عنف السلطة واللامبالاة .. بقلم: محمد الاشرف
19 سبتمبر, 2015
المزيد من المقالات, منبر الرأي
43 زيارة
” ان اسوأ الجرائم لا يرتكبها الحمقي و الاغبياء بل يرتكبها المتحضرون الاذكياء باتخاذهم قرارات يوفرون لها المبررات و الدوافع الكافية” كولون ولسون حين لمع نصل السكين الحاد للعربي في وجه مارسو كان العرق المتراكم دافئاً و مالحاً يغطي عينيه. و لمعان الشفرة علي جفنيه مخلوطاً بلهيب الشمس الشرقية الحارقة هو ما دفع مارسو لتلمس المسدس في جيبه فاطلق اربع رصاصات في جسد العربي المسجي و انتهي كل شئ.
الوصف السابق هو الجزء الاهم في رواية الغريب للروائي الفرنسي الحائز علي جائزة نوبل للاداب البير كامو. وهو وصف اراه دقيقاً في التعبير عن حالة اللامبالاة في العلاقة بين القاتل و المقتول, بين ممارس العنف و الضحية. و سنقرأ في خواتيم الرواية لاحقاً ان دافع مارسو هذا في بهو المحكمةبتهمة القتل العمد وعند سؤاله عن سبب قتله للعربي قال ببساطة انه لم يحتمل حرارة الشمس التي لفحت وجهه مما دفع كل من بالقاعة الي الضحك و الاستهزاء. وقد يكون هذا السبب ذا دلالة رمزية اراد الكاتب ان يلتقطها القارئ الفطن التقاطاً و في ذات الوقت ذا دلالة تعكس حالة العدمية و الامبالاة التي انتابته تجاه ضحيته و قياساً علي ذلك تجاه معظم ضحايا العنف البشري بكل اشكاله.
يصف كولون ولسون الدافع الاجرامي للبشر بأنه ليس سوي انعكاس للطاقة الخلاقة لدي الانسان موجهة نحو اقصر الطرق و اسهلها لتحقيق الرغبات- اي ارتكاب الجرائم. لذا فهو يري التاريخ البشري كسجل حافل بالقتل و التنكيل و الارهاب و الحروب و المجازر بغية الوصول الي تحقيق هدف ما. ففي حالات المجازر الجماعية و الحروب تكون الايديولوجية هي المحرك الاول لسبر مكنونات العلاقة السيكولوجية بين القاتل و الضحية و ليس ادل علي ذلك من دوافع لتدمير هيروشيما بالقنابل النووية و الحربين الكونيتين الاولي و الثانية و الحرب ضد الارهاب حتي و ان ادي ذلك الي سفك بعض الدماء الذكية فلا بأس , ففي نهاية الامر الهدف هو (عالم افضل) علي حد تعبيره. و يقول ولسون في كتابه سيكولوجية العنف ” ان الدافع الاجرامي ليس شذوذاً او جنوحاً لفعل الشر اكثر من فعل الخير بقدر ما هو مركب طفولي و ميل طفولي الي الاستسهال و الاختصار. كل جريمة تنطوي علي طبيعة تتسم بالتدمير و الانتزاع و اغتصاب شئ و الاستيلاء عليه بدون استحقاق بالقوة او بالاغارة او بالعنف, هي نزعة للحصول علي شئ مقابل لاشئ”
يمكن اعتبار الاقتباس اعلاه صحيحاً في سياق تفسيره للعنف الفردي و الجماعي معاً – العنف المنظم او عنف الدولة و الجماعات. و يأتي اهتمامنا بعنف الدولة بالذات لفهم سيوكولوجية العنف البشري بسبب حضور شهر سبتمبر و ما يحمله من ذكريات انتفاضة الشعب السوداني في 2013. تأتي الذكري كواقع ماثل يلقي بظلاله علي واحدة من اكبر مجازر التاريخ السياسي في السودان المعاصر. و لعل الاتجاه نحو كتابة المقال و النظر الي فهم سيكولوجية العنف البشري كان باعثه حالة الاندهاش من عمليات القتل و البطش التي تمت علي يد مرتزقة حكومة الانقاذ بدم بارد و مناظر الاشلاء و الجثث المتناثرة و الملقاة علي الطرقات للشباب و النساء و جثث اطفال المدارس تخضب اليونيفورم المدرسي. عنف اتخذ طابع القسوة و الوحشية كرد فعل علي احتجاجات سلمية و مطليبة فكان ردهم الدهس تحت سنابك البنادق و اطارات السيارات, قنص ممنهج باستخدام الرصاص الحي في الاماكن المميتة من اجساد الضحايا. كل ذلك يشئ ببروز سيكولوجية جديدة و متطورة في ذهنية القتل و العنف لدي عصابة الانقاذ الحاكمة في السودان و ينبغي النظر بعمق الي دوافعها.
و للحديث عن انعكاسات حالة العنف المفرط و المستسهل في احداث هبة سبتمبر يجب الاخذ بعين الاعتبار و الفصل بين مستويين من مرتكبي العنف. مستوي من خطط و اعطي الاوامر بتنفيذ العنف وهو علي قمة هرم السلطة و مستوي من نفذ علي ارض الواقع. فالاول دافعه الايديولوجي ماثل لتحقيق نوع من السيطرة و الهيمنة علي ضحاياه, و الثاني يمكن تعقب دوافع ايديولوجية وراء سلوكه العنيف و لكن التفسير الايديولوجي وحده يبدو غير كاف لتبرير عنفه. يقول كولون ولسون في ايضاح علاقة القاتل بالضحية ” ان البشر لا يحتاجون الي ايديولوجية شريرة او سيئة لدفعهم الي ارتكاب سلوك غير انساني لان هذه المشاعر تسيطر علينا بسهولة و بدون اي ايديولوجية لان كل منا يحيا في حالة من الاهتمام بالذات و الانشغال بها تجعل الجار في نظرنا شئ غير حقيقي ولا واقعي” و يقول مستطرداً في ذات السياق ” اغلب القتلة الجماعيين ومن قاموا بارتكاب عمليات ابادة جماعية علي مسار التاريخ لم يكن لديهم مشاعر تجاه ضحاياهم تماثل مشاعرهم تجاه زوجاتهم و اطفالهم, تماماً كما يشعر أكل اللحم بعدم وجود رفقة بينه وبين البقر و الانعام التي يأكل لحمها”. من هذا الاقتباس يمكننا تفسير مظاهر العنف التي صاحبت الاحتجاجات و فهم التركيبة النفسية و الذهنية لمرتكبي تلك الجرائم في سبتمبر. و لعل الاهم هو حالة السلطة و لجوءها لممارسة العنف السياسي باستخدام طرف لامبالي لتحقيق اقصي درجات الممارسة العنيفة تجاه ضحاياه. ذلك الطرف هو قوة المرتزقة المعروفة بالجنجويد و التي ذاع صيتها السيئ في اطراف البلاد الغربية بدارفور من قتل و حرق و اغتصاب و نهب. و ما هو معلوم بالضرورة عن مليشيات الجنجويد من سجل اجرامي يؤهلها ان تكون خير اداة منفذة لعنف السلطة في قمعها للمتظاهرين و قتلهم. فالجنجويد هم الطرف اللامبالي و الموغل في عدميته ووحشيته تجاه المدنيين علي وجه الخصوص.
من التجارب السابقة لحالات عنف سلطة الانقاذ اتضح لها جلياً ان العلاقة التي من الممكن ان تنشأ بين الضحية و منفذ العنف يمكن ببساطة ان تحول دون حدوث العنف المنشود و الرغبة الاكيدة في الايذاء و الامعان في السيطرة علي الضحية. ذلك لأن الطرف المنفذ ان كان شرطي او جندي نظامي او حتي فرد امن و استخبارات عرضة لتغليب كفة اهوائه الذاتية و قد تنشأ حالة من التواصل و المشاعر الايجابية بينه و بين ضحاياه. و في بعض الاحيان يتعرف الضحية علي هوية جلاده بالصدفة- جار او صلة قربي, مما يخلق ارتباكاً في مشاعره او حرج اخلاقي يدفع الجلاد الي التعديل او التخفيف من وطئة سلوكه الاجرامي.
في احداث العنف المصاحبة لسبتمبر 2013 كانت سلطة الانقاذ بحاجة ماسة الي طرف ممارس للعنف يتسم باللامبالاة, طرف بمواصفات مليشيا الجنجويد, يقتل بدم بارد ضحيته التي لا تربطه به اي مشاعر انسانية او وطنية. تماماً مثلما فعل مارسو في رواية الغريب لالبير كامو. راي نصل السكين الحاد في وجهه و غطي العرق جبينه و ارتفعت درجات التوتر في داخله فاخرج مسدسه و اردي العربي قتيلاً فانتهي كل شئ بتلك البساطة.
كان و لازال مفجعاً منظر الضحايا في مخيلة المجتمع السوداني بعد انقضاء شهر سبتمبر في العام 2013. لان المجتمع السوداني يخلو تاريخ الصراع السياسي فيه لاي نوع من الاستخدام المفرط و العنف اللامبالي تجاه الابرياء و المتظاهرين علي وجه التحديد. لتنضم تلك الجرائم الي سجل الجرائم المدونة في دارفور من عنف دموي و حرق و اغتصاب و الي سجل الحروب في جبال النوبة و النيل الازرق من ابادة جماعية منظمة و تهجير قسري لبعض مناطق الشمال و تهجير بالقوة المفرطة و دماء الابرياء في بورتسودان شرقاً. كلها تشكل دفاتر عنف ممهور بتوقيع سلطة الاسلام السياسي اضافة الي حرب في جنوب السودان استمرت لعقود من الزمان.