طاحونة الحرب .. والدمار .. فى جبال النوبة . بقلم: آدم جمال أحمد – سيدنى

 


 

آدم جمال أحمد
23 November, 2013

 



حينما دقت طبول الحرب فى جبال النوبة (جنوب كردفان) كل شىء تحول إلى رماد بإستثناء المتحاربين على طرفى النزاع .. قوات الحكومة والحركة الشعبية وحلفائها فى الجبهة الثورية فإنتشر فى أرجاء الولاية الخراب والدمار ، وتهدمت البيوت وحرقت المزارع والأشجار وإنقطع الكهرباء وشحت المياه ، وأصبح يعيش السكان والمواطنين فى محنة عظيمة ومعاناة مستمرة ، فأزيز الطائرات الحربية التى تقذف مدنهم وقراهم يكاد يوقف قلوبهم ودوى المدافع التى تدك بيوتهم يصم آذانهم ، ويعيش الأطفال فى خضم هذه الحرب المستعرة وهذه النزاعات المستمرة بين قوى الصراع والطرفين حكاية من نوع آخر ، حكاية مليئة بالعنف والقتل والتعذيب ، والإستغلال ، وإشراك الأطفال فى النزاعات المسلحة وتحول بعضهم إلى جنود فأستبدلوا براءتهم وألعابهم بلعبة الحرب و بأسلحة حقيقية ، ودفعوا بهم إلى ساحات المعارك رغم عدم معرفتهم بتكتيكات الحرب ، مما أدى إلى مقتل العديد من الأطفال المجندين أو إصابتهم بالإعاقة نتيجة إنفجار قنبلة أو مرورهم على لغم أرضى مما أدى إلى تشويه جيل كامل وحصد أرواح الآلاف من الأطفال الأبرياء ، وفى كل مرة تكشف المنظمات الدولية المهتمة بحقوق الإنسان عن حجم المأساة ، والكارثة التى تحل بالأبرياء من المدنيين والأطفال والنساء خلال فوضى الحروب ، وخاصة الأطفال الذين يدفعون ثمن الطمع وغريزة التملك التى تسكن عقول أمراء الحرب ، والحكام الطغاة الذين لا يكترثون لمصير شعوبهم ، ولا مدى عبثهم بحياة الأطفال وحرمانهم من طفولتهم.
قبل فترة ليست بالطويلة أصدرت منظمة بريطانية تقريراً ذكرت أن ألاف الأطفال والنساء والعجزة فى جبال النوبة قتلوا ، وإستخدموا كدروع بشرية على يد جيش الحكومة ومليشياتها .. وقوات الحركة الشعبية ، وأن الكثير من الأبرياء والمواطنين قتلوا فى جبال النوبة ، فيما تم تجنيد أطفال لا تتجاوز أعمارهم العشر سنوات كجنود ، ووضع أعداد كبيرة من الرجال والأطفل والنساء فى مراكز الإعتقال حيث تعرضوا للتعذيب والاستجواب مراراً وتكراراً ، ورغم أن أعداد الضحايا فى الواقع أعلى بكثير مما يلقى الضوء على حجم الكارثة التى يعيشها شعب جبال النوبة وحجم المأساة هناك ، مما يتطلب تكثيف الجهود لحماية المواطنين المحاصرين فى مناطق القتال داخل أراضى جبال النوبة (جنوب كردفان).
وفى ظل الأجواء الحالية والقتال المحتدم بين الحركة الشعبية قطاع الشمال من جهة ، وفصائل الجبهة الثورية مجتمعة فى حركات دارفور مع القوات الحكومية من جهة أخرى ، والتى وجدت ملاذاً آمناً ومأوى لها فى جنوب كردفان ، فإنه لا توجد نهاية تلوح فى الأفق لتلك الأزمة الدامية التى دخلت عامها الثانى .. وأن تفاقم الأوضاع الحالية فى جبال النوبة تتلخص فى عبارة "الحرب الطاحنة" التى تستنزف مقدرات المنطقة وثرواتها الغزيرة ، ولكن الشارع السودانى وكافة القوى السياسية والأحزاب ، وحتى النوبة أنفسهم والمجتمع الدولى يظهر خلال هذه الأزمة متراجعاً ، فبات شغلهم الشاغل الآن هو إسقاط النظام وإستهداف المناطق المدنية وقطع الطرق ، ولم يعد أو يعر أحد إهتماماً للقتال الدائر وحجم الخراب والدمار الذى حل بالمنطقة وما أصاب أهلها  وإستفحال الأزمة الحالية ، التى تفوق بكثير ما حدث فى دارفور والتى وجدت مساحة كبيرة فى الإعلام بسبب جهود وتحرك أبنائها ، ولكن ما يحدث فى جبال النوبة يجرى وسط تكتم إعلامى سواء كان محلياً أو عالمياً ، فلم يسلط الضوء بعد على حقيقة ما يحدث ، والذى يفوق العشرات عن ما يحدث فى سوريا والعراق وأفغانستان ، وذلك شبيه بما حدث فى منتصف التسعينات ، كان لا أحد يعلم ما يحدث فى جبال من تجاوزات ومجازر لا يصدقها أحد أويقبلها عقل ، والمجتمع المحلى والعالمى كعادته يتفرج لما يجرى ولا يوجد فى الأفق وقف للحرب أو حتى الوصول إلى حل سياسى لها .. أى إنه لا يوجد حل أو تسوية لتلك الأزمة على المدى القريب ، على الرغم من أن إسقاط النظام لم يكن من أوليات إنسان المنطقة التى إكتوى بنار الحرب والذى يبحث عن الأمن والإستقرار والسلام والخبز والعلاج والدواء والتعليم والمياه النظيفة والتنمية والخدمات والحياة الكريمة الآمنة ، لأنه كره وسئم ومل الحرب وكابوس الخراب والدمار والنزوح والتشرد القسرى وسنوات الضياع وفقده للأهل والأقارب ، فمسألة تغيير النظام أو إسقاطه أو الحديث عن الديمقراطية والدولة المدنية ليست من أولياته ، لأنه ببساطة لا يفقه أو يعى أو يفهم ما نقوله أو نرفعه من شعارت ، بل جل همه وما يعيه ويفهمة وقف لغة الحرب والبحث عن السلام والإستقرار ، وفى ظل كل ذلك لم يعد حتى هناك حلاً يلوح فى الأفق للأزمة فى جبال النوبة ولاسيما مع سيطرة قوات الجبهة الثورية المتمثلة فى حركات دارفور ونشاطها فى الكثير من المناطق داخل جبال النوبة والتى هى ضد رغبة مواطنى المنطقة ، والقوات الحكومية ليست بمناى عن ما يحدث بل أنها أيضاً تستدهف بطيرانها وأسلحتها الثقيلة حصون الآمنيين من المواطنين والمناطق المأهولة بالسكان بحجة تعقب قوات الجبهة الثورية والحركة الشعبية ، والخاسر فى الحالتين هو المواطن المغلوب على أمره.
إن ما يثار اليوم عن حجم الخسائر الإجتماية والإقتصادية والسياسية التى لحقت بجبال النوبة جراء الحرب والأزمة التى تشهدها يبقى غير نهائى ، إذ سرعان ما تتكشف جوانب أخرى للخسارة بعد إنتهاء الحرب والتى تبدو فى الأفق البعيد ، وهى جوانب ستشكل صدمة قوية لكل أبناء النوبة وأبناء المنطقة مقارنة بالطموحات التى كان يعمل عليها أبناء النوبة بالحركة الشعبية فى بداية تأسيسها وحينما قرر التنظيم سلك طريق النضال المسلح .. بحجة التنمية والبناء والتحرر وتوفير الخدمات والمشاركة فى السلطة والثروة .. والعمل من أجل إنسان المنطقة والمحافظة عليه ، وليست فتح المنطقة لتكون ملاذ ومأوى للحركات المسلحة ، حتى تصبح جزءاً من المأساة والخراب والدمار ، وتنفيذ أجندة لا علاقة لها بالمنطقة وأهلها ، فلذلك أنها سوف تكون عائقاً أمام إعادة تصحيح المسار والإعمار ، لأن حقيقة ما يجرى اليوم فى جبال النوبة يصعب على أى أحد أن يحصى أو يصف حجم الخراب والدمار الذى يتسبب فيه الطرفان قوات الحكومة من جهة وقوات الحركة الشعبية وحلفاءها فى الجبهة الثورية ، سواء فيما يتعلق بالممتلكات العامة والخاصة أو بمشاريع التنمية والإنتاج وتلفه وتعطيله ، لكن الخسائر التى ربما يسميها البعض خسائر غير مباشرة بينما هى فى الواقع جوهر ما خسرته جبال النوبة يتمثل فى المراحل التى فقدتها والتى عملت على تحقيقها لسنوات طويلة وتلك التى كانت تقترب من تحقيقها خلال السنوات القليلة القادمة ، وهذا يشمل كل القطاعات الإقتصادية والإجتماية والخدمية من تعليم وصحة ومياه وطرق وتنمية وإعمار وهنا نقدم مثالاً واضحاً يتعلق بإنسان المنطقة أى المقوم البشرى الذى أصبح فى تناقص والذى ينظر إليه كعامل تنموى هام جداً يعكس مدى تطور المنطقة إجتماعياً وإقتصادياً.
وفى حديثنا عن تأثر منطقة جبال النوبة من طاحونة الحرب وبما يجرى يمكن القول إن هناك ثلاث مستويات لهذا التأثر هى:
- مشاريع التنمية والخدمات التى كانت قائمة والتى تعرضت للتخريب والضرر نتيجة ما تقوم به المجموعات الحاملة للسلاح لكل الأطراف من عمليات تستهدف المناطق المدنية والمنشئات الخاصة بالمواطنين والتى تتعرض للنهب والسرقة لتمويل أنشطتها من جهة والتخريب والتدمير بغية الإضرار بالاقتصاد المحلى والوطنى من جهة ثانية ، والخسائر فى هذا المستوى لم تحصى ولن تعد بعد.
- المستوى الثانى المقوم البشرى والذى أصبح فى تناقص ولو إستمرت الحرب بوتيرتها هذه سوف يصبح شعب جبال النوبة أقلية فى المنطقة ، نتيجة للأوضاع المأساوية بالمنطقة توقف عن العمل أو الإنتاج أو التعليم ، أصبح الأطفال فاقد تربوى كبير وإنسان المنطقة أو شعب جبال النوبة ما بين نازح ومشرد ولاجئ تفرقت بهم السبل .. أو مفقود أو معوق أو مستخدم كمحارب بلا هدف يساهم فى قتل أهله وتخريب بنيات منطقنه وراء شعارات لا تسمن ولا تغنى من جوع ، وهكذا دخلت جبال النوبة وأهلها فى ميدان الخسارة الفعلية حتى وإن لجأت إلى فى خاتمة المطاف الى السلام الذى يحفظ للنوبة ما تبقى لهم إن وجدت ، فتعتبر أيضاً خسائر بشرية فى الأرواح لم يتم تقديرها بعد وهى للأسف ستكون كبيرة.
- المستوى الثالث ويتعلق بالخدمات ومشاريع التنمية والإستثمارات الأجنبية والمحلية التى كانت جبال النوبة تتوقع إستقطابها أو جذبها وضاعت فى خضم هذه الأزمة ، وبمراجعة سنوات الحرب الماضية والحالية سنجد أن جبال النوبة تخسر سنوياً نحو مليار دولار كحد أدنى من فقط جراء إستمرار الأزمة ، ومع إضافة خسائر المستويين الأول والثانى ستكون إجمالى الخسائر كبيراً للأسف.
في الختام نتسأل أما آن الآوان لوقف ما يجرى يا قيلدات جبال النوبة .. أما آن الآوان يا أبناء النوبة أن تقفوا مع أنفسكم لحظة صفا لتوحيد خطابكم السياسى والإعلامى والدعوة لمؤتمر حوار نوبى جامعى للتقرير فى شأن ما يحدث ، والإلتفاف حول قيادة موحدة ومتفق عليها لوقف نزيف طاحونة الحرب وما يحدث لإنسان المنطقة بعيدأً عن أجندة الحركة الشعبية والجبهة الثورية والحكومة التى لا تعر أى إهتمام على ما يجرى ، وهى غير جادة لوقف نزيف الحرب وتحقيق السلام ، ولكن بمقدور أبناء النوبة فى ظل الظروف الحالية فعل الكثير بالنظر إلى طبيعة ما يجرى إذا عقدوا العزم لوقف الحرب والبحث عن السلام ، لأنه مع إنتهاء الأزمة وطاحونة الحرب وتداعياتها سيتفاجئ الجميع عن طبيعة حجم الكارثة التى حلت بجبال النوبة.

ولنا عودة فى لقاء أخر ....... 

آدم جمال أحمد

سيدنى – استراليا -  الموافق 22 نوفمبر 2012 م
elkusan67@yahoo.com
////////

 

آراء