على مَن أبكي ؟!

 


 

د. زهير السراج
18 سبتمبر, 2022

 

manazzeer@yahoo.com

* يستعد كل صباح ألف مرة قبل أن تبدأ رحلته اليومية متنقلاً بلا كلل بين المكاتب الحكومية لاستخراج شهاداته وأوراقه الثبوتية .

* شاب عشريني مثل الكثيرين في عمره، يستعد ليحمل قليل ماله وكثير آماله إلى خارج هذه المدينة لافظاً كل نية لإعادة التفكير، فأحلامه أكبر من أن يستوعبها واقع هذا البلد وما يريده ليس هنا !

* أخيراً كل شيء يسيركما يريد، وها هو بين الموجودين في صالة المغادرة .. بعضهم سيرافقه على نفس الرحلة وبعضهم لذات الفكرة لكنه كان أكيداً أن لا أحداً سيُحلِّق مثله، فهو الطائر الوحيد الذي يستقل أجنحةً لا تلتزم بقواعد الملاحة الجوية إلا بمقدار تواجده خلال ساعات الرحلة، فقد سبقته وعود الفرح وأماني النًفس إلى هناك قبل موعد الإقلاع بكثير.

* يعود لواقع اللحظة مضطراً ليستكمل باقي اجراءاته بكل حماس، ويتجاوب العاملون بنفس إيقاع الهِمة وكأنهم يسايرون وتيرة العجلة البادية عليه تفهماً، وما أن تُختم هويته استعدادا للخروج يطرأ على خاطره سرور لا محدود، ويتراجع القلق وتتمدد الأوردة والشرايين وتنساب حركة المرور فيها بأسلوب حضاري يتفوق على أنظمة السير الصارمة في تلك البلاد التي يقصدها، وفي غمرة نشوته واندفاعه يكمل طريقه داخل مبنى المطار وينسى حتى أن يلتفت إلى الوراء ليقول وداعاً!

* الأيام طويلة جداً هنا وربما هي قصيرة جداً، مَن يعلم ..والشهور تُعرف في اليوم الأول فقط أما بقية التسعة وعشرين يوما فلا قيمة ليومٍ لا تستلم فيه رسالة من البنك - تم إيداع الراتب. شئٌ ما مربوط بمقدار ما يجني، وكأن رقيباً عليه داخله يحاجج دوماً في جدوى ذلك الهروب فيسدد فواتير تساؤلاته بالأرقام!

* السنين يعلمها من عمر أولاده، فقد كبروا جداً وأصبحت لهم غرف خاصة بالمنزل مغلقةً عليهم معظم الوقت يطرقها قبل أن يدخل عليهم. في بهو المنزل الذي يقيم فيه أثاث أنيق متناسق الألوان ودرج دائري يتوسط المشهد يستقبل أهل البيت بباقات الورد على الجوانب .. أما مرآة المدخل الصقيلة فلها انعكاسان ودورتان للجرد ..الدورة الأولى، تقرير مُفصَّل عن كل ما حققه لا يترك فرصه ليغالط حسابات العقل ..الدورة الثانية، نفس التقريرالمُفصَّل مع ملاحظة صغيرة تُركت على الطاولة: ما بال القلب؟!

* إنه وقت النًوم .. مرآتي أخبرتني .. يخلع ساعته ويضعها على الطاولة، تقع عيناه على الملاحظة المكتوبة دون حبر ودون ورق .. يشد غطاء السرير ويتستر الجفن اليقظ على سؤال روتيني لا يجرؤ على طرحه في النًور وعادةً لا ينتهي بجواب: متى تنتهي هذه الرحلة فالحياة نفسها تَسأم من الاستمرار، ثم يَصفى الذهن المُروَّض على التسليم سريعاً وتصبح إغماضته الآن أكثر استرخاءً .

* وككل ليلة قبل أن يغط في النًوم يختتم يقظته المستترة باستدعاء أخير لبعض ذكرياته وغالباً ما تكون تلك الذكرى إحدى الجلسات التي كانت تجمعه كل يوم مع رفاقه على مصطبة .. أحد منازل ذلك الحي القديم الذي نشأ فيه هو وأصدقائه.. نفحة من طاقات تلك الذكرى تجعله يبتسم حتى تكاد تفلت منه الابتسامة وتتفجر إلى صوتٍ مسموع ..يا لسطوة هذه الذكرى، كيف استطاعت أن تكشف له كل هذا الوضوح بلا مرآة وبلا نور - حقيقة لا تلج إليها بصيرته إلا في الظلام !

* لم يكن يدري أن آخر تلك الجلسات التي ودعه فيها الرفاق محتفين، كانت آخر عهده بالنسخة التي يفتقدها جداً من ذاته قبل ان يهرب مبتعداً ..الآن هو يعلم أن ما بعد ذلك اليوم، يوم احتفاء أصدقائه به، ما هو إلا محض آلام ذلك الهروب!

* أما قبل ذلك اليوم مباشرة، قبل لحظة الضرب بشدة على أوراقه في صالة المغادرة كانت تلك هى الحقيقة الوحيدة التي تجعله الآن يبكي في صمت، تلك اللحظة التي تعجَّل فيها ونسىَّ أن يلتفت إلى الوراء ليودع مدينته!

* خطته الروائية السودانية (ماجدة خضر) فأغرقتني في الدموع، ولكن على من ابكي ... على نفسي التي تلتهب من سياط الحنين أم على وطني الجريح ؟!

////////////////////////

 

آراء