في رحلة غريبة استغرقت خمسة أيام، قطع تمساح نيلي المسافة من الأردن إلى “بركة التماسيح” في محمية الدندر القومية بولاية سنار. لا نعرف الكثير عن تفاصيل الرحلة، لكنها في زمن الحرب السودانية تبدو كأنها حكاية رمزية مكتملة الأركان.
قيل إن التمساح غادر السودان بحثاً عن الأمان، ثم عاد عندما سنحت له الفرصة.
وبينما اعتاد السودانيون، منذ 15 أبريل 2023، على الأخبار الثقيلة والمشاهد الموجعة، جاءت قصة التمساح كاستثناء لطيف. وجد الناس فيها ما يستحق التوقف عنده: كائن بري غادر بلده بحثاً عن مكان أكثر أمناً، ثم عاد إلى موطنه.
لا بأس أن نفرح بعودة تمساح إلى الدندر، وأن نهتم بحماية الحياة البرية والغابات والمسطحات المائية. فالدندر ليست مجرد مساحة جغرافية؛ إنها واحدة من أهم النظم البيئية في السودان، ومحمية عريقة يعود إنشاؤها إلى عام 1935، وتضم تنوعاً حيوياً ونباتياً مهماً.
لكن القصة تضع أمامنا سؤالاً أكثر قسوة:
إذا كان التمساح قد وجد من يهتم بسلامته، فمن يهتم بسلامة الإنسان السوداني؟
الحروب لا تقتل الناس بالرصاص وحده. إنها تقتلهم أيضاً بالجوع والمرض والعطش والنزوح والخوف، وبانهيار المستشفيات والمدارس وشبكات المياه والكهرباء، وبتمزيق الأسر وتشريد الأطفال. وفي السودان، حيث امتدت الحرب إلى مساحات واسعة، لم يعد الإنسان آمناً في بيته، ولا في طريقه، ولا حتى في المكان الذي فر إليه بحثاً عن الأمان.
المفارقة موجعة: تمساح يؤخذ بعيداً من ميادين الحرب، و يجد من يتابعه ويعيده إلى موطنه، بينما ملايين السودانيين الذين أجبرتهم الحرب على مغادرة بيوتهم ما زالوا ينتظرون يوماً يستطيعون فيه العودة.
عاد التمساح إلى ” بركة التماسيح” ، أما الإنسان فقد لا يجد البيت الذي غادره.
كشفت الحرب، من بين ما كشفت، عن اختلال عميق في ترتيب الأولويات. أصبحنا ننشغل أحياناً بتفاصيل صغيرة، في الوقت الذي تتهاوى فيه الأسئلة الكبرى. نتجادل حول من انتصر ومن انهزم، ومن يملك الحق ومن فقده، بينما يموت إنسان لا يعرف شيئاً عن هذه السجالات، سوى أنه يريد أن يعيش.
نحتاج إلى استعادة المعنى البسيط لكلمة ” إنسان” أن تكون حياة المدني أهم من أي مشروع سياسي، وأن يكون إنقاذ طفل أهم من تسجيل انتصار إعلامي، وأن تصل شاحنة غذاء إلى قرية محاصرة أهم من أن تصل إليها بيانات الانتصار.
ولا يعني ذلك أن حماية البيئة ترف يمكن تأجيله إلى ما بعد الحرب. الحياة البرية جزء من ثروة السودان ومستقبله، والدندر إرث وطني لا ينبغي التفريط فيه. الحيوانات لا ذنب لها في الحروب، والغابات والأنهار لا تعرف أطراف الصراع.
لكن هناك فرقاً بين أن نحمي الحياة البرية، وبين أن نتعامل مع حياة الإنسان كما لو كانت مسألة مؤجلة.
يمكننا أن نعيد التمساح إلى موطنه، وأن نحمي الغزلان والأسود والطيور، وأن نحافظ على الدندر، وفي الوقت نفسه نحاول إعادة الإنسان إلى بيته وحفظ حياته وكرامته. ليست المشكلة في أن نحظى بخبر جميل عن إنقاذ حيوان؛ المشكلة حين يصبح مثل هذا الخبر أكثر حضوراً من مأساة الإنسان الذي يموت أو ينزح أو يفقد بيته.
ولعل أجمل ما في قصة هذا التمساح أنها تفتح باباً للتأمل في معنى الوطن.
الحيوان عاد إلى موطنه. أما الإنسان السوداني، منذ أكثر من ثلاثة أعوام، فلا يحلم بشيء معقد. يريد فقط أن يعود إلى بيته آمناً، وأن يجد الحي الذي يعرفه، والمدرسة التي كان يرسل إليها أبناءه، والسوق الذي كان يشتري منه حاجاته، والمسجد أو الكنيسة اللذين تختزن جدرانهما شيئاً من ذاكرته.
يريد وطناً يمكن العودة إليه.
وربما لهذا السبب أثارت رحلة التمساح كل هذا الاهتمام. فقد لامست، من حيث لا تدري، جرحاً سودانياً عميقاً: حنين العودة.
عاد التمساح بعد خمسة أيام.
أما السودانيون الذين اقتلعتهم الحرب من بيوتهم وجذورهم، فما زالوا ينتظرون.
فلنحافظ على الدندر، ولندافع عن الحياة البرية، ولنتعامل مع الطبيعة باعتبارها جزءاً من مستقبل السودان. لكن قبل أن نسأل: متى يعود التمساح إلى موطنه؟ علينا أن نسأل السؤال الأصعب:
متى يصبح السودان آمناً بما يكفي ليعود الإنسان إلى موطنه؟
في بلد أنهكته الحرب، ربما يكون ترتيب الأولويات نفسه جزءاً من معركة الخلاص: أن نحمي الحياة كلها، نعم، لكن ألا ننسى أبداً أن حياة الإنسان هي الأولوية الأولى.
