرب، هي شمس أفريقيا الضاحكة، والوجه الجميل والمشرق لها كقارة تجاه العالم الخارجي. وهذا على الرغم من الفقر والجوع والشقاء الذي يضرب عليها في كل عام لأسباب جيولوجية ومناخية وسكانية. أثيوبيا التي تشبه السودان إنسانا وذوقا، هي الأكثر قربا لنا عن غيرها من البلدان القريبة والبعيدة. كيف للسودان أن يقف في طريق أثيوبيا التي يتعاطف معها كل العالم، وهي أكثر الدول التي عانت الحروب والنزوح والحرمان من بين دول القارة الأفريقية ودول العالم. أثيوبيا قادمة بمستقبل واعد، للنهوض بمقام القارة الأفريقية أجمع.هناك من دول وجدت ضالتها في أثيوبيا، والتي تعمل قصارى جهدها ضد أثيوبيا كدولة، وهي في طريقها للتقدم والازدهار. أثيوبيا التي تعمل للخروج، دولة وشعب من وطأة الفقر والجوع والمرض. الدول التي تقف حيال نجاح أثيوبيا في استخدام مواردها المائية، للنهوض باقتصادها وبإنسانها المنكوبين على مر السنين، دول تتجاهل قيمة الإنسان في بلاده. دول تتجاهل قيمة الاحترام والحب، الذي يحظى به الشعب الأثيوبي في كل بلاد العالم. الشيء الذي يضمن لأثيوبيا، حكومة وشعب، حقوقها من مياه النهر الذي ينبع من مرتفعات أراضيها. وللسودان ألا ينساق أبدا، بل أن يسعى من أجل تحقيق تكامل بينه وبين أثيوبيا. فهو شيء ضروري للغاية، خصوصا وأن هناك روابط ومنفعة متبادلة تربط بين البلدين. والتي تتمثل في قربهما لبعض، وحركة شعبيهما من بلد إلى آخر من دون قيود. إذ تربط البلدين مياه النيل الأزرق المنحدر من بحيرة تانا، والتي تمثل المنبع لمياه السد الجديد، والذي يقع على الحدود الأثيوبية السودانية، باعتباره مؤشر نجاح لدولة أثيوبيا، وباعتباره أحدث وأكبر سد مائي في القارة الأفريقية.سد النهضة الذي تقف بعض الدول في طريقه، سوف يعود بالتأكيد بالفائدة المتقاسمة بين البلدين – السودان وأثيوبيا. به يمكن التحكم في حصة السودان من مياه نهر النيل، والتي تبلغ في مجملها “حسب اتفاقية 1959 لمياه نهر النيل” ما يفوق 18 مليار متر مكعب من المياه. من حصة المياه هذه لا يستفيد السودان إلا من 12 مليار متر مكعب، إذ تتبقى حوالي 6 مليار متر مكعب ضائعة على السودان كقطر، لتسفيد منها جهات أخرى. لننظر لسد النهضة باعتباره نجاح آخر لإعادة كمية المياه المهدرة للسودان، ولإنعاش مشروع الجزيرة الواقع على الأبواب الأثيوبية. المشروع الذي تم تأسيسه في العام 1911، لغرض بحثي وفي مساحة لا تتعدى 250 فدان، وسرعان ما تم التوسع في استخدام هذه الأرض الفريدة لما يفوق 2.1 مليون فدان ونصف، لإنتاج القطن قصير وطويل التيلة، وتصديره للتشغيل المصانع في بريطانيا. لا بد من توظيف هذه الكمية من المياه المهدرة، لإنتاج الطاقة المائية، التي تساعد الدولتين في الإنتاج الزراعي والحيواني، وتأسيس مشاريع الثروة السمكية، كخطوة أولى في مكافحة الفقر والجوع.E-Mail: hassan_humeida@yahoo.de


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

1 شارك