ضيف على الرُوزنامة: إِنَّهُمْ يَشْنِقُون الرِّوَايَة!‎

 


 

كمال الجزولي
3 أغسطس, 2022

 

حمُّور زِيادَة
(رِوائِي وكاتب سـودانـي)

الإثنين
"شرع المجتمعون في رصد كشف بأسماء عدد من الشخصيات، وللأسف لم يكن الاختيار مؤسساً أبداً على استيعاب تعقيدات المرحلة القادمة، والقدرة على التصدي لها، وإنما كان الاختيار ينهض على عدم الانتماء الحزبي، والاستقامة. وكان ذلك متمشياً مع طبيعة تكوين المجموعة التي كان عليها مهمة الاختيار، وعدم استيعابها لمقتضيات مرحلة ما بعد القضاء على الحكم العسكري الدكتاتوري، ومهام التصدي لإنجاز الشعارات ذات الطابع الاجتماعي التي طالبت بها الجماهير في مواكبها ومظاهراتها، تعبيراً عن الرغبة الوطنية الكامنة في ضرورة التغيير الجذري. هكذا جاء الاختيار بشخصيات لا شك في نقائها واستقامتها، ولكن برهنت الأحداث فيما بعد على أن غالبيتهم كانوا دون مستوى تعقيدات المرحلة وتحدياتها"!
لم تُكتب الكلمات أعلاه لتقييم الفترة الانتقالية التالية لثورة ديسمبر 2018م الراهنة، وإنما كتبها الاستاذ فاروق أبو عيسى، رحمه الله، في مذكراته "عشرة أيام هزت السودان"، عن ثورة اكتوبر 1964م، وهو الكتاب الصادر في حدود 140 صفحة عن دار العين المصرية في 2021م، يسرد يوميات ثورة اكتوبر حسبما سجلها الاستاذ أبو عيسى. لكن القارئ سيُدهش حين يجد التشابه الذي يصل حدّ التطابق بين وقائع الثورتين، كأنما 54 عاماً لم تمر. فديسمبر هي أحداث تمتد من أكتوبر بذات النزاع بين جبهة الهيئات التي هي "تجمع مهنيي" ذلك الوقت، وبين جبهة الأحزاب التي هي "قوى حرية وتغيير" الوقت الحالي!
شهادة المرحوم أبو عيسى، رغم انحيازها في بعض المواضع، إلا انها تقدم صورة مهمة للدوامة التي تبتلع بلادنا. فليست دائرتنا الشريرة هي، فقط، الانقلابات ثم الثورات عليها، والانقلابات بعد ذلك على الثورات. لكن نزاعاتنا، وعجزنا عن اكمال انتقالاتنا الديموقراطيَّة، هي دائرة لا نفارقها. وهي العيوب التي "يتسلل العسكر كالنمل منها"، إذا صح لنا أن نستعير، مع التعديل، تشبيه الشاعر نزار قباني عن اسرائيل.

الثُّلاثاء
يهتم "متحف لندن" بتوثيق تاريخ المدينة، منذ أقدم العصور حتى الوقت الحاضر، مع التركيز على التاريخ الاجتماعي للمدينة.
في زيارتي له في العام 2019م كنت أجول في قاعاته، ولا تفارقني صورة بوابته الزجاجية التي وقفت أمامها طويلاً. استطاعت تلك البوابة البسيطة العادية أن تشغلني عن كل المعروضات في المتحف الأنيق الذي أسس في العام 1968م. كُتبت على البوابة عبارة ترحيب مختصرة باللغة الانجليزية، لكنها مترجمة الى عدة لغات منها العربية. لم أكن أتخيل أني سأقرأ على بوابة واحد من أهم متاحف مدينة لندن عبارة "أهلاً وسهلاً"، باللون الأبيض، وبخط عربي سهل!
تفتخر لندن، العاصمة الإستعمارية التليدة، بتنوع سكانها. وهو تنوع تراه في شوارعها يميل لصالح البريطانيين من أصول آسوية وعربية وأفريقية، حتى لتشعر أن البريطاني الأبيض "الذي أمه بت عم أبوه" هو كائن نادر في عاصمة الامبراطورية!
عمدة لندن الحالي هو صديق خان، وهو بريطاني المولد لأبوين باكستانيين هاجرا الى بريطانيا في العام 1968م، قبل عامين من ولادة خان. بينما أبرز المرشحين، الآن، لخلافة بوريس جونسون على مقعد رئيس وزراء بريطانيا، هو ريشي سوناك، وهو بريطاني المولد، لأبوين هنديين هاجرا الى بريطانيا في الستينات أيضاً.
ينتمي العمدة خان إلى حزب العمال، بينما ينتمي المرشح سوناك إلى حزب المحافظين. هكذا نجد أن قطبي اليسار واليمين في بريطانيا غير منزعجين من تقديم أبناء المهاجرين لقيادة بلادهم. بينما لدينا هنا، في هذه المستعمرة البريطانية القديمة التي استقلت في 1956م، عندما لم يكن والدا خان ووالدا سوناك قد نالوا الجنسية البريطانية بعد، تدور صراعات العرق والمواطنة، وبشكل شرس، بين رفض أن يتولي مواطن ما حكم ولاية بـ "تهمة" أن والديه إريتريان، وبين رفض أن يتمتع أبناء إحدى القبائل بحقوق مساوية لحقوق "السكان الأصليين"! وتبعاً لهذا الرفض، أو ذاك، تراق شللات الدماء، بهدف إقصاء من لا يعتبرونه "سودانياً بما فيه الكفاية"، أو أنه "ليس سودانياً بنفس القدر".
لذلك ليس من المستغرب ألا نجد في شوارع الخرطوم لافتة إعلانية واحدة مكتوبة باللغة الأمهرية، رغم تقادم وجود الجالية الأثيوبية في السودان، ولا بإحدى اللغات الهندية مع الوجود العريق للهنود في هذه البلاد. بينما من السهل أن تجد في مكان آخر، غير عربي، من هذا العالم، لافتة عربية، وحاكماً باكستانياً. فعندنا يعتبر قبول مثل هذه المسائل من نواقص الانتماء الوطني!
تشير كل الاحتمالات، اليوم، إلى أن ريشي سوناك، ابن المهاجر الهندي، هو الذي سيجلس، في سبتمبر القادم، على نفس الكرسي الذي سبق أن جلس عليه ونستون تشرشل، ونيفيل تشامبرلين، ومارجريت تاتشر. وحتى اذا خابت هذه الاحتمالات، لأي سبب، فان مجرد اقتراب سوناك من هذا الكرسي سيجعل الطريق إليه سهلاً، عما قريب، لأبناء مهاجرين آخرين .. ربما يكونون سودانيين!

الأربعاء
الشهر الماضي سألني صحفي في اندبندنت العربية عن مواقفي التي يعدها "ثورية"، وذلك ضمن حوار كان يجريه معي لصالح الموقع، فأجبته بأن اجتزأت له، في البداية، مما كنت قرأت مرة للروائية التركية إليف شافاق، ضمن إجابة لها على سؤال شبيه، عن لماذا تكتبين في السياسة، فقالت: "إننا لا نملك، في بلدان مثل بلداننا، ترف عدم الخوض في السياسة"! ثم واصلت إجابتي، قائلاً بشكل تفصيلي مطول:
ــ "هناك مسائل أعتبرها شخصية جداً مثل حرية التعبير. لا يمكن لأديب ألا يدافع عن حرية التعبير. إنها مسألة وجودية للكاتب. فبلا حرية تعبير أنت معرض للسجن وللاغتيال. في مناخ غير ديموقراطي قد يُشنق السَّرد والشِّعر. في مناخ غير ديموقراطي يمكن أن تقودك رواية إلى المشنقة! حُكم على مظفر النواب، مرة، بالاعدام لأنه كتب قصيدة! لكن ما أن تتورط في الدفاع عن حقك في التعبير، حتى تكتشف ان هذا ليس حقك وحدك، بل هو حق الجميع. لا يمكنك الحصول على حقك في التعبير في وسط لا يؤمن بهذا الحق لغيرك. ثم سرعان ما تدرك أن حرية التعبير هي جزء من كتلة حقوق أخرى. كيف يمكن الحصول، مثلاً، على الحق في التعبير تحت نظام سياسي مختل يظلم المرأة، أو يظلم المبدع، أو يظلم إثنية ما، أو يصادر عموم الحريات والحقوق السياسية؟! لذا، حين أطالب بأي إصلاح سياسي في بلادي، فأنا أعتبر أنني ادافع عن نفسي، لأنني لا أريد أن أموت في السجن بسبب رواية، أو قصيدة، أو لوحة، فأنا أريد نظاماً ديموقراطياً يحفظ الحقوق والحريات. أنا لست ثائراً، ولست سياسياً حتى. إذن أنا روائي يعلم أنه يدافع عن نفسه حين يطالب بالحريات والديموقراطية. لقد عشت عمري كله في السودان تحت أنظمة دكتاتورية. أنا رجل في الأربعين من عمري، ومع ذلك لم أنتخب أحداً في حياتي. لم أختر رئيساً للبلاد، ولا نائباً في البرلمان، ولا حتَّى عضو مجلس محلي. كانت هناك، دائماً، أنظمة تقوم بذلك، نيابة عني، رغم أنفي. أريد أن أفعل ذلك قبل أن أموت. هذه ليست مسؤولية بقدر ما هي احتياج ذاتي"!
بعد هذه الإجابة المطوَّلة بأيام تصادف حضوري فعالية سياسية سمعت خلالها الاستاذة رشا عوض، الكاتبة الصحفية، ورئيسة تحرير صحيفة "التغيير" الإليكترونية، تقول إن كل ما تناضل من أجله اليوم هو الوصول الى نظام حكم تستطيع معارضته دون أن تتعرض للاعتقال! قد يبدو هذا الهدف متواضعاً، لكنه في تقديري أهم ما نحاول بلوغه. أن يكون من حقنا الاعتراض دون أن ندفع ثمن ذلك قتلاً، وتشريداً، وملاحقة، واعتقالاً. أن تكون هناك فرص مفتوحة للمطالبات السياسية والاجتماعية والاقتصادية دون عقاب من السلطة. هذا الهدف هو "الحرية". ففي بلد "حر" يمكننا جميعاً أن نكون ما نريد، وأن ندعو لما نريد.

الخميس
ببحث سريع على شبكة الانترنت يمكنك الوصول الى هذه المعلومات:
تتلقى خدمة الطوارئ في الولايات المتحدة الأمريكية (911) حوالي 240 مليون مكالمة في السنة. بحسب دراسة مستقلة لمؤسسة طوعية مختصة بالأمن والسلامة فإن أفضل المدن الأمريكية في سرعة الاستجابة هي شيكاغو، حيث تستغرق الشرطة 3 دقائق و47 ثانية للوصول إلى مكان الحادث! وعلى موقع حكومي لولاية كلفورنيا نجد معلومات أكثر تفصيلاً عن استجابة الشرطة. فمثلاً في أبريل 2017م كان وقت الاستجابة المقدَّر للابلاغ عن حوادث العنف المنزلي هو 3 دقائق و3 ثواني. أما وقت الاستجابة المقدَّر للابلاغ عن حوادث السير مع وجود اصابات فهو 4 دقائق و32 ثانية. وهناك تفاصيل أدق عن وقت الاستجابة للابلاغ عن حوادث السير بدون اصابات، كما وعن حوادث السير المصحوبة بإصابات، لكن بدون معلومات عن المصابين، وكذلك عن حوادث الانتحار، وحوادث القتل .. الخ، مع تفصيل دقيق لكل حالة.
وفي مارس 2019م نشرت البي بي سي تقريراً عن تراجع كفاءة استجابة الشرطة البريطانية لمكالمات الطوارئ. في 2011م كانت الشرطة البريطانية تصل مكان البلاغ في 6 دقائق و30 ثانية، ثم في 2018م تراجعت المدة لتصبح 12 دقيقة و30 ثانية. رغم ذلك دافعت الشرطة البريطانية عن نفسها بحجة أن الوقت المستهدف، أصلاً، للوصول إلى الجرائم الكبرى، وفق برتوكلاتها، هو في حدود 15 دقيقة. فهي بذلك - ورغم تراجع مستواها - لا تزال تستجيب وفق ما هو مستهدف!
لكن دراسة لجامعة كامبريدج - منشورة أيضاً على الانترنت - ترصد ان متوسط زمن وصول الشرطة البريطانية الحقيقي لمكان الحادث هو 20 دقيقة و41 ثانية!
وفي 2014م أعلنت شرطة دبي أن رجالها حافظوا، لـ 3 سنوات متتالية، على الوصول إلى مكان البلاغ خلال 15 دقيقة. بينما يتم الرد على اتصال الطوارئ في حدود 10 ثواني.
لا توجد معلومات في الانترنت عن زمن استجابة الشرطة السودانية لمكالمات الطوارئ. بل أتساءل إن كان لدى إدارة الشرطة نفسها معلومات كهذه! لكن لدى كل مواطن، تقريباً، قصة عن اضطراره، أحياناً، للاتصال، دون استجابة، بالنجدة السودانية، وأحياناً أخرى قد تصل هذه النجدة، إذا وصلت، بعد ساعة، أو أكثر، من وقت البلاغ، إذا تمَّ!
أما ما يُفترض أنه معروف للجميع، للناس كافة، داخل السودان وخارجه، وبالنظر المجرد، فلا يحتاجون فيه إلى أي معلومات إنترنت، فهو أن الشرطة السودانية لا تحتاج لأي وقت كي تصل إلى مواقع المواكب والتظاهرات .. لأنها موجودة فيها، أصلاً، حتى قبل أن تتحرك!

الجمعة
في العام 1941م، وبعد حوالي 40 عاماً من النفي والحبس المتطاولين، توفي، في سجن حلفا، الثائر السوداني علي ود عبد الكريم. كان من الأنصار في دولة المهدية، وله قرابة بالإمام محمد أحمد المهدي. ادعى، مثلما ادعى، من بعده، كثيرون غيره، أنه نبي الله عيسى، وأن التكاليف الدينية من صلاة وصيام قد انتهت ورُفعت عن المسلمين بعد هزيمة دولة مهدي الله في1900م، ومقتل الخليفة عبد الله التعايشي خليفة ابوبكر الصديق.
آمن بدعوة ود عبد الكريم بعض الناس في أم درمان، مما أقلق سلطات الاحتلال، فسارعت باعتقاله، ومحاكمته بالنفي والحبس، والحصول على اعتماد هذا الحكم من جانب مجلس علماء جامع ام درمان الكبير، وعلى رأسه الشَّيخ ابو القاسم احمد هاشم.
ولأن هنالك ارتباطأ قوياً دائماً ما يظهر بين الهزيمة وبين البحث عن حلول تأتي من السماء، فإن المهتمين بالأبحاث الاجتماعية في مصر يلاحظون أن التيارات الدينية صعدت بقوة عقب هزيمة يونيو 1967م. ذلك أن الذين آمنوا بمشروع عبد الناصر لم يتحمّل بعضهم مرارة "الكَسرة"، فذهبوا يبحثون عن حل في حركات الاسلام السياسي. المدهش أن ذات الشيء يقال عن تدين المواطنين الأمريكان، وتصاعد الخطاب الديني عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر!
لكن هناك تجارب يختلط فيها الدنيوي بالديني في البحث عن الحلول. ففي مصر ذاتها وجدت بعض شباب ثورة 25 يناير، بعد سنوات من الهزيمة، يجلسون في أحد "البارات" بوسط القاهرة، يشربون البيرة الرخيصة، ويناقشون قُرب ظهور المهدي المنتظر ليقود شباب الثورة لهزيمة السلطة الجديدة! وكان أحد أولائك الثوار، ضمن تلك المجموعة التي تنتظر المهدي، يسأل بلسان ثقيل: "ألا يمكن أن يكون المهدي هو الدكتور محمد البرادعي"؟!
كذلك حكى لي صديق سوري عن ثائر مهزوم يروج لكون العالم قد انتهى عقب هزيمة الثورة السورية، وأن ما نحن فيه الآن هو ما بعد القيامة! ضحكت، وقد عددتها طرفة! لكن صديقي قال لي إن الأمر جد! تذكرت هذه القصة عندما انتشر فيديو لمواطن عراقي يقف وسط المقابر، ويدعو الموتى للنهوض .. فقد قامت القيامة!

السَّبت
في بريدي رسالة من شابة تجرّب الكتابة. قالت ما ملخصه: "أكتب روايتي الأولى، لكنني أتخيل نفسي بطلة الرواية وأكتب عن صديقاتي وأقاربي".
قلت لها:
ــ "كل كتابة هي، بشكل ما، جزء من سيرة الكاتب. وكل الشخوص هم، على نحو أو آخر، تجسيد خيالي له، ولأفكاره، ولتجاربه. فبخبرة الحياة يهب الكاتب شخوصه نبضاً وحيوية، لأنه يقتبس لهم من معارفه ومشاهداته وحياته. تظهر المشكلة الفنية عندما يبرز الكاتب ذاته بين السطور، فتسمع الشخصيات جميعها تردد صوته، والسرد كله يدور حول رؤيته للحياة، ولأفكاره الخاصة. لكن هناك تصالح عام مع ظهور هذه المشاكل في العمل الأول. يقبل الناس منك ذلك في كتابتك الأولى من باب التنفيس، كأنما يقولون لك اخرج تمحورك حول ذاتك، وتخلص منه، في العمل الأول، ثم قدّم لنا نضجك الفني في الاعمال التالية. لذلك يمكن أن نقول إن أغلب الاعمال الأولى تدور في فلك بيئة الكاتب، وعن ذاته، وعن أصدقائه، وعن أقاربه. ففي بداية تجربة الكتابة يحس المرء أن عالمه مهم جداً للآخرين، وأن تجاربه وحياته تستحق أن تخلد في تاريخ الأدب. لكن، مع مرور الوقت يقل هذا الشعور بالأهمية ويبدأ المرء في النظر حوله"!

الأحد
بعد أسابيع تكمل أمي عامها الثاني بعد الثمانين. في هذه الأعوام خرجت في مواكب الاحتفال باستقلال السودان، وفي مظاهرات التنديد بالعدوان الثلاثي على مصر، وفي مظاهرات دعم المناضلة الجزائرية جميلة بوحيرد ( وليس بوحريد كما عدّل اسمها يوسف شاهين في فيلمه)، وفي مسيرات الغضب على اغتيال لوموممبا، وفي تظاهرت ثورة أكتوبر 1964م التي أسقطت نظام عبود، ونجت من الموت في الأحداث التي تلت حل الحزب الشيوعي، وشاركت في مواكب ثورة ابريل 1985م.
خالطت هذه السيدة اليسارية القديمة كل ثورات بلادنا، صفّقت لعبد الخالق محجوب في لياليه السياسية، وعملت مع محمد ابراهيم نقد في برامجه، وتصدت لسعاد الفاتح في ندواتها، وتابعت السياسة عن قرب، وشهدت الآمال تعلو، والهزائم تحل.
بشكل ما شعرتُ بإحساسها حين أرسلت لي صديقة سودانية مقيمة في كندا صورة ابنتها ذات التسع سنوات تهتف ضد الحكم العسكري عقب 25 أكتوبر! فقد كنت تقريباً في عمر هذه البنت عندما ردَّدتُ، ضد نظام نميري، ذات الهتاف.
واليوم بعد أن ضرب الصلع رأسي، وسكنتني أمراض عدة، مازال أطفالنا يهتفون بذات ما هتفنا به أطفالاً. وأمي التي عارضت حكم العسكر عام 1958م، مازالت تعارض حكم العسكر عام 2022م. فهل سنمضي في ذات الطريق، حتى تحكي ابنة ابنة صديقتي، بعد سنوات، ذات حكاياتنا في مواقف مشابهة؟!

***

kgizouli@gmail.com
//////////////////////////

 

 

آراء