أعلن بنك السودان المركزي مؤخرًا اعتزامه إصدار عملة ورقية جديدة من فئة 2000 جنيه سوداني. أثار هذا الإعلان تساؤلات واسعة حول ما إذا كانت هذه الخطوة ستؤدي إلى ارتفاع التضخم، خاصة في ظل ظروف اقتصادية وسياسية مضطربة، يتخوف البعض من أن إضافة فئة نقدية كبيرة قد يكون مؤشرًا على طباعة المزيد من النقود وفقدان السيطرة على الأسعار، مستحضرين تجارب تاريخية مؤلمة كحالة زيمبابوي, في هذا التقرير نستعرض المفهوم النقدي لإصدار فئة جديدة مقابل زيادة عرض النقود، ونقارن بين تجربتين بارزتين (إثيوبيا عام 2020 وزيمبابوي أواخر العقد الأول من الألفية) للوقوف على الدروس المستفادة. كما نحلل وضع السودان الحالي، ولماذا تبدو حالته أقرب إلى النموذج الإثيوبي (إصدار إحلالي) منها إلى شبح النموذج الزيمبابوي (توسع نقدي مُفرط), وأخيرًا، نعرّج على البعد السياسي والاقتصادي لإصدار العملة الجديدة في سياق الحرب الدائرة بالسودان.
من المنظور النقدي: إصدار فئة جديدة أم زيادة في عرض النقود؟
إصدار فئة نقدية جديدة يعني ببساطة تغييرًا في هيكل العملة كطرح ورقة نقدية ذات قيمة اسمية أكبر أو تصميم مختلف دون أن يُفترض به زيادة الحجم الكلي للنقود المتداولة, أي أن البنك المركزي يمكنه طباعة فئة جديدة واستبدال ما يعادلها من الفئات القديمة المتداولة؛ في هذه الحالة تبقى الكتلة النقدية الكلية دون تغيير، وبالتالي لا يحدث تأثير تضخمي مباشر. هذا ما يُسمّى إصدار إحلالي حيث يُحِلّ النقد الجديد محل القديم بالقيمة نفسها، بدلًا من إضافة سيولة جديدة, أما زيادة عرض النقود أي (الطباعة بالمفهوم الشائع) فتعني ضخ كميات إضافية من النقود في الاقتصاد ترفع الكتلة النقدية M0 أو حتى M2 عادةً ما تلجأ الحكومات لهذا الإجراء لتمويل إنفاق عاجل أو سد عجز مالي، وهو ما يُسمّى (التوسّع النقدي), وعند حصول توسع نقدي دون غطاء إنتاجي كافٍ، ترتفع الأسعار نتيجة زيادة القوة الشرائية الكلية في السوق أي يحصل تضخم, بعبارة أخرى: ليس كل طباعة للنقد تؤدي إلى تضخم، بل تتوقف النتيجة على الهدف من الإصدار وكيفية إدارته. إصدار فئة جديدة بهدف التسهيل والتحديث يختلف جذريًا عن طباعة نقود بهدف الإنفاق التمويلي.
الفرق بين إصدار فئة جديدة و الطباعة لتمويل الإنفاق
1-إصدار فئة جديدة (إعادة الهيكلة)يعني تغيير شكلي أو فني في العملة المحلية، كإضافة فئة أكبر أو تحسين تصميمها، لتسهيل التعاملات أو استبدال أوراق بالية, في هذه الحالة قد لا تتم إضافة أي سيولة جديدة مثال مبسّط: إذا كانت الكتلة النقدية المتداولة تبلغ 10 تريليونات جنيه (في فئات 500 و1000 مثلًا)، وقرّر البنك المركزي إصدار فئة 2000 جنيه وسحب كمية معادلة من الفئات القديمة، سيبقى المجموع 10 تريليونات دون تغيير, الفئة الجديدة هنا تُغيّر الشكل وليس الحجم الفعلي للنقود، أي مجرد إعادة هيكلة لأوراق النقد وليست زيادة في عرض النقود.
2-الطباعة بمعنى التوسع النقدي وهي زيادة الكمية الإجمالية للنقد المتداول بهدف تمويل احتياجات اقتصادية فعلية كتمويل عجز الموازنة، أو الإنفاق على مشروع ما، أو شراء سلع استراتيجية (ذهب، وقود… إلخ). في هذه الحالة يرتفع عرض النقود الكلي مثال: زيادة في M2 دون أن يقابل ذلك زيادة مكافئة في الإنتاج أو الاحتياطيات، مما يؤدي عادةً إلى ارتفاع الأسعار (تضخم) إذا تجاوزت الزيادة قدرة الاقتصاد.
فالأن مع إصدار فئة جديدة ليس بحد ذاته إجراءً تضخميًا طالما أنه لا يضيف نقودًا أكثر إلى الاقتصاد, الخطر يبدأ إذا رافق إصدار الفئة الجديدة توسّع في الكتلة النقدية أو استخدم غطاءً لتمويل إنفاق حكومي إضافي,و السؤال الجوهري: هل سيتم إدخال فئة الـ2000 جنيه كجزء من هيكلة العملة الحالية (أي استبدال جزئي للفئات الصغيرة) أم أنها ستُستخدم عمليًا كوسيلة لضخ المزيد من السيولة لتغطية التزامات حكومية؟ الإجابة على هذا السؤال تحدد أثرها المحتمل على التضخم.
تجارب مقارنة: بين النموذج الإثيوبي 2020 و كابوس زيمبابوي 2008
لنضع الأمر في إطار عملي من واقع التجارب, في السنوات الأخيرة، لدينا نموذجان متباينان لكيفية تعامل البنوك المركزية مع العملة وتأثير ذلك على التضخم: إثيوبيا التي طبّقت في 2020 تغييرًا للعملة ضمن سياسات إصلاحية، وزيمبابوي التي عانت تضخمًا مفرطًا في 2008 نتيجة طباعة جامحة للنقد, هاتان التجربتان تقدّمان دروسًا مهمة للسودان اليوم.
التجربة الإثيوبية 2020 إصدار إحلالي منضبط
في عام 2020، واجهت إثيوبيا مشكلات نقدية واقتصادية شبيهة إلى حد ما بما يمر به السودان حاليًا، أبرزها: انتشار سوق موازية للعملة الأجنبية، وارتفاع حجم النقد المتداول خارج الجهاز المصرفي (تقدّر بعض المصادر أن أكثر من 60% من السيولة وقتها كانت خارج البنوك)، إلى جانب انتشار التهريب والتزوير وتخزين الأموال في الاقتصاد غير الرسمي.
و كرد فعل، أقدم البنك الوطني الإثيوبي (NBE) في أواخر 2020 على خطوة جذرية: إصدار عملات جديدة (أوراق نقدية بأربع فئات جديدة للـ”بر“ الإثيوبي، بينها فئة كبرى 200 بر)، مع سحب التدريجي للفئات القديمة, مُنح المواطنون مهلة قصيرة (3 أشهر) لإيداع أوراقهم القديمة في البنوك واستبدالها بالجديدة، وأُلزم الجميع بالتعامل عبر البنوك خلال فترة الاستبدال.
أهداف الخطوة الإثيوبية كما أوضحتها الحكومة هناك كانت فنية وسياسية في آن معًا:
- مكافحة التهريب وغسل الأموال: كانت العملة القديمة متداولة بكثافة في السوق السوداء والأنشطة غير الرسمية، فاستبدالها جعل كميات النقود المخزّنة خارج النظام بلا قيمة ما لم تدخل المصارف. أي أن المهربين والمزوّرين وجدوا أنفسهم مضطرين لكشف أموالهم المخفية وإعادتها للنظام المصرفي وإلا خسروها.
- إعادة الكاش إلى النظام المصرفي الرسمي: عملية تبديل العملة أجبرت أصحاب الأموال الكبيرة على التعامل مع البنوك، مما أدى إلى زيادة كبيرة في الإيداعات البنكية مؤقتًا وتعزيز سيطرة السلطات على الكتلة النقدية, (وبالفعل سجّلت البنوك الإثيوبية زيادة ملحوظة في الودائع أثناء تلك الفترة)
- ضبط السيولة وكبح ارتفاع الأسعار مؤقتًا: سحب كميات ضخمة من النقد القديم أدى إلى انخفاض السيولة المتداولة في السوق على المدى القصير، فأحدث ذلك انكماشًا نقديًا طفيفًا ساهم في تهدئة ارتفاع الأسعار لفترة محدودة, تُظهر بيانات البنك المركزي الإثيوبي أن حجم النقد المتداول خارج البنوك انخفض بحوالي 40% خلال الربع التالي للإجراء، ما يعني انكماشًا مهمًا في السيولة المتاحة, في المقابل، ارتفع اعتماد الناس على البنوك في معاملاتهم وازدادت السيولة داخل القطاع المصرفي بشكل كبير (تضاعفت احتياطيات البنوك الفائضة خلال عام واحد بفضل هذه الإجراءات).
- رفع كفاءة الإشراف المالي ومكافحة التزوير: استُخدمت العملية أيضًا لتعقّب الأموال غير المشروعة وتقدير حجم الاقتصاد الخفي, العملة الجديدة جاءت بتصميمات وعلامات أمان محسّنة لصعوبة تزويرها، مما يساعد مستقبلاً في الحد من التزوير.
هل أدى ذلك إلى التضخم في إثيوبيا؟
إجراءات إثيوبيا في 2020 يمكن وصفها بأنها إصدار إحلالي منضبط فقد استُبدلت العملة القديمة بالجديدة بالقيمة الاسمية نفسها؛ كل ورقة نقدية جديدة دخلت التداول خرجت مقابلها ورقة قديمة من السوق, لذا، لم يزد حجم النقود الكلي في الاقتصاد بشكل مباشر نتيجة الإصدار نفسه، وبالتالي لم يحدث تضخم مرتبط بعملية الإصدار ذاتها, على العكس، حصل لفترة قصيرة امتصاص للسيولة الفائضة من السوق الموازي أثناء فترة الاستبدال، كما ذكرنا، مما أعطى أثرًا انكماشيًا مؤقتًا تجلّى في هدوء نسبي لوتيرة ارتفاع الأسعار في الأشهر الأولى التالية للإجراء, (تشير بيانات البنك الوطني الإثيوبي إلى تباطؤ مؤقت في التضخم أواخر 2020 بالتوازي مع تقلّص السيولة النقدية خارج البنوك), بالطبع، لم يدم هذا الأثر طويلًا؛ فبعد انتهاء مهلة الاستبدال وعودة النشاط النقدي المعتاد، عاودت الأسعار مسارها التصاعدي مع بقاء العوامل الأساسية المسببة للتضخم (كتمويل العجز وضعف الإنتاج), ومع ذلك، تبقى التجربة الإثيوبية ناجحة نسبيًا في تحقيق أهدافها قصيرة المدى دون إحداث صدمة تضخمية لحظية, لقد استعادت الحكومة سيطرتها على جزء كبير من الكتلة النقدية، وعزّزت ثقة الجمهور نسبيًا بالعملة الجديدة، وإن ظلت معالجة جذور التضخم تحديًا طويل الأمد.
التجربة الزيمبابوية 2008 التوسّع النقدي المُنفلت
على الجانب الآخر، تُعد زيمبابوي مثالًا كلاسيكيًا لما يحدث عندما يُستخدم البنك المركزي لتمويل عجز الحكومة بطباعة النقود بلا ضابط, في مطلع الألفية (خلال 2000–2008)، دخل اقتصاد زيمبابوي في أزمة حادة بعد تنفيذ برنامج إصلاح زراعي قسري شمل مصادرة المزارع الكبيرة من ملاكها، مما أدى إلى انهيار الإنتاج الزراعي والصادرات (الزراعة كانت عماد الاقتصاد هناك), تراجعت إيرادات الدولة من العملة الصعبة بشكل كبير وعانت الميزانية عجزًا ضخمًا, وبدلًا من معالجة الأزمة عبر إصلاحات هيكلية أو طلب دعم دولي، لجأت الحكومة إلى البنك المركزي لتمويل نفقاتها الجارية ورواتب القطاع العام ودعم الوقود والغذاء عبر الطباعة المباشرة للنقد.
أي أنها بدأت تطبع أوراقًا نقدية جديدة لسد كل فجوة مالية في الخزانة العامة. النتيجة كانت تضخمًا خارج السيطرة: ازداد عرض النقود بوتيرة فلكية تجاوزت النمو الاقتصادي بآلاف المرات, فنّيًا، شهدت زيمبابوي توسعًا نقديًا غير معقّم أي زيادة هائلة في عرض النقود دون أي امتصاص مقابل أو نمو إنتاجي.
ما حدث بعد ذلك؟
سريعًا ما وجدت البلاد نفسها في دوامة التضخم المفرط خلال 2007–2008 بدأت الأسعار تتضاعف في أوقات قياسية (شبه يومية)، وفقدت العملة قيمتها بشكل مأساوي. وفق تقديرات صندوق النقد الدولي، بلغ معدل التضخم السنوي في منتصف 2008 أكثر من 231 مليون بالمائة, نعم، مئات الملايين بالمائة سنويًا وهو من أعلى المعدلات المسجلة عالميًا في التاريخ الحديث. عمليًا، انهارت العملة تمامًا: أصبح الناس يتخلّصون من الدولارات الزيمبابوية فور حصولهم عليها لأنها تفقد قيمتها خلال أيام وأحيانًا ساعات. اضطرت الحكومة لطباعة أوراق نقدية ذات أرقام خرافية لمواكبة ارتفاع الأسعار؛ ظهرت فئات نقدية تصل إلى 100 تريليون دولار زيمبابوي (100,000,000,000,000 Z$) ورقة واحدة بهذه القيمة الاسمية كان بالكاد يمكنها شراء رغيف خبز خلال ذروة الأزمة. المصارف توقفت عن العمل الطبيعي، والمتاجر بدأت ترفض قبول العملة المحلية. وفي أواخر 2008، لم يكن أمام السلطات خيار سوى التخلي رسميًا عن عملتها الوطنية واعتماد الدولار الأمريكي وعملات أجنبية أخرى للتداول داخل الاقتصاد الزيمبابوي, بعبارة أخرى، فقدت الدولة استقلالها النقدي تمامًا؛ صار الاقتصاد يعمل بالدولار الأمريكي بشكل أساسي بعد أن أصبحت عملتها بلا أي قيمة.
لماذا حدث كل ذلك؟ يمكن تلخيص الأسباب بأن حكومة زيمبابوي حينها تجاوزت الخطوط الحمراء للسياسة النقدية:
-زيادة مفرطة في عرض النقود دون إنتاج مقابل: تمت طباعة كميات هائلة من الأوراق النقدية بلا أي غطاء إنتاجي أو احتياطي من النقد الأجنبيأي كثير من الأموال تطارد القليل من السلع الوصفة الكلاسيكية للتضخم الحاد.
-انهيار الإنتاج والثقة: الإصلاح الزراعي الفاشل دمّر قطاعات الإنتاج الرئيسية (انخفض إنتاج الغذاء والصناعة بشكل هائل)، فانهارت القيمة الحقيقية للاقتصاد. بالتزامن، فقد المواطنون الثقة تمامًا بالعملة المحلية وبإدارة حكومتهم للاقتصاد، فزاد إحجامهم عن الاحتفاظ بالعملة أو التعامل بها، مما فاقم سرعتها في السقوط.
-دوامة التغذية الذاتية للتضخم: مع كل ارتفاع جنوني في الأسعار، كانت الحكومة تطبع المزيد من النقد لتغطية العجز المالي ولدفع رواتب أصبحت قيمتها الفعلية تتآكل يومًا بعد يوم, هذا ضخ مزيدًا من النقود وأدى لموجات تضخمية متتابعة أشد، فيما يشبه الحلقة المفرغة المتسارعة.
و للتوضيح بحادثة مشهورة من قلب الكارثة: رغيف الخبز في زيمبابوي الذي كان سعره حوالي Z$1 (دولار زيمبابوي واحد) في عام 2000، وصل أواخر 2008 إلى ما يقارب 300 مليار دولار زيمبابوي للرغيف الواحد. وحتى تلك اللحظة، كان السعر يتضاعف خلال أيام. صدرت أوراق نقدية بتريليونات الدولارات الزيمبابوية كما أسلفنا، لكنها فقدت قيمتها حتى قبل أن تجف أحبارها. أغلبية الناس تخلّت عن استخدام العملة المحلية تمامًا، واتجهت للتعامل المباشر بالدولار الأمريكي أو الراند الجنوب أفريقي في السوق, المشهد كان سرياليًا: حقائب مليئة بالأوراق النقدية عديمة القيمة لشراء حاجات بسيطة، ومتاجر تغير الأسعار عدة مرات في اليوم، ونهاية مأساوية باضطرار الدولة لإلغاء عملتها, هذه التجربة تبقى تحذيرًا شديد اللهجة حول ما يمكن أن يحدث إذا اختلّ الانضباط النقدي وتمادى إصدار النقود في غياب الإنتاج والثقة.
أين يقع السودان؟ بين إثيوبيا وزيمبابوي
بعد استعراض النموذجين، نعود للسؤال: هل يشبه الوضع في السودان حاليًا تجربة إثيوبيا (الآمنة نسبيًا) أم ينذر بتكرار سيناريو زيمبابوي الخطير؟ حتى الآن، تشير المعطيات إلى أن السودان أقرب إلى الحالة الإثيوبية من حيث النية المعلنة على الأقل، لكن المخاطر قائمة إذا ساءت الإدارة أو تغيرت الدوافع. فيما يلي مقارنة على عدة مستويات: - طبيعة الإصدار وهدفه المعلن:
o في السودان: يصف بنك السودان المركزي طرح فئة الـ2000 بأنه إجراء فني وتشغيلي يهدف إلى تسهيل التداول النقدي وتحديث العملة، وليس لتمويل عجز مالي, البيان الرسمي للبنك أشار إلى أن الخطوة تأتي في إطار حماية العملة الوطنية واستقرار سعر الصرف والمساهمة في تحقيق الاستقرار الاقتصادي, ولم يُعلن حتى الآن عن أي زيادة في إجمالي المعروض النقدي (M2) مرافقة لهذه الخطوة, بمعنى آخر، الرسالة الرسمية أنها إعادة هيكلة للفئات وليست توسّعًا في طباعة النقود, وهذا شبيه بما فعلته إثيوبيا حيث كانت الغاية ضبط السوق وتحديث النظام النقدي دون ضخ سيولة جديدة.
o في زيمبابوي: كان إصدار الفئات الجديدة جزءًا من نهج توسعي بحت, الحكومة والبنك المركزي هناك طبعا النقود بلا حدود لملء فراغ مالي ناتج عن انهيار الإيرادات، أي أن الإصدار كان تمويليًا بامتياز وليس مجرد تغيير فئات, الفئات الجديدة (مثل 100 تريليون دولار) لم تكن إحلالية للعملات القديمة، بل كانت إضافة أملتها الحاجة لأرقام أكبر بسبب فقدان العملة لقيمتها. بفعل ذلك، تحوّل الإصدار إلى محرّك للتضخم عوض أن يكون مجرد إجراء نقدي عادي. - الانضباط النقدي ووجود غطاء اقتصادي:
o السودان حاليًا و رغم المصاعب الاقتصادية، حافظت السلطات النقدية نسبيًا على قدر من الحذر في التوسّع النقدي خلال الفترة الماضية. قبل الحرب الحالية، تبنّى البنك المركزي السوداني سياسات لتقييد المعروض النقدي وسحب السيولة الفائضة خارج النظام المصرفي (مثل قرارات تغيير العملة السابقة في أوائل 2021 و2022) بهدف امتصاص الكتلة النقدية خارج البنوك وتحجيم التضخم, حتى مع الحرب، لم يعلن رسميًا عن لجوء مباشر لتمويل العجز via طباعة غير مغطاة على الأقل ليس على نطاق واسع معلن. هذا يوحي بأن إصدار الـ2000 جنيه يجري في إطار محسوب إلى حد ما. ومع ذلك، تشير آراء بعض المحللين إلى وجود بوادر تناقض في السياسة النقدية الحالية: فمن جهة هناك توسع حاصل في طباعة العملة لتغطية التزامات الحكومة في زمن الحرب، ومن جهة أخرى يحاول البنك المركزي التشدد إداريًا عبر السيطرة على السوق الموازي والنقد خارج المصارف, هذا التناقض قد يعني أن الانضباط النقدي ليس مطلقًا وربما تُستخدم الفئة الجديدة جزئيًا لتغطية عجز (إن تم طبع كميات منها دون سحب مقابل). لكن إجمالًا: ما زال السودان أفضل حالًا من زيمبابوي من حيث وجود بعض الإنتاج (رغم تقلصه) واحتياطيات نقد أجنبي محدودة، والأهم عدم الوصول إلى حالة الانهيار الكامل للثقة بالعملة. - سياق التوقيت والدوافع الخفية (البعد السياسي):
في السودان يأتي إصدار الفئة الجديدة بعد سلسلة إجراءات نقدية خلال الأعوام الأخيرة تضمنت تغيير تصميم العملة (إصدار فئات 1000 و500 الجديدة في 2022–2024) ضمن برنامج إصلاح اقتصادي مدفوع بعوامل سياسية أيضًا. المثير للاهتمام أن توقيت طرح الـ2000 جنيه يأتي في خضم حرب أهلية (منذ أبريل 2023) بين الجيش النظامي و مليشيا قوات الدعم السريع هذه الحرب لها انعكاسات نقدية مباشرة: فقد سيطر المتمردون في بداياتها على مطبعة العملة في الخرطوم وعلى كميات كبيرة من الأوراق النقدية, تشير تقارير بنك السودان إلى أن نهب مقر البنك المركزي وشركة طباعة العملة أدى إلى انتشار أوراق نقدية من فئتي 500 و1000 مجهولة المصدر (يُحتمل أنها مطبوعة دون مواصفات رسمية) بكميات كبيرة، ما زاد السيولة ورفع الأسعار بشكل واضح,لذا يمكن فهم خطوة إصدار العملة الجديدة أيضًا كتحرك لتجريد المتمردين من الأوراق التي بحوزتهم وإعادتهم إلى الوراء ماليًا شبيه بما فعلته إثيوبيا ضد الاقتصاد الخفي ولكن هنا في سياق نزاع مسلح. بالفعل، عندما طرح بنك السودان فئة الـ1000 الجديدة أواخر 2024 لاستبدال القديمة، اتهمته قوات الدعم السريع بأن لديه ,(أجندة سياسية) خلف تغيير العملة, خشي المتمردون أن يفقد الناس في مناطق سيطرتهم مدّخراتهم إذا لم يتمكنوا من استبدالها بسبب تعطل البنوك هناك، واعتبروا الخطوة مقدمة لتقسيم السودان اقتصاديًا بين مناطق نفوذ. إذن البعد السياسي حاضر بقوة في حالة السودان العملة أداة أخرى في صراع الشرعية والسيطرة على الموارد, ومع ذلك، من منظور الاقتصاد الكلي البحت، يظل إصدار الـ2000 جنيه (حتى الآن) خطوة تقنية ضمن إصلاح العملة أكثر منه قرارًا طارئًا يائسًا, في زيمبابوي، كان الدافع للطباعة سياسيًا أيضًا (تمويل حرب الكونغو ورواتب الجيش مثلًا), لكن بفارق أن القرار هناك كان خيار اضطراري أخير لحكومة معزولة دوليًا ومنهار اقتصادها بالكامل.
في زيمبابوي ارتبطت الطباعة بسياق أزمة سياسية واقتصادية خانقة عزلة دولية، عقوبات، وانهيار الثقة بحكومة روبرت موجابي, لم تكن هناك خطة إصلاحية أو رؤية بعيدة؛ كان التوقيت محاولة يائسة للإبقاء على الحكومة واقفة ماليًا عبر أهون الحلول (طباعة النقود) دون اعتبار للعواقب, بل يمكن القول إن الطباعة نفسها أصبحت سياسة سياسية لإظهار قدرة الحكومة على دفع الرواتب والدعم، إلى أن وصل التضخم لمرحلة ألغت أي مكاسب سياسية. - سرعة دوران النقود vs. سهولة التداول:
أثيرت أيضًا مسألة تأثير الفئة الجديدة على سرعة دوران النقود أي معدل تداول الوحدة النقدية في الاقتصاد. هناك رأي يقول إن ورقة الـ2000 ستزيد من سرعة التداول لأنها تسهّل التعاملات الكبيرة نقدًا، وبالتالي قد ترفع الأسعار سريعًا. على سبيل المثال، يرى بعض المحللين السودانيين أن إدخال ورقة كبيرة سيؤدي إلى زيادة سرعة تداول الكاش ورفع الأسعار في الأجل القصير لمجرّد سهولة حمل مبالغ أكبر، بالمقابل، من المهم تمييز الفرق بين مفهوم سرعة دوران النقود (وهو مفهوم كلي يتعلق بقيمة المعاملات الإجمالية نسبة إلى المعروض النقدي) وبين مجرد سهولة التعامل النقدي. نظريًا، سرعة دوران النقود يحددها سلوك المستهلكين والشركات (ميلهم للإنفاق مقابل الادخار) وظروف الاقتصاد (النمو والإنتاجية ومستوى الأسعار العام)، وليس حجم الفئة النقدية وحده، إصدار ورقة أكبر يحسّن الكفاءة التشغيلية للتداول النقدي أي يقلل الوقت والجهد في عدّ ونقل النقود لكنه لا يعني تلقائيًا أن الناس سينفقون أموالهم بسرعة أكبر على السلع والخدمات. إن لم يكن هناك طلب فعلي زائد أو زيادة في الدخول والإنفاق، فستظل سرعة دوران النقود الكلية ثابتة نسبيًا حتى بعد إدخال الفئة الجديدة، نعم، قد يحصل تأثير نفسي: بعض الجمهور قد يفسّر وجود ورقة 2000 جنيه كإشارة على (تضخم قادم)، فيسارع بإنفاق ما لديه من نقود تحسبًا لارتفاع الأسعار وهذا بحد ذاته قد يرفع الأسعار بسبب توقعات التضخم الذاتية التحقق, لكن هذا أثر غير مباشر متعلق بالتوقعات والسلوك، ويمكن للسياسة الرشيدة احتواؤه عبر بناء الثقة والشفافية (مثلاً توضيح أن الإصدار إحلالي وليس لتغطية عجز).
اذاً سهولة التداول التي ستوفرها فئة 2000 مرحب بها لتخفيف العبء عن الناس (بدل حمل رزم من فئات أقل قيمة)، لكن لا ينبغي الخلط بينها وبين تغيير أساسي في النشاط الاقتصادي,إذا ظل الاقتصاد السوداني راكداً وضعيف الإنتاج، فلن تؤدي الورقة الجديدة إلا إلى تسهيل الدفع دون أن تنشط الاقتصاد بذاتها,أما أثرها على الأسعار، فمرهون بكيفية استخدامها فلو استُغلت لتمويل إنفاق جديد سنرى انعكاسًا تضخميًا؛ وإن ظلت ضمن انضباط إحلالي فقد يكون أثرها إداريًا أكثر منه اقتصاديًا.
مؤشرات في قراءة نهائية للوضع السوداني
في ضوء ما سبق، يمكن القول إن إصدار فئة الـ2000 جنيه سوداني لا يعني حتمًا إشعال فتيل التضخم، بشرط أن يتم كجزء من إعادة هيكلة للعملة لا كغطاء لضخ نقود إضافية. التجربة الإثيوبية الحديثة تُظهر أن تغيير هيكل العملة ممكن أن يحقق فوائد في ضبط السوق دون آثار تضخمية تذكر، بل قد يساعد مؤقتًا في كبح جماح الأسعار عبر سحب فائض الكاش خارج النظام المصرفي, بالمقابل، تجربة زيمبابوي تحذّرنا من أن توسيع الكتلة النقدية بلا غطاء هو طريق سريع إلى الانهيار, السودان اليوم أقرب لأن يكون في موقف من يريد إصلاح نظامه النقدي وتحسين كفاءته , وهو أمر إيجابي في حد ذاته ولكن عليه الحذر الشديد حتى لا ينزلق نحو التوسع النقدي غير المحسوب تحت ضغوط الحرب وتمويلاتها.
من المبكر الجزم بتأثير فئة الـ2000 على اقتصاد السودان, إن التزم البنك المركزي بسحب ما يوازيها من فئات قديمة (كـ500 و1000) ولم يضخها لتمويل عجز مباشر، فسيكون تأثيرها محدودًا على المستوى العام للأسعار, ربما تساهم في تخفيف حدة أزمة السيولة وتسهيل المعاملات النقدية الكبيرة، خصوصًا في ظل تضخم الأسعار الحالي الذي جعل التعامل اليومي بمئات وآلاف الجنيهات أمراً روتينيًا. كذلك قد تساعد الخطوة في إعادة المزيد من الأموال إلى البنوك إذا اقترنت بحملة لاستبدال الأوراق التالفة أو المجهولة المصدر مما يدعم جهود محاربة السوق الموازي وضبط سعر الصرف, على الجانب الآخر، يجب مراقبة توقعات المواطنين بعناية؛ فالوعي الشعبي يخلط أحيانًا بين (طباعة فئة كبيرة) و(انهيار قيمة العملة), معالجة هذا التخوف تتطلب شفافية من السلطات توضيح أن الإصدار إحلالي وليس توسعيًا، وربطه بسياسات أخرى داعمة كتحسين التحصيل الضريبي وتخفيض عجز الموازنة بوسائل غير تضخمية.
و بالطبع لا يمكن عزل الاقتصاد عن السياسة في حالة السودان, العملة الجديدة تصدر في بلد يشهد انقسامًا وحربًا أهلية؛ لذا سيكون نجاحها مرتبطًا أيضًا بنجاح السلطة في بسط الاستقرار وتوحيد النظام المصرفي عبر كامل التراب السوداني. المخاطر السياسية تشمل احتمال عدم وصول الإصدار الجديد لبعض المناطق أو رفضه هناك (كما حاولت قوات الدعم السريع التحريض ضد تغيير العملة سابقًا), أي تعثر في تنفيذ الإصدار بشكل شامل وعادل قد يضر بثقة الناس ويعطي نتائج عكسية. وبالتالي، المطلوب هو إدارة محكمة فنيًا وتوافق سياسي لضمان أن يُنظر للعملة الجديدة كخطوة نحو التعافي الاقتصادي وليس كعرض جانبي لصراع سياسي.
في المحصلة، فئة الـ2000 جنيه ليست بطبيعتها شريرة أو تضخمية؛ إنها أداة نقدية تحمل في طياتها فوائد ومخاطر, كيفية استخدامها ستحدد أثرها النهائي, السودان قادر أن يجعل منها خطوة إيجابية في طريق إصلاح اقتصاد منهك، بشرط أن تُستخدم بحكمة ضمن حزمة سياسات أشمل، وألا تتحول إلى وسيلة سهلة لتمويل العجز, عندها فقط، يمكن تهدئة المخاوف المشروعة وتحويل إصدار العملة الجديدة إلى نقطة قوة بدلًا من مصدر قلق.
بقلم : احمد بن عمر
dr_benomer@yahoo.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم